قبل حوالي خمسة عشر سنة كنت أعمل مستشاراً بمستشفى الرويال فري بلندن وكانت وقتها ليلة وداع أحد كبار الأطباء ، وهي عادة جرت فى تلك البلاد تكريماً للذين يلزمهم التقاعد ترك العمل. تعددت الكلمات وتنوعت فى ذكر محاسن الأستاذ وجميل إنجازاته وحسن تعامله مع الآخرين .... إلخ . جاء أخيراً دور المحتفى به ليتكلم وكانت كلمته بالنسبة لى شخصياً مفاجأة مدهشة ومخيبة للآمال لأنه قال ما تبقى له من عمر سيركز فيه كل جهده لمحاربة الرق الذى تفشى حديثاً بوجه مخيف خاصة فى السودان بالذات مما جعله يهتم بهذا الموضوع وسيجعل كل ما فى وسعه لتصحيح الأمور ومحاربته بالتعاون مع جهات أخرى. كنت أتعجب إن كان قد إختلطت عليه بحكم سنه أسماء بلاد أفريقية أخرى مثل موريتانيا أو ليبيا ؟ رغم ذلك لم أعترض لأنني على يقين أن الرق السياسي حار ومر يوازي الرق الحقيقي عندما يستعبد الحكام شعوبهم قهراً وظلماً وإستغلال كل حقوقهم المشروعة. نسيت موضوعه ولكن لفت انتباهى حوار قبل أسابيع مضت على راديو البيبيسي عن الرق المستباح فى جمهورية الهند الحديثة وكان المتحدثون فى الندوة هنود باحثين فى هذا الأمر الخطير وقالو ا إن الرق يمارس ببشاعة قوية على ثمانية عشر مليوناً مواطناً هندياً وما خفي أعظم . وقبل يومين زادت دهشتي مرة أخرى وقلقي عندما كنت أستمع إلي ندوة ثانية بالصدفة عن نفس الموضوع على البيبيسي تتحدث عن الرق الذي يمارس فى بريطانيا نفسها وأن المستهدفون قد بلغ عددهم أكثر من 136000 من الرجال والنساء على مختلف أعمارهم أطفالاً وكباراً وحذروا من أن أي إنسان قد يكون عرضة للإستعباد فى أي لحظة وأن طرق إستدراج الأشخاص تختلف فنونها من عن طريق الانترنيت أو شراك تجار المخدرات والدعارة أو عقود العمل الوهمية أو حتى عن طريق تكوين علاقة صداقة قد تبدوا عادية فى بدايتها ولكن تدريجياً تقع الصيدة فى الشرك الذى لا مفك منه.

المملكة المتحدة البريطانية انتبهت لهذه الظاهرة الخطيرة عندما أكتشفت حالات إسترقاق لأشخاص لمدة فاقت الثلاثين سنة يعملون فى مزارع إنجليز ولم يروا النور أو ما يدور خارج محيطهم طيلة تلك السنين. ذكروا أن حوالى خمسة وسبعين فى المائة من حالات الإسترقاق يقع فى شراكها الأجانب وخاصة الذين تكون ظروفهم المعيشية والإجتماعية من ثقافة وتعليم هشة نتيجة الفقر والعطالة. لهذا السبب قد حرمت المملكة ممارسة الرق بجميع أشكاله ومع العولمة جاء قانون محاربة ومنع الرق العام 2015.

عزيزي القاريء أدعوك ، إن كان يهمك إدراك بشاعة هذا الأمر، لمتابعة الندوة الهامة على بانوراما البيبيسي مساء غداً الخميس السادس من هذا الشهر الساعة التاسعة مساءً بتوقيت لندن عن هذا الموضوع المقلق ( Modern Slavery) والذي وصفوه بأنه أخطر حالاً الآن من حال ممارسة الرق فى عهود الإستعمار البغيض الذى كان يسود العالم


تذكرت بحسرة إسترقاق العهد البائد فى السودان للبشر عمومهم وخاصة أطفال الدرداقات وبائعات الشاي وهلم جراً.

نسال الله السلامة و يبقى لنا الأمل والرجاء: " حرية سلام وعدالة" تعم كل الوطن بجميع فصائله من خلق الله يا ربنا


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.