يتميز الهيكل السكانى لأي منطقة بعوامل عدة، منها النمو السكاني، ونسبة تواجد السكان في المناطق الريفية والمناطق الحضرية. وكذلك يتأثر عدد السكان بنوعين من الهجرة: الداخلية والخارجية.

وواجه المجتمع السوداني خلال القرون الماضية عددا من المتغيرات السكانية فيما يخص الهجرة. غير أن الهجرة المرتبطة بالاقتصاد لم تكن بالحجم الكبير الذي نشهده اليوم نسبة لارتباطها بأعمال التجارة، والتي لم تكن المهنة الأساسية لغالب أهل البلد. إذ أن الزراعة كانت هي المهنة السائدة بالبلاد، وهي مهنة توفر الاستقرار للمشتغلين بها. هذا فضلاً عن ارتباط الإنسان بالأرض. أما مهنة الرعي فقد كان يلازمها تنقل محدود وتداخل متباين بين السكان حيث أن الهجرة مرتبطة بمناطق الكَلأُ والمياه خلال فصل الخريف، وسرعان ما يعود السكان بعده إلى مناطقهم الاصلية.
وفي سبعينيات القرن الماضي دخل عامل الهجرة الخارجية كأحد أنواع المتغيرات الجديدة في الهيكل السكاني للسودان. وأسهم ذلك المتغير في التكتل السكاني بالمناطق الحضرية، ونمو المجتمع فيه بزيادة غير طبيعية وغير متدرجة. ولا يقتصر في الغالب أثر الهجرة على الزيادة العددية فقط، بل يمتد تأثيرها على التركيبة النوعية والعمرية للمجتمع. ثم استحدثت عدد من المتغيرات في المجتمع لاحقا في تسعينيات القرن الماضي، وولجت البلاد مرحلة الانفتاح على العالم وعوالم الانترنت والفضائيات. وصاحب كل ذلك الكثير من المشكلات الاجتماعية، كالهجرات الداخلية التي تسببت فيما يسمى بـ (ترييف المدن)، أي تحول المدينة إلى ريف كبير، رغم أن مفهوم الحضر ليس معيارا للتحضر دائما. وقد أسهم ذلك الخلط بين الريف والحضر، في حدوث تغيرات عدة في العوامل الاقتصادية التي صاحبت أساليب التحضر، وكرست إشكاليتها في المكونات الثقافية المختلفة، كمشاكل عمل المرأة والبطالة بأنواعها، وطرق التكسب بطرق مختلفة.
وعبر عن ذلك علماء الاجتماع في تفريقهم بين تنامي الكثافة السكانية بين الريف والمدن، حيث أن زيادة السكان في المدن تتم وفق آلية تختلف عن نظيرتها في الأرياف، التي يزداد فيها السكان بفعل النمو الطبيعي، بينما تحدث زيادة السكان في المدن بفعل عمل آخر، ألا وهو الهجرة. ففي المدن يعيش السكان في مساحات متقاربة ولا يحتاجون إلى مساحات كبيرة كما في الأرياف.
كذلك ذهب (إميل دوركايم) وهو فيلسوف وعالم اجتماع فرنسي أسس علم الاجتماع الحديث، إلى أن الزيادة السكانية تعد عبئا على الدولة، وأن الزيادة السكانية تتزامن مع بعض المظاهر المرضيّة، مثل البطالة والجريمة والفساد ومشاكل الأحياء المزدحمة والأخرى مثل التي تفتقد للخدمات. وهذا أمر طبيعي وناتج عن الانتقال إلى تنظيمات اجتماعية مختلفة. غير أنه من الواجب أن يكون هناك تنظيم صحيح ومتوازن، مصاحب للكثافة السكانية، يربط بين البناء السكاني والاقتصادي وبين استغلال موارد المجتمع ومعدلات التنمية الشاملة، إذا تمكنا من ربط الحركة السكانية بالحركة الاقتصادية. والسبب في ذلك أن نمو الأعمال وتقسيمها يؤديان بالضرورة إلى تقدم حضاري واجتماعي وثقافي.
وترتبط التنمية الاقتصادية ارتباطا وثيقا بالتنمية الاجتماعية، إذ أن التداخل الكبير بين الريف والحضر قد ساهم في إيجاد تغيرات في النشاطات والمجالات الاجتماعية السائدة كالقيم والعادات والمعتقدات. ولابد من العمل على إيجاد تغييرات معينة لخفض التباين الكبير بين الأفراد في المجتمع. ويعتبر التعليم خطوة أولى في ذلك التوجه، بحيث يصبح التعليم مجانيا وإلزاميا على كل فرد في المجتمع. هذا فضلا عن الاهتمام بنوعية التعليم والمضي قدما في ربط نوعية التعليم والتخصصات المتوفرة في الجامعات بالحاجة الفعلية للمنطقة، خاصة بالنسبة لدولة زراعية تحتاج إلى تكثيف نوعية التخصصات داخل كليات الزراعة ومراكز البحوث الزراعية.
وإذا كانت التنمية الريفية هي أحد المحددات الرئيسة للنهوض بالتنمية الاقتصادية، فيجب أن تتم هذه التنمية وفق عملية تطويرية ترتكز على محاربة الفقر والجهل معا، بالبحث عن مصادر جيدة للغذاء وحل مشكلة توافر المياه الصحية الآمنة وتحقيق مستوىً مناسب من الأمن والأمان، ومن خلال تنمية منهجية وتقييم رشيد للظروف البيئية التي تناسب كل منطقة وكل مورد.
كذلك ينبغي النظر في الطبيعة الهيكلية الأساسية للاقتصاد السوداني المعتمد على الزراعة كمورد أساس لدخل غالبية السكان، والذي يتطلب استغلالا رشيدا للأراضي الزراعية وبناء الريف بمفهوم جديد يتماشى مع متطلبات العصر الحديث. وتعتبر تجربة بريطانيا في القرن الثامن عشر مثلا حيا على ذلك. فقد شرعت بريطانيا في ذلك القرن في تكوين قرى لعمال المصانع (تزامنا مع الثورة الصناعية) في شكل مجمعات سكنية سميت بمدن الشركات ارتبطت بالصناعة، وتكونت من منازل بتصميم عصري مريح وضمت المجمعات حدائق ومباني حكومية عامة، تقدم لهم الخدمات دون الحاجة للعودة للمدينة لفعل ذلك.
ونختم القول إن معالجة الهجرة العكسية هي أحد أهداف التنمية الاقتصادية، من خلال توطين الريف وفق القطاعات الاقتصادية القديمة المتمثلة في الزراعة، والقطاعات الحديثة المتمثلة في قطاع التعدين. وخلافا لإنشاء القرى المصاحبة للمشروعات الزراعية على سبيل المثال والتجمعات السكانية بمفهومه السابق، ينبغي توافر خصائص أخرى تهدف للاهتمام بتحقيق الأهداف التنموية المعتمدة على تحسين البيئة الداخلية للمجتمع وللقطاع الاقتصادي المحلي. حيث أن الاعتماد على الجهود الاقتصادية الذاتية يتطلب مزيد من التضحيات من جهاز الدولة بمزيد من الاعفاءات الضريبية والتمويل المحلي، إذ أن مثل تلك الإجراءات تساهم في تطوير مستوى معيشة الأفراد، وتعزز التركيبة الهيكلية الاستثمارية داخل المجتمع المحلي. ويحتاج استثمار الموارد الطبيعية إلى تعزيز وجود الاستثمارات المحلية والدولية للموارد الطبيعية الموجودة على أراضي الدولة. وينبغي أن تركز الدولة جهودها في دعم البنية التحتية العامة، وتوفير الوسائل المناسبة التي تدعم الشرائح الضعيفة في المجتمع من خلال توفير الدعم للحاجات الأساسية للسكان دون الإخلال بالموارد للأجيال القادمة فيما يسمى التنمية المتوازنة ومعالجة الفساد الإداري الذي يؤثر على استقرار القطاع الاقتصادي بشكل عام.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////////////