اسفر الاتفاق الموقع بين مجموعة سياسية مدنية وسلطة الامر الواقع والمجلس العسكري الانتقالي في السودان عن ردود فعل متباينة وحالة من الانقسام الايجابي وسط مختلف اتجاهات الرأي العام السودانية التي ظلت ومع اختلاف وجهات النظر متمسكة بصورة صارمة بثوابت الثورة الشعبية والشرعية في التحول الديمقراطي والعدالة والمحاسبة لرموز وقيادات حكم الانقاذ في ظل مخاوف مشروعة من وجود تحالف بين فلول الدولة العميقة وقوي الثورة المضادة والحركة الاسلامية وجماعات المصالح المدنية والعسكرية يقف بطريقة ما وراء عملية التفاوض الجارية ويهدف الي المناورة وكسب الوقت لتحقيق اكثر من هدف في وقت واحد عن طريق تهدئة الشارع والمماطلة في الالتزام بتنفيذ بنود الاتفاق وبقية المطالب التي تنادي بها اغلبية السودانيين من الضحايا والمتضررين من فترة الثلاثين عام من حكم وهيمنة الاسلاميين.

ومايدعم تلك المخاوف قيام سلطة الامر الواقع باستباق تعين مجلس وزراء الحكومة المدنية القادمة بنوع من النشر والتسريب الاخباري المكثف والعناوين التضليلية المفخمة عن محاكمات عاصفة لعمر البشير ورموز النظام السابق واشياء من هذا القبيل ومن المفترض ان التعامل مع مثل هذه القضايا البالغة الاهمية والحساسية والخطورة والتي تتعلق بمصير وطن وامة وشعب من صميم اختصاص الجهات العدلية في الحكومة الانتقالية التي لم تري النور بعد وليس اي جهة انتقالية غير مكلفة .
الي جانب ذلك يتلاحظ ايضا التركيز الاخباري لاستثمار اجواء مابعد الاتفاق في المطالبة بضرورة رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للارهاب وانخفاض قيمة الدولار مما يؤكد سعي بعض الجهات للتعامل مع القوي السياسية علي طريقة " المغفل " النافع وحصان طروادة لتحقيق بعض المصالح العاجلة علي حساب القضايا المصيرية التي تنتظرها الامة السودانية .
وفي اشارة سلبية اخري يتلاحظ تبني بعض الهتيفة الاعلاميين من بقايا وفلول نظام الانقاذ دعم الاتفاق وسلطة الامر الواقع من العسكريين الذين اصبحوا مصدر الهام لايتام المشروع الحضاري الذي مزقته الملايين من الجموع الشعبية الهادرة والظافرة قبل عملية الخداع الكبري والانحياز المزعوم وبيان الجيش المخادع واعتقال الثورة وامال الشعب السوداني المشروعة في التحرر والتقدم والعدالة حتي اشعار اخر تكتمل فيه فرحة الشعب السوداني الكبري في يوم قريب بوضع حد للمناورات و الاستهبال المنهجي الذي تقوم به الحركة الاسلامية وانصارها من فلول الدولة العميقة.
في الوجه الاخر وردود الافعال المتحفظة علي الاتفاق في تحليل اخباري حول الاتفاق المشار اليه للكاتب عثمان ميرغني علي صحيفة الشرق الاوسط تحت عنوان :
" نصف اتفاق والآتي أصعب "
وصف الكاتب الاتفاق علي انه لم يكن اكثر من جرعة للتهدئة او ما يشبه جرعة التخدير قبل العملية الجراحية .
في وصف يتناسب تماما مع الوضع الراهن واضاف الكاتب في تحليله الرصين لاتفاق الخرطوم قوله :
" أن هذا الاتفاق لم يخرج عما اتفق عليه سابقاً وتسرب للناس، ولم يعد يحتوي على أي نقاط خلاف تذكر. فالخلافات الكبرى والأساسية تدور حول عدد من البنود المضمنة في الوثيقة الثانية المؤجلة من هذا الاتفاق، وهي وثيقة «المرسوم الدستوري» التي تفصل في مهام الفترة الانتقالية، وترتيبات الحكم فيها، وهياكل سلطاتها.
لماذا إذن كان الاستعجال في التوقيع على اتفاق منقوص بدلاً من الانتظار إلى حين حل كل الخلافات في المرسوم الدستوري، والتوقيع على الوثيقتين معا " .
الحزب الشيوعي السوداني ذهب اكثر من ذلك ووضع النقاط علي الحروف برفضه الاتفاق في بيان شامل قال فيه ان الاتفاق الموقع :
" منقوص ومُعِيب وأنه يصُب في مجرى الهبوط الناعم الذي يُعيد إنتاج الأزمة بالإستمرار في سياسات النظام السابق القمعية والإقتصادية والتفريط في السيادة الوطنية التي ثار ضدها الشعب السوداني، وهو لا يرقى لتضحيات جماهير شعبنا الممهوره بالدماء ولا لمواكب مليونية 30 يونيو و13 يوليو التي أكدت على المدنية الكاملة للحكومة الإنتقالية ".
ايام قليلة وستاتي اللحظة المفترضة لتنفيذ بنود الاتفاق ووضعها موضع التنفيذ وسيراقب الشعب السوداني المتحفز اداء السلطة التنفيذية والدولة الجديدة والشراكة المفترضة وموقفها من قضايا التحول الديمقراطي وبسط الامن والحريات وعملية المحاسبة الواضحة بواسطة جهات الاختصاص القانونية المكلفة من السلطة التنفيذية والحكومة المدنية التي ستظل تراهن علي مخزونها الاستراتيجي من المليونيات البشرية لحماية ظهرها اذا استشعرت غدرا او مماطلة او لف او دوران الي جانب ان السلطة المدنية المكلفة ستكون محصنة تماما ضد اي نوع من الاغراء وشراء الذمم والرشاوي السياسية .
فلننتظر مع المنتظرين لنري الي اين ستنتهي الامور.