عمنا إبراهيم محمد كان وكيل البوستة. ومنصب الوكيل من المناصب المرموقة آنئذٍ في نهايات الخمسينات في الفاشر عاصمة مديرية دارفور الشاسعة. وكشأن كبار موظفي الدولة، يسكن بحي الكرانك، حي الموظفين الراقي في المدينة. والكرانك هي بيوت حديثة شيدها الاستعمار لسكناهم وسكنى كبار موظفي الدولة، وبنظام جميل وشوارع نظيفة واسعة وكذلك البيوت، والتي تنقسم، شأن البيوت الحكومية، إلى درجات حسب علو منصب قاطنيها. الكُرْنُك في الأصل مبنى مربع أو مستطيل، جدرانه من الطين اللبن (الجالوص) أو الطوب، وسقفه من القش، غير أن كرانك الفاشر مسقوفةً بألواح الزنك، ومن فوق الواح الزنك مغطاة بالقصب وقش "النال" أو "السِّمًيْم"، ومع مطارق شجر "السدر" الطويلة الملساء أو القنا المضفور بإحكام بديع، فيصير مانعاً للحرارة في الصيف ودفيئاً في الشتاء، وللمبنى من الداخل سقف مستعار من خشب الأبلكاش أو قماش الدمورية السميك(وزن عشرة)، مشدود بأسلاك تثبت القماش بالسقف، والأبواب من ثلاثة طبقات، باب الشيش الخشبي، وباب من الشبك المعدني (نملية من طبقتين) والباب الثالث من مربعات الزجاج في النصف العلوي من الباب. ثم وبنوافذ كبيرة بذات الطبقات الثلاثية. وهكذا بُنِيِ الحي كله، وإذْ في عُرْفِ الناس أن كل مبنىً من طينٍ مسقوفٍ بالقش هو كُرْنُك، فغلب على الحي اسم الكرانك.

عمنا إبراهيم، والمشهور عندنا بعمِّ الوكيل كان صديقاً حميماً لوالدنا إبراهيم محمد النور، عميد العائلة، وبهذه الصفة صارت الأسرتان على صلة طيبة، وكان ابنه مأمون يعمل بمكتب الاستعلامات والعمل، أو مكتب الإعلام بعدئذٍ، حسب تغير الأسماء بتغير السياسات المختلفة. وعندما أحيل عمي الوكيل إلى التقاعد، أصر والدنا إبراهيم على أن ينتقل مأمون للسكن معنا وقد كان. سكنا معاً في الديوان، وكان ذلك نحو عام 1963. كان مأمون مكتنز الجسم، فإن كان طول السوداني خمس قدم وست بوصات، فإن طوله لا يتجاوز الخمس أقدام بأي حال، وعيونه ليست عسلية، بل أقرب إلى اللون البني، مع نظر ثاقب يشع ذكاء، وهو في أوائل العشرين من عمره، آنئذٍ، وكان رأسه كبير بشكل ملفت وكان وسيماً، قمحي اللون، مجعد الشعر كثيفه، ويلبس دائماً بنطالاً وقميصاً قصير الأكمام ولا يحشره في بنطاله أبداً بل يتركه طليقاً، إلا إذا اضطر إلى لبس بدلة في الشتاء لزوم البروتكولات التي لا مفر منها. اشتهر مأمون بين زملائه في المكتب باسم مامون الوكيل، وأحياناً بود الوكيل.

لمأمون هذا أثرٌ كبير في تشكيل حياتي الثقافية، وعلى المنحى الذي اتخذته في كتابة الشعر، وله عليَّ فضلٌ، لا أفتأ أذكره! وأذكر أني ما رأيت شخصاً أصابه الظلم وغمط الحق مثله، ولم أر إنساناً جهل الناس قدره مثله، ولم أر أحداً ينطبق عليه المثل( سبع صنائع والبخت ضائع ) كما انطبق عليه، كأن المتنبي تمثله حين قال:
( انا في أمة تداركها الله *** غريب، كصالح في ثمود)!

وإذا تكون كريهةٌ أُدْعَى لها
أوكل إليه تحرير النشرة الأخبارية التي يصدرها المكتب، وفيه أخبار المصالح الحكومية وسفر وعودة وزيارات المسؤولين، وكانت تطبع على أوراق الشمع وتستنسخ بالرونيو وتدبس ثم توزع على المكاتب كل أسبوع. أكثر المعنيين لا يولونها الاهتمام، ما لبث أن أعاد تبويبها، جعل لها غلافاً من ورق أثقل ملون، أدخل عليها بعض المعلومات الإضافية عن المديرية، جعلها قابلة للقراءة، وصار الناس يتهافتون عليها كل ثلاثاء، صارت ذات قيمة!

كان يجيد التصوير ويتعامل مع الكاميرا بفهم واحترافية، وحين يغيب مصور المكتب الأستاذ محمد عبد الرسول في مأمورية أو إجازة، أو لسبب طارئ، كان هو يتولى المسئولية باقتدار، ويتحدث لك عن الكاميرا والتصوير والعدسات ومزايا كاميرات الكانون أو الكاميرا اللايكا والبوكس الألماني والعدسات اليابانية، أو حين يبدأ في تحميض الصور، ويتحدث عن، أو يعمل في الغرفة المظلمة ( Dark Room) لاستظهار الصور وتعليقها حتى تجف أو حين يعكف على مونتاج الصور السالبة "النيجاتف"، لوضع الرتوش بصبرٍ ودأب، واستعمال فرشاة الشمع، وأمواس الحلاقة والدبابيس، وهو يضع النجاتيف على اللوحة، ثم بعدئذٍ يذوب المواد الكيمائية المختلفة لاستظهار الصورة، فإنك تعرف لِمَ يتهافت كبار المسؤولين للحصول على صورهم التي التقطها لهم مأمون! وحين يحدثك عن العدسات مثل عدسة عين الطائر أو عين السمكة، وأنواع ال"زووم"، وكيف تتعامل مع الصور المتحركة والثابتة، وكيف تضبط فتحة العدسة وسرعة اغلاقها، وأي الكاميرات تصلح لأي نوع من التصوير، فإنه يذهلك!

رجل المهام الصعبة
في أوائل الستينات ابتكرت الإذاعة السودانية برنامجاً أسمته رسالة المديريات، وخصص يوماً واحداً في الأسبوع لتقدم كل مديرية برنامجاً إذاعياً عن الثقافة والفن والأحداث المهمة فيها، بدأ البرنامج بنصف ساعة ثم تطور إلى ساعة كاملة. حين عهد إلى مأمون إعداد رسالة مديرية دارفور، خرجت من كونها مجرد نشرة أخبار محلية، وترفيهية، لقد جعل منها برنامجاً توعوياً تثقيفياً وتوثيقياً بامتياز. كنا نساهر معه الليالي الطوال، وبالأخص أيام وليالي الخميس والجمعة والسبت، لأن شريط المادة المسجل يجب أن يرسل إلى الإذاعة السودانية بطائرة الأحد ليتم إعدادها لأن رسالة مديرية دارفور، يجب إذاعتها في السابعة من مساء الثلاثاء كل أسبوع.

لاقت هذه الرسالة رواجاً وصيتاً فاق التصور. في البدء، اختار لها موسيقى المقدمة معزوفة عذبة بصفارة الأبنوس للأستاذ حافظ عبد الرحمن مختار أسماها حافظ في ذلك الوقت " النغم الحزين"، حافظٌ كان يومئذٍ واسرتهم في نيالا، في بداياته الفنية الأولى، التقطه مامون بحسه الثاقب. وبعد أعوام من ذلك جدد موسيقى المقدمة بمعزوفة على آلة "الكُرْبي" للمغني "البصير" سنين رزق. كانت للرسالة شخصيتها المتميزة منذ البدء. كان ذلك بالضبط من نوع العمل الذي يهواه مأمون. جاب أنحاء دارفور شرقاً وغرباً وجنوباً وجلس وأجرى وسجل حوارات ولقاءات مع شخصيات محلية وتاريخية، وكان يتمتع بقدرات هائلة في فن إدارة الحوار وبالأخص مع الرموز المحلية، فعرَّفَنا على الحدايين من أمثال علي قماش حلو وراضي عبيدهن "نبال هوسا"، وغيرهم وعلى مجموعة من الحكامات وغنائهن العذب، وتركهم يسردون لنا مواضيع الغناء وأسرار المراحيل وصفات السعية وأماكن النشوق والطرق، وأدار حوارات عميقة مع النظار والشيوخ، عَرَفْنَا سنين رزق، ذلك المغني الأعمى "البصير"، ومن خلال غنائه العذب الشجي سرد لنا تاريخ دار مساليت وطوف بنا حول ملحمة " دروتي" والسلطان تاج الدين وتعرفنا على الآلات الموسيقية المحلية وكيفية صناعتها وعزفها، واستعمال الأوتار المختلفة للآلة الواحدة حسب تغيُّر الفصول، سجل ووثق حلقات شهيرة عن دخول الإنجليز دارفور مع أحد الجنود الذي كان مع جيش الغزو(مذكرات عمنا فضل موسى)، والذي استمر لأعوام، كان الناس يترقبونها كل ثلاثاء بمتعة وحرص شديدين، ترك لمكتبة إعلام الفاشر تسجيلات نادرة، اكثرها موجود في ارشيف الإذاعة، واكثر منها ضاع في حريق أصاب مكاتب الإعلام في الفاشر، ففقدنا كنز ثمين يستحيل تعويضه.

تلك الجهود رفعت من أسهم مكتب الإعلام في الفاشر، وكثرت المكائد والمؤامرات والتدخلات، أحياناً كثيرة بغير مسوغ مفهوم، وبدت الغيرة، من بعض الرؤساء، تحديداً، وبإصدار توجيهات غير سديدة وبتسلط معيق، وفي المقابل ايضاً صادف بعض الرؤساء الذين هم اكثر تفهماً وارحب صدراً فقدموا له الدعم لانطلاق البرنامج وفق ما كان يرى ويخطط ويحلم، مما مكنه من السفر إلى أجزاء كثيرة من أرجاء المديرية الشاسعة.

الليل، الليل ما بنومو، أنا حارس نجومو.. الليل
كان يأتي بحصاد أسفاره من التسجيلات الصوتية، وأوراقه الكثيرة، ونجلس إلى مسجل الريل الضخم ماركة "جرونديق" الذي جلبه من المكتب إلى البيت، ومعه مسجل ال"ليبهر" المتحرك، صغير الحجم ثقيل الوزن، والمسجل الثالث، ندير الأشرطة ونعيد تسجيل أجزاءٍ بعينها، ثم يتولى الشرح والتسجيل وتداخل الأصوات من شريط إلى آخر، من قطع وإعادة وتكرار، يسميه المونتاج، يفعل ذلك ونحن معه مرات ومرات، لا يمل ولا يتضايق، يسرقنا الليل، وعلى مشارف الصباح يدركنا الرهق فنلملم الأجهزة، بعد أن صار لنا شريط" ماستر" للمادة الإذاعية. كان يستمع إلى الشريط رئيس المكتب، وربما أبدى بعض الملاحظات، يتم تداركها، وترسل، ودائماً في الميعاد المضروب بطائرة الأحد!
لا يمتاز مأمون بخط جميل، ولكن خطه واضح مقروء وحروفه كبيرة، يكتب على ورق غير مسطر، وبين السطور فراغ كبير. كثير القراءة، فهو مشترك منتظم لمجلة الآداب البيروتية لسهيل إدريس، ولمجلة الطليعة ، ومجلة الكاتب، وروز اليوسف وصباح الخير، منه اطَّلَعْتُ على أشعار البياتي، وصلاح جاهين، وعرفْتُ ناظِمْ حِكْمَتْ! انتابَهُ حُزْنٌ عميق حين سمع بموت ناظم حكمت، وكان يردد كثيراً أبيات صلاح جاهين:
(عَمِّ ناظِمْ،
بعد ما طابْ وقاعِدْ في الجنينة،
يقرا في الجُورْنالْ ويكتُبْ جواباتْ،
قالوا مات!)!
يحدثني، وأنا في سنواتي الأولى في الثانوي، عن صلاح أحمد إبراهيم، وعن بركات موسى الحواتي، وعن صديق محيسي وعن عبد الله علي إبراهيم، ويعرفني بمجلة الخرطوم فقرأت فيها لمحمد المكي، ومصطفى سند وعبد الله شابو وسبدرات: (يا نهدها اشرأبَّ ناطح القميص ما انكسر) و للجيلي عبد الرحمن ( الليل ينيخ على أفق مدينتنا والشارع مربد، ماذا تلد الهرة سوداء الأبوين سوى هرٍّ أسود!).كان يحدثني عن كوبا وفيدل كاسترو، وكان عندما يحكي عن جيفارا، كأنه كان معه في جبال سيرا ماديرا، وعن ماو والثورة البلشفية، وعن بوشكين وتولتسوي. كنت أتعجب، وهو في سنه تلك، متى توفر له الوقت لقراءة كل ذلك وأين كان من قبل، قبل أن ألتقي به في منزلنا!

المعلم
كانت محاولاتي الشعرية الأولى تقليداً لما كان متاحاً آنئذٍ من شعر، إذ كانت على النحو التقليدي، شكلت ثورة اكتوبر مادة طيبة له من حماسة تلك الأيام. عندما كان يقرأ أو يستمع إلى شعري كان يقول لي أن هذه أبيات تقريرية، وإنها مباشرة، ولا ينبغي للشعر الجيد أن يكون هكذا، لم أكن أفهم وقتها ما التقريرية ولا كيف أبتعد عن الشعر المباشر، كان يردد لي على سبيل المثال، وأظنه من شعره هو:
( يا ابن الوليد،
صدأُ السيوف
أعداؤه النيران
والكلم المجلجل
والسيوف)
قلت له كيف أتخلص من التقريرية والمباشرة، قال أعرف ذلك وستتعلمها بالتجريب والملاحظة! دلني على أمثال البياتي، ووجدت عسراً، أول الأمر في تذوقهم، واطلعت منه على الفيتوري والشعر في مجلة الآداب ، بعدئذٍ، ودون ملاحظاته تلك، ما كنت سأبلغ ما بلغت الآن!

وتلفَّتَتْ عَيْنِي ومُذْ خفِيَتْ عَنِّي الطُّلولُ، تَلَفَّتَ الْقَلْبُ
مضت الأيام، دخلت الجامعة، في الأجازات أجدني، كالعادة في مكتب الإعلام بالفاشر، اندلعت ثورة مايو 1969، نظمت قصيدة تمجد الثورة، ألقيتها بكل الحماسة التي تتطلبها تلك اللحظات وإذيعت، ضمن رسالة مديرية دارفور في امسية الثلاثاء المعتادة، قبل إذاعتها كنت خضت نقاشاً مع الأستاذ مكي قريب الله، وكان ضابط الإعلام المسئول بالفاشر يومئذٍ، حول بيت ظَنَّهُ مكسوراً وزعَمْتُ غير ذلك، كنت أقول فيه (دمُّ الشعب)، وكان مكي يقول أن كلمة (دمّْ)، بالتشديد ليست فصيحة، بل هي (دَمْ) على التسهيل، فإن قرأتُه على التسهيل اختل الوزن، فقلت له إن الدمَّ بالتشديد صحيحة، واحضَرْتُ، فيما أذكر، القاموس المنجد، فوجدنا أن الكلمة ترد بالصيغتين، بالتشديد والتخفيف، قال إنه يقبلها مني، ولكن لا يستسيغ تأويل المنجد، وهكذا أُذِيعَتْ!

تكالبت على مأمون المصاعب. توفي والده عمنا إبراهيم الوكيل، وكان صهره، نجم الدين الشريف سادن الآثار وأول مدير للمتحف القومي قد توفي أيضاً! وتم نقل مامون إلى إعلام عطبرة، في منزلهم بحي الحصايا، وقد زرتهم بعد تخرجي من الجامعة وبعد أن أجريت أول معاينة لي للتوظيف، في فترة الانتظار تلك، وفي بيتهم بالحصايا، وفي نشرة أخبار الثامنة مساءً، استمعت إلى قبولي موظفاً في الجمارك السودانية، وعليَّ مقابلة إدارة الجمارك بعد يومين من إذاعة الخبر، فغادرت عطبرة بالقطار إلى الخرطوم، كان ذلك آخر عهدي برؤية مأمون، لم تنقطع الصلة، بل انقطعت، بعد أن تخرجت وعملت، لم تبق إلا الرسائل المتباعدة، والنوى والأسفار، ولكن أعلم أنه قد أبلى بلاءً حسناً في إعلام عطبرة، وبكل خبراته الذاخرة، تتلمذ على يديه أجيال، وتنكر له، كما يحدث له دائماً، آخرون! تَقَصَّيْتُ أثره، في إجازات الإغتراب الشحيحة تلك، فعلِمْتُ أنه استقر في الخرطوم مصححاُ بأحدى صحف الإنقاذ في أيامها الأولى، ويا لمرارة ما ذاقَ وعَانَى، وقد صار أباً لأبناء عليه التضحية بكل شيء حتى يشقوا طريقهم في عز وكرامة، كانا يميزان شخصه ويزينانه، وكبرياء نبيل !

في إحدى الإجازات صعقتُ بنبأ وفاته، ويا شد ما حزنت ولفني الأسى! فلو أن أهل دارفور، وبالأخص هذه الأيام، يقيمون تمثالاً لأحد وفاءً وعرفانا لكان لهذا المحسي النبيل، الذي عشق أهل دارفور، ونبش وأجلى أجمل مافي تراثهم فَعَرَّفَ الناسَ بها، دون مَنٍّ أو أذى!

رحم الله المأمون أبا ناظم، فمثله هو الفقد، اللهم أكرمه وأنزل على قبره شآبيب الرحمة، وأصلح له في ذريته وأجعلهم، كما والدهم، خيرهم يفيض على الناس، حباً وعطاءاً.

عالم عباس/2009

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.