معلوم أن المعرفة المالية وإدارة المال هي من المهارات التي تزود الأفراد بالوسائل التي تساعد في تحسين نوعية الحياة، خاصة مع انفتاح المعرفة والاقتصاد التكنولوجي بما يتلائم مع متطلبات الحياة العصرية. ويعتبر إدراج مفاهيم الثقافة المالية في المناهج التعليمية أيضا من الأمور الحيوية ،لما له من أثر قوي في بناء المهارات والقيم المتعلقة بالمعرفة بشئون المال على المستويين الشخصي والوطني ، ولما لها من آثار وتبعات على العادات المالية المؤثرة في التعامل مع المال العام.

و تسهم الثقافة المالية في تحقيق العديد من الأهداف، في مختلف المراحل العمرية، مما يساعد في توجيه السلوك الاستهلاكي للفرد بطريقة فيها كثير من الرشد، حيث أن هنالك شبه إجماع عالمي حول ضرورة أن يشمل نشر هذه الثقافة والتوعية بها، لكل من يملك دخلا، سواءً أن كان دخلاً عاليا أو دخلاً محدوداً. وتعتبر تجربة الدول الأوروبية والأمريكية في العمل الجزئي في (الإجازات المدرسية مثلا) تجربة يمكن الاحتذاء بها، فيها يكسبون المال (والخبرة والاحترافية في العمل منذ سن مبكرة حتى ينشئوا وهم مزودين بمعارف وقيم تساعدهم على بناء شخصياتهم بصورة متوازنة وبانتماء كبير لأوطانهم.
كذلك يجب معرفة أن الخدمات المالية شأنها شأن الخدمات الأخرى التي تقدم للأفراد في المجتمع (كحق من حقوق المواطنة) تتميز بالتنوع والتجدد، فهنالك العديد من الخدمات التي يقدمها القطاع المالي لمختلَف فئات المجتمع، غير أنه وبذات القدر، يوجد العديد من الأفراد الذين ليست لديهم معلومات كافية عن تلك الخدمات، أو كيفية التعامل معها، وما إذا كانت هنالك خدمات تناسبهم أصلا .

لقد أصبح الاهتمام المتزايد بمحو الأمية المالية والتدريب على ريادة الأعمال، من المفاهيم السائدة عند التحدث عن الشمول المالي، وهي مفاهيم تهتم بالفئات المستبعدة (من الشمول المالى) مثل الشباب والنساء العاطلين عن العمل، وذوي الاحتياجات الخاصة وذوي الدخل المحدود. ويؤدي حالياً التثقيف المالي مهمة تعليم ودمج تلك الشرائح للحصول على المنتجات المالية الرسمية المناسبة بأسعار مناسبة.
ويعد نشر الوعي والثقافة المالية من أساسيات الشمول المالي في المجتمع، ويعتبر أيضاً من الموضوعات التي يجب أن تتضافر مع جميع متطلبات استراتيجية تحقيق الشمول المالي، من خلال التسويق المالي للمنتجات والخدمات المالية المتوفرة، مع تعزيز استخدام المواطن لتلك الخدمات بالشكل الأمثل والآمن.
وهنا يجدر بالذكر التحدث عن الكاتب روبرت كيوساكي (وهو كاتب أمريكي مختص في التنمية البشرية) في كتابه الشهير (الأب الغني الأب الفقير) حيث يقول إن الكثيرون يعتقدون بأن زيادة المال هو الحل لمشاكلهم المالية، لكن أساس مشكلتهم هي في الواقع الثقافة المالية. فكل ما زاد المال زادت معه المشكلة كالكرة الثلجية المتدحرجة.
والجدير بالذكر أيضا أن هنالك أوجه تشابه وتباين بين الوضع العام للدول وبين الأنشطة المتعلقة بالتثقيف المالي، بما يتماشى مع الاحتياجات الوطنية والبيئية. لذلك أصدرت بعض الدول ما يعرف بدليل التثقيف المالي، حيث ويوفر هذا الدليل بنية ممتازة وشاملة للتخطيط وإدارة الشؤون المالية الشخصية، إضافة إلى المفاهيم الخاصة بالتخطيط والاقتراض والادخار والاستثمار وغير ذلك. وخير مثال لذلك هي مبادرة البنك المركزي الأردني التي أطلق فيها مشروعا لنشر وتعميق الثقافة المالية المجتمعية في جميع قطاعات المجتمع الأردني. كذلك أصدر اتحاد مصارف دولة الإمارات العربية دليل "التثقيف المالي للشركات الصغيرة والمتوسطة" الذي يعد الأول من نوعه في تلك الدولة، إذ أنه يسلط الضوء على الجوانب المختلفة لتمويل الأعمال، بما في ذلك الحوكمة والإدارة المالية وإدارة الديون، وإمكانية الوصول إلى خدمات التمويل والاقتراض. ويهدف ذلك الدليل إلى تزويد أصحاب الشركات بالمعرفة والمهارات التي تمكنهم من اتخاذ قرارات مالية سليمة، والمحافظة على استمرار عمل الشركة وتحقيق النجاح والازدهار.
ونشأت كذلك على المستوى المجتمعي الكثير من المبادرات المتنوعة للتثقيف المالي. فعلى سبيل المثال تقوم البنوك التجارية في لبنان بتحقيق عائدات تجارية كبيرة من مبادرات تمكين المرأة، وكذلك في تونس التي حازت المرتبة الاولي في التثقيف المالي (وفقاً لمصدر من المنظمة العربية للمرأة العربية). وأدركت من خلالها مؤسسات التمويل الأصغر بتونس أن التثقيف المالي يحقق تقليل مخاطر التعثر وجذب عملاء جدد. كما وقد تحسنت المحافظ المالية للمصارف في ذات الوقت وهي تقوم بالحفاظ على مسؤوليتها الاجتماعية.
نختم القول بأن نشر الثقافة المالية هي من ضمن مسؤوليات الحكومات والمجتمع المدني معا، حيث يحقق انتشار الوعي المالي لدى الشعوب الاستقرار المجتمعي المنشود من خلال تحقيق العدالة المجتمعية في استخدام الخدمات المالية، ويفيد في تقليل مستويات الفقر والبطالة، ويبعد فكرة التمييز بين أفرد المجتمع بناءً على تصنيفات النوع والاعاقة وغيرها. وبالإضافة إلى ذلك أنه يزيد من معدل الادخار عند نسب معقولة تفيد المصارف في تحقيق فرص للإقراض للعامة، ويربط كذلك الشمول المالي والثقافة المالية بعلاقة وثيقة بحيث يحقق فهم المنتجات المالية، مثل الخدمات المصرفية شرطاً ضروريا لحسن استخدامها والاستفادة منها بشكل جيد. لذلك فإن امتلاك الفرد لحساب مصرفي على الآقل يشجع على فهم مفاهيم المبادئ المالية الأساسية، وذلك لارتباط انخفاض معدلات الشمول المالي بتدني مستوى الثقافة المالية.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////