الشكر والتقدير للسيد السفير الأديب الكاتب المؤلف الشاعر الفنان المرهف جمال محمد إبراهيم على إثرائه المتدفق على الساحة الأدبية بما يلذ ويطيب، كريم العطاء قلمه للكثيرين من ذوي الذائقة الفنية والأدبية الراقية. تحدث فى مقاله المعنون كما أعلاه على سودانايل عن شخصين كريمين من أبناء السودان البررة ، أنظف أقطاب قادة سلاح الطيران السوداني الفريق طيار أركان حرب خالد الزين والفريق طيار أركان حرب "النوراني" عربي. حقاً قال وصفًا وتمجيدا لخلقهم الرفيع. وإن ذرف الدمع على إعدام خالد الزين وهو صائم خلال الشهر الكريم ومن بعده على النوراني عربي وهو يموت بالسرطان فكثيرون مثلي سيذرفون الدمع عند قراءة مقالك يا عزيزنا السفير المحترم.

والذكريات تصحوا هكذا من سباتها بالمناسبة، لقد شاء الله أن أكون خلال السبعينيات أحد أفراد الجالية السودانية التي كانت محدودة العدد فى بلد الرشيد بالعاصمة بغداد درة الشرق الجميلة. أعتقد من ضمن الأسباب أن السودان كوطن جامع وجاذب كان ينعم بالخيرات وبحبوحة الحياة ورعة كل شعبه فى المدن والأرياف. لذلك إنعدمت رغبة الشعب السودانى فى الإغتراب و ترك الوطن الحبيب كما قد حدث فى عقد الثمانينات بل والتسعينات ومابعدها. فالجالية السودانية فى العراق قاطبة كانت تتكون من طلبة الجامعات وموظفى بعثة ال"FAO" أى منظمة الغذاء والزراعة العالمية Food &Agriculture Oganization التابعة لمنظمة الأمم المتحدة التي كان على رأس رئاستها فى العراق وما حولها السيد الدكتور صلاح نوح عليه رحمة الله والذى توفى خلال 1997م. كان معه السيد عمرعديل والسيد محمد داؤود الخليفة والسيد عبدالله عبد اللطيف. تزامن مع وجودهم فى تلك السنوات البروفسور دسوقى عميداً ومؤسساً لكلية البيطرة بجامعة بغداد بمنطقة أبو غريب الزراعية وقد كان معاراً من كلية البيطرة بجامعة الخرطوم. وأيضاً الأستاذ إبراهيم علي نور من قبل هيئة اليونسكو. أما نحن طلاب الجامعات فقد كان مجموعنا لا يتعدى الأربعين طالباً. كنا نجد الحفاوة والإكرام من قبل هؤلاء السودانيين ذوى المكانة الإجتماعية والعلمية المرموقة خاصة فى المناسبات مثل الإحتفالات بالأعياد الدينية والقومية. السفارة السودانية كانت مغلقة عندما بعثنا للدراسة بجامعة بغداد نتيجة خلاف بين الحكومتين العراقية والسودانية. لكن تمر الأيام ويتم الفرج وتُفتَح السفارة مرة أخرى. كنا على إتصال دائم بالسفارة حيث تم تعيين ملحق ثقافى بالسفارة ولأول مرة نحظى بالحصول من حكومة السودان على إعانات شهرية و لجميع الطلاب عن طريق ذلك الملحق الأستاذ عبدالفتاح محمد والذى علمت منه أن أهله من منطقة "الدِكَّة" ببربر. أيضاً حظينا بصداقة القنصل العام بالسفارة آنذاك السيد محجوب حسين من أبناء "مدنى" والذى كان يقوم دائماً بتفقد أحوال الطلاب وأيضاً بدعوتهم أحياناً لتناول طعام العشاء بمنزله العامر. بعد فتح السفارة ظلت تفد إلى بغداد مجموعة من ضباط القوات المسلحة السودانية لتحضير شهادة أركان الحرب أذكر من ضمنهم العقيد عربى والعقيد حامد عمر والعقيد خالد الزين ، ثلاثتهم من سلاح الطيران، والعقيد عبدالوهاب محمد أحمد. المرحوم خالد الزين كان رئيس البعثة. وهكذا بدأت الجالية تكبر بتوافد السودانيون من الطلاب والموظفين وحتى طالبى اللجوء السياسى آنذاك منهم اذكر المرحوم حسن الطاهر زروق والمرحوم عوض برير والأديب الشاعر إدريس عوض الكريم... إلخ. سعدنا أيضاً بصحبة الأخ أبو القاسم التجانى أخصائى فنى المختبرات بمعمل الباثولوجى وزوجته المحترمة السيدة فاتن حمامة . اللهم أرحم من لحق بك وبارك فى من بقي على قيد الحياة

مدينة بغداد الجميلة الأحياء والميادين تكثر فيها المقاهى التى كان يجتمع فيها دائماً العشرات من الشيب والشباب من العراقيين والوافدين للأنس وشرب الشاهى ولعب الشطرنج أو الطاولة (النرد) . من ضمن تلك المقاهى التى كنت أحب أحياناً الجلوس فيها قهوة أم كلثوم بشارع الرشيد، بمبانيه التقليدية العتيقة، لأنه كانت تقدم فيها على مدى الوقت أغانى أم كلثوم أذكر منها فكرونى والأطلال وهذه ليلتى والقلب يعشق كل جميل ورباعيات الخيام. كان الإستماع إليها يرجع بى إلى أيام عشتها فى وداعة وراحة بال فى بربر مع أمى وأبى. لقد كنا وقتها"أقصد فى بربر" نستمتع بمتابعة سهرات حفلات أم كلثوم التى كانت تذاع على الهواء مباشرة من خلال إذاعات مصر فى ليالى الشتاء من كل سنة التي حينها كان الأنس العائلي يحلو والسمر لا يمل ونحن نستمتع بأكل الوجبات الساخنة "وقنقر العيش ريف" وشرب الشاى بالحليب الطازج

كنا فى بدايات العمر الجامعي فى حالة نوستالجيا مستعرة شديدة نارها للوطن والأهل، وفى يوم من الأيام يزورني القنصل بصحبة رجل أخضر اللون طويل القامة يغلب عليه الهدوء ونور على وجهه كلها تجعلك تحترمه من أول وهلة. قدمه لي بالعقيد طيار عربي أحد أفراد البعثة العسكرية القادمة من السودان لدراسة أركان الحرب ببغداد، عنده لك رسالة من أهلك فى أمدرمان. كم كانت سعادتي وفرحتي أن أجد الرسالة من إبن خالنا شيخ مجذوب مدثر الحجاز بأبي روف منطقة سوق الشجرة. قالوا لي فيها العقيد عربي من خيار ضباط القوات المسلحة وخيار أبناء منطقتنا ذو خلق ودين ومتزوج من خيار جيراننا إبنة المرحوم مولانا عبدالرحمن العاقب. لقد أوصيناه عليك خلال بعثته ببغداد فاعتبره مثل أشقائك الكبار. فقد كان والله كما وصفوه ولم يخب ظنهم ولا ظني. فكان نعم الأخ الصادق الصدوق المستقيم العابد ورب الأسرة الرقيق المحترم وزوجته كانت نعم الاخت ونعم ربة البيت الناضجة المسؤلة . الكرم كان يفيض من بين يديهما كما يفيض الماء القراح. كان ذو بال طويل وكان يلقب بالنوراني على شيخ صالح من شجرة عائلتهم. أما زوجته فقد كانت شقيقة زميلنا وصديقنا لاحقاً الأكرم الدكتور عادل عبدالرحمن العاقب.

بعد عشرة سنتين مرت علينا ببغداد قضيت مع العقيد عربي وأسرته نهار آخر يوم أودع فيه بغداد بعد تخرجي، أخذنى هو وأسرته مشكورين إلي مطار بغداد الدولى مساء ليلة لا أنساها، فقد كان فيها المزيج من الحزن على مغادرة بغداد ربما إلى الأبد، وقد كان، وأيضاً حزني على وداع أسرة جاد بها عليّ الله من السماء فكانت نعم السند الأخوي الصادق. تلك أيام لا أزال أذكرها حتى وإن فرقت بيننا سبل كسب العيش فكل ذلك كان قدرا مسطراً، واليوم خبر قدر رحيل الفريق عربي إلى رحاب المولى كان لي مفاجأة حزينة وكما قال الشاعر "الحزن يبعث الأسى وكل ذلك قبر مالك". اللهم عطر ونور قبر أخينا العقيد ( الفريق لاحقًا) عربي "النوراني"الذي كنا نعرفه بعبدالله عربي، اللهم أجعل قبره روضة من رياض الجنة و أسكنه أعلى جنات الفردوس والبركة فى ذريته وأهل بيته وعموم أسرة عبدالرحمن العاقب. اللهم لا تفتنا بعده ولا تحرمنا أجره. اللهم أجزهم عني أحسن الجزاء

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.