تعتبر منطقة القرن الإفريقي منطقةً استراتيجيةً نسبة لموقعها الذي يطل على خليج عدن وباب المندب، رغم تعدد واختلاف الآراء بخصوص مكونات حدود القرن الأفريقي الدولية، وذلك بضم إثيوبيا وجيبوتي وإريتريا، ثم لاحقا الممرات البحرية الحيوية في المحيط الهندي وخليج عدن والبحر الأحمر، ومن ثَمَّ كينيا والسودان، حتى سُمي بالقرن الإفريقي الكبير. وأصبح القرن الأفريقي بالتالي يتميز بموارد مائية متعددة أكسبته أهميةً خاصة من النواحي الأمنية والتجارية والاقتصادية، وكذلك الموارد النفطية والمعدنية وغيرها. وهذا إضافةً إلى أن التجارة العالمية أكسبت تلك الممرات المائية قيمةً كبيرةً. كذلك امتد الترابط الجغرافي والتواصل السكاني بين سكان القرن الأفريقي بسبب التداخل الحدودي والقبلي حتى أصبحت اليمن تُعد الآن دولةً من دول القرن الإفريقي. لذلك كانت تلك المنطقة في السابق منطقة تنافس وسباق استعماري محموم، ولا تزال حالياً هي منطقة متأججة للصراعات الداخلية نتيجةً لأطماع أطرف كثيرة، يعد بعضها منطقة القرن الافريقي منطقة مصالح حيوية بالنسبة لهم إليهم، بينما يعتبرها آخرون على أنها منطقة مصالح ثانوية، حيث نجد أن هذه المنطقة تمتد من شرق أفريقيا حيث تتحكم في منابع النيل، وتسيطر على مداخل البحر الأحمر وخليج عدن. ويُعلي هذا الامتداد الحيوي للقرن الأفريقي من شأنه الاستراتيجي لسائر المنطقة عند القوى الدولية بسبب إطلاله على طرق بالغة الأهمية للتجارة الدولية البرية والبحرية، حتى أصبحت المنطقة سبباً لتصارع كثير من الأطراف الدولية والإقليمية على أماكن الثروة والنفوذ، حيث أن ولوج الدول المتنافسة إلى موانئ البحر الأحمر قد يساعد في الحفاظ على أهميتها في التجارة العالمية.

لا شك في أن التجمع الاقتصادي الجديد لدول القرن الأفريقي سينعكس بشكل إيجابي على مواطني دول المنطقة تلك، لا سيما وأن التبادل التجاري بينها سيكون بأسعار تفضيلية، إلى جانب زيادة التعاون الاقتصادي بينها في مختلف جوانبه. ولا ريب أيضا إن وجود تجانس في ملامح اقتصاديات دول القرن الافريقي هي من أهم عوامل نجاح التكامل الاقتصادي بينها، ويبين مدى قابليتها لإنشاء تكامل اقتصادي مثمر بينها، تكامل شامل لا يقتصر على مجرد إنشاء المشروعات المتوسطة والصغيرة التي يحتاجها السوق الافريقي. والتي وتناسب شرائح واسعة من المكون الاجتماعي لسكان المنطقة. هذا بالإضافة إلى توفير السلع والخدمات التي يفتقرها السوق الأفريقي، وتوفير قيمة الكميات الكبيرة من تلك السلع والخدمات التي يتم استيرادها الآن سنويًا. ويمكن لاحقا أن يصل التعاون بين دول القرن الأفريقي إلى حد الاستثمارات المشتركة في المجالات التي يحتاجها السوق الافريقي التي تشمل الاستثمارات الصناعية والتجارية والعقارية والزراعية التي تلائم طبيعة المنطقة.
وتعتبر الموانئ والممرات البحرية من أهم الاستثمارات التي يجب أن تركز عليها حكومات منطقة القرن الافريقي، حيث يساعد الاستثمار فيها إلى تحسين المستوى المعيشي للمواطنين وتوفير فرص عمل لهم مما سيفضي إلى اختفاء ظاهرة البطالة المنتشرة كثيراً بين سكانها، خاصة الشباب منهم. وكذلك ستنجح تلك الاستثمارات في توفير الخدمات والسلع والمنتجات التي يحتاجها سكان المنطقة وصولاً إلى خطة شاملة للتكامل الإقليمي في كل أقطار إفريقيا متجاوزةً التركيز على التجارة وحدها، كمنظور أوسع وأشمل للتكامل. فتنوع المنتجات المعروضة للبيع في السوق المحلية لا يقل أهميةً عن سهولة حركة المواطنين بين تلك البلدان لأسباب مختلفة مثل الترفيه أو العمل. كذلك سوف تنخفض تكاليف الاتصالات، ويزداد ويسهل تحويل الأموال فيما بينها.
لا ريب أن قطاع المال والأعمال في أفريقيا يمكن أن يشهد انتعاشاً مرتقباً في غضون السنوات المقبلة من خلال المصارف، إن قُدر للمصارف أن تتوسع في القرن إفريقيا خلال الفترة المقبلة في ظل وجود فرص واعدة للمستثمرين ولتفعيل النشاطات الاستثمارية المتوافقة مع نشاطات الموانيء والممرات البحرية. ولا يجب أن تقتصر توسعات القطاع المصرفي على الوجود الجغرافي فحسب، بل يجب أن تساهم في وجود الشركات والمستثمرين بالسوق الإفريقي، لزيادة حجم التبادل التجاري مع أفريقيا، والذي لم يرتق بعد إلى المستوى المطلوب، رغم وجود عدد ليس بالقليل من الاتفاقيات التجارية الثنائية بين عدد من دول المنطقة. كذلك سيساهم توسع أعمال المصارف بأفريقيا في تحسين العلاقات السياسية والاقتصادية وغيرها فيما بينها، هذا بجانب تسهيل حركات التجارة الخارجية وزيادة الاستيراد والتصدير. لذلك نجد أن الاتحاد الإفريقي وبنك التنمية الإفريقي واللجنة الاقتصادية لإفريقيا قد أسهموا في ذلك المسعى بإصدار دليل للتكامل الإقليمي الإفريقي، وهو دليل يعرض رؤية عابرة للحدود ومتعددة الأبعاد للتكامل. ولذلك الدليل الكثير من الأبعاد المختلفة التي تركز على التكامل التجاري، والبنية التحتية الإقليمية، والتكامل الإنتاجي، وحرية انتقال الأشخاص، والتكامل المالي والاقتصادي الكلي. وتستند هذه الأبعاد إلى نظرةٍ عامةٍ عن العوامل الاجتماعية الاقتصادية الأساسية اللازمة لتحقيق التكامل.
ونجد عند الاطلاع على الموارد الاقتصادية الأساسية لبعض دول القرن الافريقي بعض التطابق والعوامل المشتركة. فعلي سبيل المثال نجد أن دولة إثيوبيا هي من الدول الأفريقية النامية التي يعتمد اقتصادها على الزراعة بصورة أساس، حيث تشتغل نسبة كبيرة من سكانها بالزراعة وبتربية الحيوانات، وهما يشكلان الموردين الاقتصادين الأساسين فيها. وكذلك الحال في أرتيريا، حيث تعتمد البلاد في جانب الموارد الاقتصادية الأساسية على الثروة المعدنية والزراعة، إذ أنها تملك أراضي زراعية واسعة، ولكن يعاب عليها استخدام الزراعية البدائية في إدارة تلك المورد. وتعتبر دولة جيبوتي من الدول التي لا تمتلك الكثير من الموارد طبيعية إذ تقل فيها الأراضي الزراعية، وهي تفتقر أيضا إلى الثروات النفطية (على الأقل لم يتم اكتشاف النفط فيها حتى الآن) وثروتها المعدنية قليلة أيضا. غير أن جيبوتي تتمتع بموقع استراتيجي جعل مينائها المصدر الرئيس لاقتصادها. هذا بالإضافة إلى صناعات صغيرة متنوعة مثل منتجات الألبان وتعبئة المياه المعدنية والملح. أما إذا تحدثنا عن السودان فهو – كما هو معلوم - من الأقطار الشاسعة ذات الموارد الطبيعية المتنوعة كالأراضي الزراعية، والثروة الحيوانية والمعدنية، والغابات والثروة السمكية والمياه العذبة. ويعتمد السودان اعتماداً رئيسياً على الزراعة حيث تمثل 80% من نشاطه الاقتصادي، غير أنه رغم موقعه الاستراتيجي المهم على البحر الاحمر لم يستثمر أو يفلح في الاستفادة كثيرا من موانئ شواطئه كأحد مصادر الدخل ذات الجدوى الاقتصادية .
نختم القول بأن هناك عددا كبيرا من العَوائق التي تقف أمام إنشاء تكامل إقتصادي وتحقيق التبادل التجاري فيما بين دول القرن الأفريقي، وهي دول تتشابه فيها الظروف السياسية التي تتميز بعدم الاستقرار السياسي والأمني، وتتفشي فيها ظاهرة التهميش السياسي والاقتصادي لغالبية شرائح المجتمع، مما يشجع على زيادة الصراعات الداخلية. وبسبب تلك العوائق تتناقص المكانة الاستراتيجية لمنطقة القرن الأفريقي بالرغم من أنها يفترض أن تبقى منطقةً فائقة الأهمية بحسب ما سبق لنا ذكره. ويبرز ذلك الوضع الاقتصادي الذي تغلب عليه المجاعات والحروب أساسا بسبب الصراعات السياسية، وأيضا بسبب العَوائق الاقتصادية العديدة الأخرى المتمثلة في ضعف وتهالك البنية التحتية للنقل والمواصلات. وكذلك تعتبر الممرات المائية لمنطقة القرن الافريقي نقطة تركيز من جميع دول المنطقة العربية والافريقية في الإطار الإقليمي، وفي النطاق الأوسع لفكرة الهيمنة والتحالفات العالمية، وذلك من الناحية الامنية والاقتصادية والسياسية. لذا تعتبر منطقة البحر الاحمر (خاصة بالنسبة للسودان) منطقة إقتصاد مائي يقع ما بين وعد التنمية والانفتاح لمنطقة صراع سياسي إقليمي.
أضف إلى ذلك تطوير البنية التحتية في جميع أنحاء القارة هو الجانب الأوضح للتكامل الإقليمي. ويشمل ذلك الطرق السريعة، حيث ويؤدي تحسين البنية التحتية الإقليمية إلى خفض تكاليف المعاملات وزيادة سرعة تسليم البضائع وتقديم الخدمات. وتعد حرية انتقال السلع عنصرا أساسيا لنمو التجارة. وتستفيد الشركات والأفراد عندما تزداد سرعة تدفقات التجارة وتصبح أكثر فعالية من حيث التكلفة. هذا فضلاً عن أن الروابط التجارية بين إفريقيا وبقية العالم تكون مباشرة وفعالة بقدر أكبر

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////////////