لاتزال ردود الفعل علي الاتفاق الموقع بين القوي المدنية والمجلس العسكري في بداياتها وقد حظيت بدعم وتأييد اكثر من تسعة وتسعين بالمائة من اتجاهات الرأي العام في الشارع السوداني التي استقبلت الاتفاق بفرحة اسطورية تحمل ملامح المليونيات السابقة والمليونية الذهبية الاخيرة التي جعلت هذا الاتفاق ممكنا وحولته الي حقيقة وامر واقع بغض النظر عن احتمالات الموقف السياسي المستقبلية.

هناك تحفظات اعلامية محسوبة ومشروعة من بعض المحللين والصحفيين المحترفين حول الاتفاق تبدو معقولة الي حد بعيد وتراعي في تناولها لتطورات الاوضاع السياسية والاتفاق الاخير عدم اللجوء الي تجريم المفاوضين من القوي المدنية او التقليل من حجم المجهود الذي بذلوه وحجم المخاطر التي تعرضوا لها وهم من الشخصيات العامة المعروفة الغير مجروح في التزامهم الوطني ومواقفهم الصارمة من قضايا الشعب السوداني ومقاومتهم للتسلط الاخواني ونظام البشير حتي يومه الاخير.
وقد تلاحظ ايضا قيام اعداد كبيرة من بعض عناصر نظام البشير الاعلامية وبعض الواقفين علي ابواب منظماته في طوابير الرشاوي السياسية قد سارعو بتأييد الاتفاق ايضا الي جانب حزب المؤتمر الشعبي الاخواني لمؤسسه الدكتور حسن الترابي المتهم الاول المفترض في قضايا لا تسقط بالتقادم علي الرغم من رحيله عن الدنيا في اتهامات ترقي الي مستوي شن الحرب علي الدولة وتقويض اركانها الي جانب جرائم القتل والتعذيب والابادة الجماعية لمواطنين سودانيين وتفكيك مؤسسات الدولة القومية والفساد ونهب ثرواتها ومواردها القومية.
قديما قالوا الشهرة الكاذبة تجف بحرارة الاختبار ومن المؤكد ان
التعامل مع ملفات العدالة الانتقالية فور تشكيل الحكومة المدنية المفوضة من الشارع والشرعية السودانية ستشكل الاختبار الحاسم في الايام القليلة القادمة لمصداقية وقوة بل شرعية الاتفاق الموقع بين القوي المدنية والمجلس العسكري الانتقالي وهي مهمة خطيرة وعظيمة جدا علي خلفية مخالفات وجرائم وانتهاكات ارتكبت خلال ثلاثين عام من الحكم التسلطي الانفرادي.
كل الاحتمالات واردة ومن غير المعقول ان تستسلم فلول الدولة العميقة والثورة المضادة بين يوم وليلة ولكن المهم في الموضوع اين ستقف سلطة الامر الواقع التي سيكون بيدها امر وزارة الداخلية وسلطة تنفيذ القانون الي جانب وزارة الدفاع والقوات المسلحة المناط بها الي جانب مهام الدفاع عن حدود البلاد حماية الامن الداخلي في اوقات الخطر والمساهمة في منع الانفلات والفوضي.
علي صعيد عمر البشير المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية ليس من المستبعد ان تقوم المحكمة المعنية بالمطالبة بتسليمه من جديد في ظل الاوضاع الجديدة وبعد تشكيل الحكومة المدنية بطريقة قد تربك الاوضاع خاصة في ظل الرفض المتكرر للمجلس العسكري بتسليم البشير دون التقدم باي اسباب وبطريقة غامضة عن نوايا المجلس العسكري تجاه هذه القضية وقضايا اخري في ذات الصدد.
ولكن اليوم يوجد وضع اخر يجعل عملية المناورة والتهرب من الاستجابة لمطالب الشعب والشرعية السودانية في ظل الواقع الذي خلقه الاتفاق الاخير بين العسكر والمدنيين امر من رابع المستحيلات في ظل الرقابة الدولية من قوي المجتمع الدولي التي دعمت وساندت الاتفاق المشار وفوضت الاتحاد الافريقي للاشراف علي وضعه موضع التنفيذ ليصبح جميعهم شهود عليه.
عودة الي موضوع البشير والمحكمة الجنائية الدولية علي من يهمهم الامر من الذين سيتعاملون مع هذه القضية ان يضعوا في الاعتبار ان قضية دارفور قبل موضوع البشير تعتبر قضية امن قومي من الدرجة الاولي باعتبارها السابقة الاولي في تاريخ الدولة السودانية والقضية الاولي التي عبرت حدود الدولة القومية بطريقة سببت اضرار جسيمة لاسم السودان وشعبه لكل ذلك لابد ان يقوم القضاء واجهزة العدالة السودانية بفتح تحقيق وطني حول ماجري في دارفور واين وكيف ولماذا حتي يعرف الشعب السوداني الجذور الحقيقية لما حدث في الاقليم المنكوب ومن حق العالم ان يطلع علي تفاصيل القضية علي ضوء التحقيقات الوطنية وكل المتاح حتي هذه اللحظات بواسطة محكمة لاهاي والعدالة الدولية هو الشق المتعلق بالانتهاكات المريعة والقتل والابادة التي حدثت علي الارض في دارفور لاول مرة في تاريخ الدولة السودانية ولكن لا المحكمة الجنائية ولا مجلس الامن الدولي يملك حقيقة ماحدث في دارفور ولماذا انطلقت الشرارة الاولي في حرب الابادة .
لكل ذلك يظل عمر البشير مع اخرين احد اهم المطلوبين لعدالة الحكومة المدنية القادمة قبل المحكمة الجنائية التي يجب مخاطبتها بكل تقدير واحترام علي الدور والجهد الذي بذلته في التحقيق في مذابح دارفور في توقيت صعب متحدية بلطجة النظام العقائدي السابق مع ترك الخيار لها بالتعاون مع مؤسسات العدالة السودانية القادمة حول هذه القضية وحضورها مراحل التحقيق والمحاكمات اذا وصلت الاوضاع الي هذا الحد من موقع المراقب.
نريد التصالح مع انفسنا ومع العالم من حولنا وان نرد اعتبار الدولة السودانية وعلمها ونشيدها القومي وعلي الجنرال البرهان ومن معه ان يعلموا ان تعاونهم في تحقيق العدالة والمساهمة في استقرار الدولة السودانية سينعكس عليهم ايضا مع رئيس الوزراء المدني القادم حيث سيستطيع الرئيس القادم لمجلس السيادة ان يتنقل بين دول العالم بطريقة مختلفة عن اسفار وتنقلات البشير التي كانت اقرب لرحلات سمسار ومقاول انفار اكثر منه رئيس دولة قومية محترمة سيكون متاح للجميع ولاول مرة السفر دون قيود وبطريقة محترمة مصحوبين بعلم البلاد ونشيدها الوطني.
/////////////////////