كتبت وكتب غيري كثيراً عن الزمن الجميل وليس هذا بموضوع يختص به القلم السوداني فحسب بل السماء حولنا تشهد بذلك تعج بكتابات عربية وغيرها من كتاب بلاد الدنيا الشواسع نثراً وشعراً عن ذكريات الزمن الجميل ورموزه والحنين إليه

عندما يموت المرء تموت معه سنوات عمره وتبقى هي وذكراه تاريخاً يذكر إما جميلاً يلذ ترداده والحنين إليه وإما غير ذلك يموت كلالة فينصرف الناس عن ذكره وينسونه . وهكذا فالزمن الذي يمضي لا يعود تموت معه سنواته يبقى فقط تاريخاً وتبقى الدنيا تتسارع دقائق وساعات عجلات زمنها عداً تنازلياً نحو الزوال " يوم تقوم الساعة" التى يبدوا أن موعدها ينذر بالإقتراب حسب ما عشناه وشاهدناه من علامات وحسب ما جاء فى إرهاصات علمية البحث فيها لا يزال مستمرًا

عندما تهيج بنا ذكريات الماضي نركن إلى التعبير عنها ليس بحثاً عن أجر أو عوض شهرة وإنما نكتب بعفوية وصدق نية عن تاريخ أناس كانوا قدوة حسنة وعن أيام لها إيقاع طيب فى نفوسنا وربما غيرنا وكذلك نعبر عن حنيننا إلي زمن جميل بجمال وسهولة الحياة فيه ( أقول برغمها) وجمال وسلوك وأخلاق أهله وطيبتهم وتكاتفهم واكتفائهم وأمانتهم ونكران ذواتهم وسعادتهم الفطرية السمحة ، حتى إن قل الرزق حينها تجدهم حامدين شاكرين ينامون ليلهم ملء جفونهم وهذا بيت القصيد في كثرة ذكرنا أو كتابتنا ومن هم غيرنا عن الزمن الجميل، وقد يختلف الغير عكس الريح فى ذلك التوجه كل حسب تجربته الشخصية إن كان قد عاشها هو تجارب حياة لم تتوافق صورها مع مزاجه أو أحواله النفسية أو تقيمه الشخصي للأشياء .أنا من قوم نحاول عض النواجذ على زمام التفاؤل الحسن ، نبحث عن الجمال فى عالم الأشياء ونتفكر في جمال خلق الله في الكون وحولنا وكذلك في ما خصنا الله به من ملكات وإمكانيات ، كل في مجاله ، آملين لأنفسنا وغيرنا حضور وتمام راحة النفس وثقة حقيقية متفائلة بأن الحياة حلوة لا نركن للإحباط ونندب حظنا

قد ينسى البعض أن الزمن الماضى إن لم يكن كله أو جله جميلاً فبعضه قد يكون أجمل من ما يجود به الزمن الحاضر فى نظر أناس كثر بعيشون الآن لا فرق إن هم فى البادية أوالحضر ، فقد نجد مثلاً راعي الغنم سعيداً سارحاً في حدود باديته وسط مراحه يدوبي ويغني لا تفارقه زمبارته يشعر كأنه يمتلك الدنيا وما فيها طالما مراحه يتوالد ويتكاثر ويوعد بالخير والربح الوفير وطالما يحلم ببناء عش يأويه . نجده في شيخوخته يحن إلى أيام النشوغ رغم عنائها. أنا عندما أحن إلى زمن جميل فإنني أسرح فى وادي إيجابياته وإن لم أملك زمبارة فإنني مستعيضاً أقطف من زهوره الندية العطرة فأجد فيها راحة ومتعة تخفف عليّ ألم المعاناة من وطأة ضغوط هذا الزمن المتسارعة تراكماً تداعياته حتى رقمياً ليس عليّ فقط بل على كل البشر. قد يكفيني راحة نفسية فى بعض الأحيان عندما أحن إلى زمن جميل (وإن اعتبره آخرون زمناً قاسيا) أن أذكر فيه مثلاً حقيقة أيام كان التلاميذ يمشون المسافات الطوال على الأرجل للوصول إلى مدارسهم كل يوم فإنهم كانوا كلهم رغم معاناة السير الطويل ، مع علم اليقين ،غني وفقير ، لا فرق، يعلمون أنهم سيجلسون زملاءاً وأصدقاءا جنباً إلى جنب على كنبة واحدة، ويتعلمون التعليم بالمجان من معلمين مرموقين صادقين وجادين فى اداء عملهم ، زمن كانت توزع فيه على كل التلاميذ بالمجان الكتب والكراسات وحتي الأقلام والمسطرة والإستيكة والحبر. الناس كانت كلها تكد وتجد تتاجر وتزرع وتحصد وترعى المواشي ويصطادون ويمتهنون الحرف الفنية من نجارة وحدادة ويتكاتفون مع غيرهم يفرحون معهم ويحزنون معهم، يصلون لربهم حامدين شاكرين وما كان الناس يعرفون الإنتحار وتعاطي المخدرات وحبوب الهلوسة وما كان الأطفال يضطرون للعمل فى الأسواق يجرون الدرداقات وما كانت السيدات المصونات يتركن بيوتهن ليلهبهن هجير الشوارع وسخريات المرة والتحرش بهن ، كل يوم تبيع إحداهن الشاي والقهوة لكي تربي فللذات كبدها وليكملون تعليمهم .الآن لا يخلوا شارع أو شارة مرور أو جامع أو سوق أو مكان لخبز الرغيف أو بيع الخضار من عشرات الشحاذين الذين يحرجون تسوقك وشعورك بل جيبك الذي لا يكفي تلبية حاجة هذا الكم المهول من ذوي الحاجة. فى دي ماضي الزمان كان الشحاذون ( المشهد القبيح) فى الطرقات فقط من الأجانب ( الحلب الغجر والوافدين من أفريقيا) ولم أر قط سوداني يشحذ سواء كان ذلك فى الأقاليم أو العاصمة. أما إن تحدثت عن الرعاية الصحية سابقاً ونظافة وخدمات المستشفيات ونقاط الغيار فى القرى والمدن فحدث ولا حرج. أذكر أننا عندما كنا فى المدرسة الابتدائية كان يتم فحص كل تلاميذ المدرسة سنوياً ( البول والبراز والعيون). الغرض مكافحة حدوث أمراض الطفيليات والتراكوما التي تسبب العمى. هل يتوفر هذا الفحص الدوري المهم لأطفال المدارس فى السودان ونحن في القرن الحادي والعشرين؟

كانت توجد فى السودان ست مديريات وسكك حديد تربط الشرق والغرب والجنوب والشمال ببعضهم وكنا نسافر صغاراً فى أمن وأمان وطمأنينة ونشعر بأننا وسط اهلنا سواء كان ذلك فى أرقو أو الأبيض والدلنج ونيالا أو القضارف وبورتسودان! لا نتوجس ولا نتحسس إن قدمت لنا عصيدة الدخن أو اللبن الرائب فى جبل مرة أو القراصة مع التمر فى مروي. لا نتحسس أن زرنا قرية وأكرمونا بركوب الحمير بدلاً من السيارات أو أجلسونا أرضاً على البروش فهذا قدرهم . كل هذا واقع عشناه. إنه زمناً نحن إليه كانت الدموع فيه تنهمر بصدق وغزارة عند وداع المحبين مسافرين سفر الدنيا العابر ناهيك من السفر الطويل ( يا عيوني كفاكن دموع ويا عيون أبكي دمع الدم: النعام آدم) . واليوم صار القتل والاغتصاب أمرا عادياً يقوم به البعض من بين الذين هم المفروض يكونون مسؤلين حسب وظيفتهم من أمن المواطن وليس ترويعه. ألا يحق لنا أن نبكي ونحن إلى ماض رغم بساطة الحياة فيه وصعوباتها لقد كان مميزاً والحياة سهلة فيه وميسورة والتعامل صادق وبريء والحكم السائد بالقانون العادل الصادق الذي لا يحابي آخراً، أفلا نراه هكذا جميلاً.؟

مخرج: بمناسبة مقالي السابق على سودانايل بعنوان " كرتلة عائشة الفلاتية" جاءتني مداخلات متفرقة من قراء آخرين وأحدهم مشكوراً ينبهني أن كاتب المقال الأصل هو الدكتور محمد عبدالله الريح وليس د عبدالله علي ابراهيم. لا غضاضة في نظري فعبدالله قد نفض الغبار عن القصاصات وأتحفنا بنشر ما حوته من رواية شيقة من أدب د محمد عبدالله الريح نقلاً وتعريفاً من غير تصرف. لولاه لما سمعنا بها. وكلاهما كاتبان واستاذان مجيدين قلماً وتحدثاً محترمون ومقبولون إجتماعياً.لقد فات عليّ سهواً ذكر ذلك بعد أن سبق السيف العذل وإني أعتذر للأستاذ الدكتور الريح فحقه محفوظ وله أيضاً أطيب تحية وتقدير ولا يحرمنا الله من در الإثنين. والمهم هو إعتبار الدرس المخفي بين أسطر تلك الرواية فهو يؤكد لنا فيها نكران الذات وصدق التكافل والإحترام وحسن النية بين الناس فى ذلك الزمن حتى إن كانو أطفالاً لم يبلغون الحلم أوشيباً وشباباً فكلهم ذوي قلوب رحيمة يقدرون ظرف الآخرين وحاجتهم وهذه أيضاً من صفات وملامح ذلك الزمن الجميل الراقي بإنسانه

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.