يقسم الخبراء التخطيط الاقتصادي إلى عدد من المراحل تشمل التخطيط الشامل، والتخطيط الجزئي، والتخطيط القطاعي. ويعتبر التخطيط الشامل هو التخطيط الاستراتيجي للدولة ويشمل كل الأنشطة الاقتصادية للبلاد، ويتطلب تحديدًا دقيقًا للأهداف المطلوب تحقيقها في جميع مراحل عمليات الجهاز التنفيذي على مستوى الدولة. ويرتبط نجاح هذا التخطيط بمدى ما يحتويه من أهداف المجتمع وطموحاته وبمدى توفر أركانه الأساسية المتمثلة في الواقعية والشمولية والمرونة والاستمرارية. أما التخطيط الجزئي فهو تخطيط يتركز على بعض القطاعات الاقتصادية المختارة. كما ويعد التخطيط القطاعي في مضمونه تخطيطا جزئيا، يهتم بتحقيق الشمولية في النشاط الاقتصادي، إذ يشمل عدة جوانب مختلفة لقطاع معين، شاملة بذلك التخطيط لكل مرحلة من مراحل تكوين رأس المال، وعمليات الإنتاج والكادر البشري، وتنظيم القطاع الانتاجي بصورة كلية، والخدمات الضرورية له. ويشمل كذلك التخطيط للمشكلات التسويقية والتمويلية.
وعند تطبيق تلك المفاهيم النظرية على واقع الاقتصاد في السودان، نجد أن التخطيط الاقتصادي لم يسر بمنهجية علمية، أو حتى مستقرة وواضحة المعالم منذ تكوين الدولة الوطنية التي أعقبت استقلال السودان من الحكم الثنائي (البريطاني – المصري). وكانت منهجية الاقتصاد في ذلك الحكم الاستعماري تقوم على إنفاق الدولة على نفسها بما يتناسب مع موارد الدولة ووفق مكونات المجتمع، حيث كانت غالبية السكان تمتهن مهنتي الزراعة والرعي، بالإضافة لما قام به ذلك العهد من إنشاء للبنية التحتية في البلاد وفق ما يحقق أغراضه الاستعمارية، و ليس بالطبع بغرض بناء دولة حديثة.
ثم جاءت مرحلة الدولة الوطنية التي لم تضع أي خطة استراتيجية لبناء ملامح اقتصاد وطني. بل استمرت على ذات النهج الذي وضعه المستعمر، وهنا لا يمكن تبرير عدم وجود خطط اقتصادية بعدم وجود كوادر بشرية تدير الاقتصاد، حيث أن حقبة الاستعمار الانجليزي كانت قد أسست قواعد قوية للتعليم بكافة مراحله وذلك بإنشاء مؤسسات تعليمية متوسطة وعالية ذات مستوى رفيع، وأقامت كذلك نظاما جيدا للخدمة المدنية.
وهكذا تعاقبت الحقب السياسية المتنوعة في السودان، وتقلبت بين أنظمة ديمقراطية وأخرى شمولية، ولم تأخذ جميعها بمفهوم التخطيط الاستراتيجي للدولة على أنه يخص الدولة كمسمى، وليس له علاقة بالأيدولوجيات السياسية المتغيرة.
ومر السودان خلال تعاقب تلك الحقب السياسية المختلفة، بحقبة سياسية إتجهت لدمج الصناعة مع الزراعة، دون أن تمر هذه السياسات باجراءات التخطيط استراتيجي لمفهوم الصناعة، الذي يحتاج إلى بنية أساسية من طرق ومواصلات وهو الشيء الأساس الذي لم يكن متوفرا في ذلك الوقت. كذلك لم ينتشر التعليم المهني ليخدم قطاع الصناعة، أو ليوفر للثورة الصناعية الأيدي العاملة الماهرة. حيث لا زال قطاع العمالة الماهرة حتى الآن يتسم بالضعف الشديد، وغير قادر على تلبية احتياجات سوق العمل.
ففي مجال تصنيع الأغذية، على سبيل المثال، لم يتم التخطيط للمنتجات المحلية وكيفية تصريفها حتى في الاسواق المحلية التي يمكن أن تستوعبها. وظلت حتى تلك المواد الخام تعاني من تعثر وصولها للمصانع بسبب موسميتها، أو لعدم وصولها في وقتها لصعوبة المواصلات نسبة لعدم توفر طرق مسفلتة أو حتى مرصوفة آنذاك. واستمر الحال حتى أصبحت بعض المصانع تعمل في مواسم محددة، مما جعل توفير العمالة الموسمية أمرا عسيرا. أما الصناعات الأخرى مثل مصانع النسيج فقد واجهت هي أيضا العديد من المعوقات المستندة جميعها لعدم وجود تخطيط دقيق أو حتى دراسة جدوى، فأصبح إنشاء مصنع في مكان ما هو أقرب للقرار السياسي العشوائي أو المقصود لمكاسب سياسية آنية من كونه تخطيطا استراتيجيا لاقتصاد دولة حديثة.
وتلاشى دور الصناعة بانتهاء تلك الحقبة السياسية، ليبدأ السودان نوعا آخر من الاقتصاد مع حقبة أخرى آثرت الاستيراد بضمان القروض الخارجية والداخلية مما خلق عجزا مستمرا في الميزان التجاري، ولم تقم الحكومة حينها بأي محاولة لإصلاح ما خلفته الحقب السابقة في محاولاتها غير الموفقة لتشكيل ملامح أساسية للاقتصاد السوداني.
ثم تتابع غياب ملامح الاقتصاد والتخطيط بظهور النفط كمورد يلزم لاستخراجه استثمارات وموارد ضخمة ، واعتمدت الدولة على الشركات المنقبة في تمويل استخراج النفط. وكان هذا سببا في تاخير الاستفادة من هذا المورد في المرحلة الأولى. غير أن تلك الحقبة تزامنت مع انفتاح الاقتصاد العالمي فيما يعرف باقتصاديات العولة والاندماج بين العالم في التجارة الخارجية. كذلك تماشي الاقتصاد السوداني مع ذلك دون استغلال عائدات النفط في وضع البنية الاساسية لبناء اقتصاد محدد الهوية، أو حتى تشييد أذرع مكونات الاقتصاد الأساسية من طرق وجسور وتعليم وصحة وغيرها من واجبات الدولة المعروفة، غير أن ما حدث هو تحول العائد من النفط في الغالب للاقتصاد الاستهلاكي الذي يقوم على استيراد كل شيء، وتشجيع الاقتصاد الهامشي الموازي.
وزاد ذلك الاقتصاد الهش من خلق تباين واضح حتى في النسيج الاجتماعي الذي أفضى إلى مشكلة ما يسمي بـ "مناطق الهامش" الذي ظل يعاني من الفقر والجهل والحروب القبلية، وذلك للارتباط بين الاقتصاد الهش والحروب الاهلية. وخاضت الحكومة لاحقا حروبا أهلية (داخلية) في مناطق مختلفة بالبلاد استهلكت عائداتها النفطية في الحرب. يضاف إلى كل هذا، استشراء الفساد الإداري والمالي الذي لازم ذلك الاقتصاد الهش، والذي من أهم مخرجاته ما يسمي بالاقتصاد الموازي / الطفيلي (وهو اقتصاد ينشأ في الغالب مع الأنظمة الفاسدة). ويتميز ذلك النوع من الاقتصاد بأنه اقتصاد يتغذى أو يتكون من اقتصاد الدولة نفسها ولكن لمصلحة أشخاص أو كيانات محددة. ويتمثل ذلك الاقتصاد الطفيلي بزعم قيام مشروعات غير موجودة على أرض الواقع، أو حتى مشروعات فاشلة يتم إدراجها ظاهريا ضمن المنظومة الاقتصادية للدولة. غير أنه يمكن أن يكون لمثل ذلك الاقتصاد الطفيلي في بعض الأحيان بعض الأثر الإيجابي، أو أن يصيب بعض النجاح كما حدث في بعض الدول التي مرت بتجربة مشابهة لما حدث في السودان. ففي بعض الدول الأخرى نشأ مثل ذلك الاقتصاد الطفيلي من أنظمة فاسدة أيضاً، وتكون من موارد الدولة، أو تغذى عليه، ولكنه كان في الواقع موجودا ويخدم الاقتصاد بتوفيره لمنتجات في السوق بجودة عالية، وبعمله على تشغيل عمالة وطنية، وبالتي ساهم في تقليل نسبة البطالة، كما أنه يصدر منتجاته لخارج البلاد. ولا ينهار مثل ذلك الاقتصاد عادة مثل ذلك النوع من الاقتصاد عند انهيار النظام السياسي الفاسد، وذلك لأسباب تعود لطبيعة قيامه نفسها، ووجوده كمؤسسة موجودة وراسخة، ويمكن فقط تحويله إلى ملكية الدولة. غير أن ذلك النوع من الاقتصاد لم يكن موجودا في السودان بالصورة التي ذكرناها، بل ما كان موجودا فعلا كان عبارة عن اقتصاد وهمي ليس له وجود على أرض الواقع. وعند انهيار أو زوال الانظمة السياسية الفاسدة التي خلقته ابتداءًا، لا نجد أثرا لمشروعاته التي كانت تتغذى وتعيش على موارد الدولة، وبالتالي غدت مجرد مشروعات وهمية عوضاً عن أن تكون اقتصادا موازيا.
نرى أنه ينبغي لإزالة العوائق الأزلية من منهجية التخطيط الاقتصادي بالسودان، أن يتم التركيز على الاصلاح الآني لما هو موجود من الموارد المتاحة أولاً. ويجب أن تعتبر الزراعة أحد أهم موارد الدولة إذ أنه يمكن للزراعة أن تساهم بنسبة لا تقل عن 50% في موارد الدولة، وذلك لأسباب واضحة أهمها الطبيعة الجغرافية المواتية في السودان. كما ينبغي التركيز على زراعة الصادرات بغرض توفير النقد الاجنبي وتحسين وضع الميزان التجاري ، هذا بالاضافة للهدف الاستراتيجي الاول وهو معالجة غياب ملامح الاقتصاد الاساسية، وفق مكونات الموارد الاساسية الطبيعية للدولة. وفي المقابل ينبغي أن تعمل كافة أجهزة الدولة لتحقيق هذا الهدف بتوفير مدخلات الانتاج واعفاء المزارعين من جميع الرسوم الادارية لمدة لا تقل عن خمس سنوات مثلا، مع الاشراف المباشر من الدولة على الصادر لتحقيق العائد المطلوب. ولعل العامل الأهم في هذا الأمر هو توفير بيئة صالحة للعمل بتوفير فرص أستثمارية حقيقية للشباب، من خلال منحهم مشاريع زراعية تقوم على تحقيق الهدف الكلي للدولة، والاهتمام بتوعية المجتمع بأن الانتاج من الاقتصاد الحقيقي يسهم في بناء الدولة، على عكس الاقتصاد الطفيلي/ الموازي الذي يصبح خصما عليه.
كما يحسن بالمسؤولين في السودان وضع مبدأ التخطيط الاقتصادي الاقليمي (الذي يطبق على مستوى الإقليم) إذ أن البلاد تتكون من أقاليم متباينة تتميز عن بعضها بحسب طبيعتها البيئة والسكانية، وبمستوى تطورها وخصائص مواردها وثرواتها. ويشكل هذا التباين في مجمله جزءًا من الاقتصاد الكلي للدولة، حيث يفيد التطبيق الصحيح للتخطيط الاقليمي في الاستثمار الافضل لموارد كل اقليم، كما يسهم في تقليص تفاوت النمو والنهضة بين كافة أرجاء البلاد. كذلك ينبغي أن يتم التخطيط وفق المعيار الزمني الذي يمكن أن يكون تخطيطا بعيد المدى ليشمل التحولات النوعية العميقة في البنية الاقتصادية والاجتماعية للدولة. كذلك يلزم الاهتمام بالتخطيط متوسط المدى، والتخطيط الآني لتعديل السياسات الاقتصادية، مثل سياسات الاقراض والاعفاءات الضريبية وغيرها لتسير موازية للتخطيط طويل المدى. ويجب أن يتم كل ذلك تحت مظلة جهاز تنفيذي مَوحَد (خالٍ من الفساد) يدير تخطيط الأنشطة الاقتصادية مثل تخطيط الاستهلاك، وتخطيط الاستثمار، وتخطيط التجارة الخارجية وغيرها، بمعايير ثابتة ومنظمة وكل ما يندرج تحت مسمى الحوكمة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.