تعتبر التجارة الخارجية أحد المفاهيم العامة للاقتصاد المتعلقة بتهيئة الفرص لتقسيم العمل وتصريف الفائض من الإنتاج وانتشار السوق ونمو الكفاءة الانتاجية.

ويعتقد الكثيرون أن التجارة الخارجية تسهم إسهاماً حقيقياً في التنمية الاقتصادية. غير أن تبادل السلع الأقل استخداماً في الدول النامية (مثل السلع غير الضرورية) عادة ما تكون أقل نفعاً لأغراض التنمية، عند المقارنة مع سلع تكون أكثر نفعاً لدول أخرى تستخدمها في تحقيق تنمية حقيقية. لذلك لا يمكن القول بأن التجارة الخارجية هي داعمة للتنمية الاقتصادية بصورة عامة وفي كل الأحوال.
ولمعرفة أثر التجارة الخارجية في تحقيق التنمية الاقتصادية في القارة الافريقية، يجب التركيز على القطاع الزراعي، وهو من أهم القطاعات الحيوية التي تمتكلها القارة الافريقية وتعتبر أحد الحرف الرئيسة لعدد كبير من سكان القارة وذلك من خلال مكون التجارة الخارجية من الصادرات والواردات للسلع الزراعية وتأثير ذلك على النمو الاقتصادي والتنمية، خاصة مع تزايد الطلب على الموارد الطبيعية للقارة الغنية بموارد لم تُتح لها فرص الاستغلال بعد، متزامناً مع تزايد عدد سكانها وعدد الفقراء والجياع فيها أيضاً. لذلك تعتبر الزراعة واستغلال الموارد أمراً بالغ التعقيد ويحتاج إلى دعم وابتكار، لتحقيق أفضل النتائج بجودة عالية، ولإنهاء حالات المجاعة وشح الغذاء في القارة.
لقد لجأت بعض الدول إلى تحرير التجارة الخارجية بعدما فشلت في استخدام سياسة الاكتفاء الذاتي للسلع الاستراتيجية والموازنة بين الصادرات والواردات لتحقيق النهوض باقتصاداتها، رغم اعتقاد الكثيرين بأن تحرير التجارة الخارجية هو تطور طبيعي فرضته العولمة وأن مفهوم الاكتفاء الذاتي أصبح غير ممكن في ظل إرتباط الانتاج الزراعي بالمناخ والوفرة.
وتعتبر المنتجات المحلية الزراعية (خاصة المواد الغذائية) هي الأكثر تأثرا بمفهوم التحرير التجارة الخارجية، خاصة بالنسبة للدول الموقعة على الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية (الجات)، حيث تشجع الدول الآخذة في النمو على تحرير تجارتها وإعفائها من شروط التجاوز الجغرافي من خلال إنشاء صور من التكتلات الاقتصادية الإقليمية، ومن شروط اتفاقية التجارة العالمية (التي وضعتها منظمة التجارة العالمية، تلك المنظمة الدولية التي تعنى بتنظيم التجارة بين الدول الأعضاء، وإقامة عالم اقتصادي يسوده الرخاء). فالمستهلكين والمنتجين يعلمون أنه بإمكانهم التمتع بضمان الإمداد المستمر بالسلع مع ضمان اختيارات أوسع من المنتجات التامة الصنع، أو حتى شبه تامة الصنع ومكوناتها وموادها الخام وكذلك بخدمات إنتاجها. وبذلك يضمن كل من المنتجين والمصدرين أن الأسواق الخارجية ستظل مفتوحة دائما لهم.
لذلك يجب أن تضمن التجارة الخارجية من خلال اتفاقياتها ما يُسمى بـ (الأمن الغذائي)، الذي يحتاج توافره إلى عنصرين مهمين، أولهما هو البنية الاساسية للقطاع الزراعي مثل الموانئ، وطرق النقل بأنواعها والاتصالات، ومواعين التخزين الجيدة للأغذية، هذا فضلاً عن الغذاء الصحي نفسه، وكل ما يسهل من عمل الأسواق سواء للمنتج المحلي أو الوارد من التجارة الخارجية. أما العنصر الثانى فيتمثل في الوسائل الاقتصادية التي تمكن من الحصول على الغذاء من الدخل المتاح، وأسعار الأغذية المناسبة. هذا فضلاً عن أن الامن الغذائي أصبح يشمل المدخلات الزراعية والغابات ومصائد الأسماك وتربية الأحياء المائية فيما يُعرف بـ (الاقتصاد الأزرق) والذي يكون البيئة المتبادلة للاقتصاد الزراعي. كذلك تدخل في مفاهيم الأمن الغذائي ما يُسمى بالأمن الزراعي المستدام الذي يحقق المساواة في المجتمع، من خلال توفير المدخلات الانتاجية بقدر كاف. ومعلوم أيضا أن الزراعة هي النشاط الأكثر كثافة في العمالة من بين كل الأنشطة الاقتصادية الأخرى، وتوفر الزراعة أيضا، بصورة مباشرة وغير مباشرة، مورداً تستفيد منه على وجه الخصوص الأسر في الأرياف.. غير أنه يُلاحظ أيضا أن الفقر كثيراً ما يرتبط بالزراعة، إذ أن الزراعة أكثر أنواع الأعمال عرضةً للمخاطر، ويحتاج عائدها لفترة من الزمن قبل أن يظهر. كما ولا يمكن للزراعة أن تصبح مستدامة في ظل عدم توفر العوامل المواتية من الناحية البيئية والاقتصادية وحتى الاستراتيجية للمحافظة على حقوق الأجيال القادمة.
وتساهم مفاهيم التجارة الخارجية في تخفيض تكاليف الانتاج، وذلك من خلال انخفاض أسعار المنتجات المحلية بتوفير مدخلات الانتاج، ويتطلب ذلك زيادة الطلب على العمالة الماهرة حتى تستطيع المنتجات أن تنافس تلك الواردة عبر التجارة الخارجية. وتشكل العمالة الافريقية غير الماهرة نسبة كبيرة من الفقراء، وتظهر معالم الفقر فيهم بصورة واضحة لعوامل عديدة مرتبطة بتكوين المورد البشري للقارة الافريقية منها عوامل تاريخية وبيئية ومالية وتعليمية. لذا فإن تحرير التجارة لن يسهم كثيراً في معالجة الفقر أو تحقيق العدالة الاجتماعية، وذلك بسبب إخفاق تقديم تلك الاتفاقيات للمساعدات الفنية للدول النامية حتى تتمكن من الوصول بمنتجاتها إلى مستويات تتناسب مع معايير التنافسية للإنتاج. بل واجهت بعض الدول الافريقية سياسة الإغراق بالسلع المستوردة التي تنافس السلع المحلية، وذلك بعد توقيعها على اتفاقيات مثل الجات والتجارة العالمية.
وتسعى منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) في الجانب الآخر إلى وضع أهداف خاصة بالقارة الافريقية للقضاء على نقص الأغذية المزمن والجوع بحلول عام 2025م، حيث يستلزم تحقيق تلك الأهداف تشجيع الربط بين الأنشطة الزراعية والخدمات المرتبطة بها من تعبئة ونقل وتوزيع وتسويق للغذاء، وإدراك أن ذلك متزامن مع القضاء على جميع أشكال نقص أو سوء الغذاء والتغذية المفضية لظاهرة زيادة الوزن والبدانة، علما بأن الأمراض المرتبطة بالبدانة قد تعد القاتل الأكبر بحلول عام 2030م بحسب تقديرات هيئة الصحة العالمية. ومرد ذلك أسباب تتعلق بعدم إدراك سكان القارة الافريقية للسلع المعالجة بطريقة غير صحية وتساهم في زيادة الوزن، أو عدم معرفتهم بأنواع الأغذية الأكثر الصحية، وذلك لأسباب تتعلق بالفقر ونقص الإرشاد والتعليم، وأن تحرير التجارة وفر لهم منتجات غذائية غير صحية بأسعار أرخص.

إن إنعدام الأمن الغذائي في إفريقيا قد يظهر تباعاً وفقاً لتعامل القارة نفسها مع انعدام أسواق المواد الغذائية الزراعية في الدول التي لم تقم باتخاذ إجراءات إصلاحية تجاه السياسات الخاطئة لاستخدام الأراضي، وأن تتبنى نهجاً إقليمياً لاستخدام مواردها الوفيرة المتنوعة من أجل وضع استراتيجية إقليمية متكاملة للسلع الزراعية. هذا مع العلم بأن هنالك تبايناً بين بعض دول القارة، مع ظهور نهضة متسارعة في بعض دول القارة، وتحقيق بعض تلك الدول لتقدم جوهري في الانتاج الزراعي، بينما تواجه دول أفريقية أخرى تحديات كبيرة متعلقة حتى في عملية انتاج الغذاء الكافي لشعوبها وباتت تعاني من الفقر الغذائي والمجاعات وتسود فيها زراعة الكفاف ومعدلات منخفضة لاستخدام الأراضي والموارد المائية الوافرة، ودرجة عالية من تجزئة التجارة في المنتجات الزراعية.
وختاما نخلص إلى أن المنتجات الزراعية والقطاع الزراعي في أفريقيا يواجهان تحديات تحفيز التحول الإقتصادي والنمو، بسبب عدم ترسيخ مبادئ البرنامج الشامل لتنمية الزراعة في إفريقيا كإطار للتنمية عبر القطاع الزراعي وتمويله لتحقيق التنمية المستدامة من خلال إلتزامات الحكومات الإفريقية وشركاء التنمية الدوليين لتوفير الدعم المنسق لتنفيذ البرنامج الشامل لتنمية الزراعة في افريقيا. ولهذا ينبغي على الحكومات الأفريقية أن تراعي مصالحها في الاتفاقيات الدولية بحسبانها دولاً نامية، وأن تدرك الفوارق الكبيرة بينها والدول المتقدمة عند المفاوضات معها. ويجب أن تسعى الدول النامية لتحقيق التكافؤ في تمثيل المفاوضين عند إبرام الاتفاقيات، وذلك لتحقيق تحرير التجارة بصورة متوازنة تحقق لها درجة أعلى من الاستفادة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.