ما هذا المكوث والتماحك والتلبك والتوهان بمحطة مجلس السيادة؟ من قال إنه ضروري أصلاً؟ ومن قال إنه إحدي السلطات الثلاث – التنفيذية والتشريعية والقضائية - المتعارف عليها ومعمول بها في معظم الديمقراطيات الراسخة مثل الولايات المتحدة وفرنسا وجنوب إفريقيا. أما الدول العتيقة التى تجلس على هاماتها عروش ملكية – جلوساً خفيفاً ظريفاً وغير قهري - فهي ملكيات زخرفية ومجرد حطب ميت dead wood بلا أظافر أو أسنان، إذ تقلصت صلاحياتها عبر مئات السنين وعشرات الثورات لتصبح مجرد ديكور ذا رمزية تاريخيةً، وعنواناً للاستقرار والعراقة وتماسك الأسرة، ومركزاً لجذب السياحة والازدهار الاقتصادي، كما هو الحال في بريطانيا، حيث أصبحت الملكة متماهية في وناطقة بإسم الحزب الحاكم، أياً كان؛ وخطاب العرش السنوي بالبرلمان يكتبه رئيس الوزراء الincumbent وتقرأه الملكة ب"ضبانته"، وليس لها سوى ذلك أي حضور إعلامي إلا لماماً، في الأفراح وسباقات الخيل.

ولما وجدت الدول المستقلة نفسها بلا غطاء "عرشي" استعاضت عن دور الملك القابع في بكنقهام بالاس برئيس جمهورية شكلي بلا أي صلاحيات غير افتتاح المصانع والمعارض، كما في الهند، حيث يعرف الناس رئيس الوزراء ولا يعرفون حتى اسم رئيس الجمهورية الذى لا يخطب في الجماهير ولا يعقد المؤتمرات الصحفية 100% low profile . ونفس الشيء في السودان عندما نال استقلاله عام 1956، إذ غادر الحاكم العام ممثل ملكة بريطانيا، وكان لا بد من اختيار شخصية سودانية متفق عليها تقوم بدور رأس الدولة التشريفي ريثما تتم الانتخابات ويتم وضع دستور دائم، أيا كانت خياراته – جمهورية رئاسية كما في أمريكا أم برلمانية كما في الهند؛ ولكن الانقسامات الطائفية والمناطقية والحزبية العميقة التى شب السودان عليها منذ بواكير الحركة الوطنية حالت دون الاتفاق على شخص واحد بعينه، فتم التوافق على خمس رجال يمثلون الحزبين والطائفتين الأكبر وشخصية جنوبية، الراحل سرسيو إيرو. ومن هنا ترسخت في وجدان السودانيين ضرورة وجود رأس دولة متعدد الرؤوس ممثلاً للتباينات الإثنية والمناطقية والقطاعية بقدر الإمكان؛ وهذا مجرد هوس وتحجر عند مفاهيم مطلع القرن العشرين، ونوستالجيا تدعو للتماهي مع إرث الأباء المؤسسين حذوك النعل بالنعل، وعجز عن التفكير خارج الصندوق، وعن إطلاق العنان لروح المبادرة التى فجرتها الثورة السودانية، علنا نستصحب تجارب الشعوب الأخرى الواعية والناجحة، ونستفيد من آخر معطيات الفقه الدستوري والفعل الثوري الواردة من كل الأصقاع، وليس فقط تجارب الأوليقاركيات الشرقية القمعية التى تكثر من التدخل في شؤوننا درءً للمخاطر المحدقة بها إذا تم النجاح الكامل للثورة الشعبية السودانية؛ فذلك سوف يعني ارتفاع درجات الوعي السياسي والنقابي، ولسوف تتمخض حرية التعبير المتفشية عن رصد لمكامن الفساد ومصادر الثراء الحرام، وعن كشف لخبايا السجون ودهاليز التعذيب وغرف العمليات المشبوهة، وحقيقة المؤامرات الصهيونية والإمبريالية بالمنطقة والتحالفات السرية التى تتحكم في الشرق الأوسط برمته....إلخ.

على كل حال، كلما تقدمت الثورة السودانية وتوالى زخمها، كما اتضح من مواكب الأحد الماضي التسونامية غير المسبوقة في تاريخ البشرية، كلما زالت الغشاوة عن عيوننا وكلما نظرنا للساحة من حولنا بمزيد من الجرأة والثقة في النفس والبصيرة النافذة والجنوح لارتياد الآفاق التى تستشرفها الجماهير، وليس النوستالجيا او الأفق الإيديولوجي الضيق أو الامتثال لتعليمات كفيل جاهل بتعقيدات المشهد السوداني وبإمكانيات العبقرية الشعبية السودانية المتفردة.

وهكذا فقد اكتشفنا الحقائق التالية مجدداً:
1. كيف نجلس مع مجلس متهم بمجازر 8 رمضان و29 رمضان والأحد العظيم؟ ولنفترض أننا قبلنا بمقترح الوسيط الفريقي وتقاسمنا معه مجلس السيادة (زائد واحد)، كيف سيكون الحال عندما تكشف نتائج التحقيق الدولي عن تورط المجلس في تلك المجازر، وهو أمر وارد تماماً؟ وفي حقيقة الأمر فإن الجماهير الثائرة بالشوارع والعالم كله يشهد بأن القوى العسكرية المنفلتة بالعاصمة والأقاليم منذ 29 رمضان هي قوات الجنجويد بالدرجة الأولي ومعها مليشيات الإخوان المسلمين المؤتمرة بتعليمات المجلس العسكري الخاضع لنفوذ حميدتي. فكيف نجلس مع هؤلاء القوم وهم على الأقل مكان شبهة، بل متهمون بانتظار التحقيق؟
2. لقد تكشف لنا بما لا يدع أي مجال للشك أن حميدتي تشادي وأن قواته من تشاد والنيجر ومالي وأفريقيا الوسطي، وأن قوات الدعم السريع هي مليشيا موازية للقوات المسلحة وساعية لإحلال مكانها وتقمص دورها وحكم السودان عسكرياً. كيف نرضي ذلك؟ وإذا تعامى الجيش المخصي والمدجن وسكت عن هذا التغول والإهانة لكرامته، فكيف نرضى نحن بعد كل هذا التفويض الذي منحه لنا شعب السودان بالأحد العظيم؟
3. من قال إننا نحتاج لمجلس سيادة أصلاً؟ لماذا لا نترك ذلك للجنة الدستور المزمعة التى ستحدد شكل الدولة المستولدة من الدستور الدائم الجديد؟ نحن الآن بصدد فترة انتقالية ذات مهام محددة، وهي إسعاف وإنقاذ البلاد من الأزمة الإقتصادية، تفكيك دولة الإخوان المسلمين العميقة وإحلالها بالكوادر الوطنية النظيفة في كل دواوين الحكم بالعاصمة والأقاليم وببعثات السودان الدبلوماسية. والحالة هذه، فنحن لا نحتاج إلا لحكومة مضغوطة غير مترهلة وذات صلاحيات تنفيذية كاملة، وتقوم بمهام رأس الدولة في نفس الوقت، وبها وزير دفاع وطني يعيد تنظيم الجيش وتصفية كل المليشيات الموجودة بالبلاد، مع مجلس تشريعي يقوم بمهام البرلمان ويضع مسودة الدستور الدائم المزمع الذى سوف تجيزه الجمعية التأسيسية المنتخبة بعد أربع سنوات الفترة اللإنتقالية.

بيد أننا يجب أن نحدد الآلية التى سوف تحقق هذا المشروع: وهو قيام مجلس وزراء بمهام تنفيذية وسيادية وليس به عسكري إلا وزير الدفاع (الذى ، لو سمحتم لي، أرشح له اللواء معاش السر أحمد سعيد). هل سيساعدنا المجلس الحالي المشبوه على بلوغ هذا الغاية؟ الإجابة واضحة والجواب يكفيك عنوانه. نحن تحت احتلال أجنبي تشادي رأس رمحه الجنجويد بقيادة حميدتي وشقيقه وبني عمومته وخؤولته، وما البرهان وجماعته إلا تابعون ذيليون ومرتشون وزئبقيون ومتآمرون ولا يؤتمنون على مصالح الوطن.

ليس هنالك حل إلا واحد من اثنين:
• أن ينبري فصيل من الجيش، كمدفعية عطبرة أو سلاح الطيران المنزوي بوادى سيدنا، ويقوم بتحييد تاتشرات الجنجويد في بضع دقائق، وسوف يفر راكبوها كحمر مستنفرة، وسو يحاولون الإندغام في المدن الكرتونية المحيطة بالعاصمة، وسوف تحسم المعركة في بضع ساعات، ويترك الأمر بعد ذلك لتنسيقية قوى الحرية والتغيير لإعلان حكومتها وبرلمانها وبرنامجها للفترة الانتقالية.

• الحل الثاني الذى لا بديل عنه هو استمرار الحراك بالطريقة المعلنة في جدول تجمع المهنيين، إلى أن (ربما) تتدخل قوات إفريقية أو أخرى تابعة لمجلس الأمن:

"يايابا الفقس، وياالإنجليز ألفونا!" كما قال الحاردلو عندما كانت المهدية تلفظ أنفاسها الأخيرة.
عموماً، نحن نراهن على إرادة شعبنا التى لن تقهر، ولا بد من صنعاء ولو طال السفر.
إن المجد معقود لواؤه بأهل السودان.
حرية سلام وعدالة!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.