(كنت قد نشرت هذه الوريقة بالإسفيريات السودانية قبل ستة أعوام، تحديداً يوم 16 نوفمبر 2013، وبما أن الحال ما زال هو الحال، فإليكموها ثانية):-

والحلقة الجهنمية السودانية هي: إنقلاب عسكري يذيق الشعب الأمرين ويفلس البلاد حتي النخاع ويخلق طبقة من القطط السمان تمتص رحيق الوطن وعرق الكادحين، ويتحول في آخر الأمر لحكم الفرد الدكتاتور الفظ؛ تعقبه انتفاضة شعبية سلمية تلقي به في مزبلة التاريخ، ثم ديمقراطية كسيحة مأزومة، لا تجني ثمارها جماهير المدن والطبقات العاملة والوسطي التى أطاحت بالدكتاتورية، والمناط بها ريادة التقدم الاقتصادي والتحول الاجتماعي - ولكن ترثها الأحزاب الطائفية بنفوذها وسط بروليتاريا الريف الرثة والمطوطمة التي تعيش خارج التاريخ، ويأتي ممثلو تلك الأرياف بأغلبية في الجهاز التشريعي تضعهم في الجانب الغالب من توازن القوي، وتجعلهم عضداً للإتجاهات الطائفية والرجعية بالأحزاب الحاكمة، فتتواري الأصوات الراديكالية والمستنيرة، وتتقهقر الحركة السياسية بمجملها عن الروح الثورية التى صاحبت الانتفاضة، وتتنمّر الاتجاهات اليمينية المحافظة الداعية لاستدامة الوضع الراهن، ذلك الوضع الذى يضمن استمرار الجهل وغسيل أدمغة جماهير الريف السوداني.
وبما أن الولاء الطائفي ولاء ديني في حقيقة أمره، فإن القيادات الطائفية تستمر في الارتهان للشعارات الإسلامية، بل تتماهى معها في اللحظات المناسبة وتزايد عليها؛ وكثيراً ما يصبح التقارب بينها وبين جماعات الإسلام السياسي فرض عين، وقد يأخذ شكل أحلاف تكتيكية فاعلة (بحكم الاستراتيجية المشتركة)، كما حدث أيام حل الحزب الشيوعي عام 1966، وعند صياغة مسودة الدستور الإسلامي عام 1968، وكما يحدث الآن بأواخر أيام الإنقاذ، إذ استشعرت كل القوي الرجعية السودانية أن الثورة القادمة أكثر راديكالية من سابقاتها، وأنها تهدد ليس حكم الإسلاميين فقط، إنما كل الشعارات الإسلاموية والهوس الديني والطائفية التى ظلت تكبل السودان وتجره للخلف، وأنها تنطلق من نفس البؤر النائية التى كانت تغذي الأجهزة التشريعية بالنواب الطائفيين المرتهنين للقيادات اليمينية بأحزابهم؛ فكأن الثورة المرتقبة قد ضربت الطائفية في مقتل قبل أن تنتصر وتستلم السلطة في الخرطوم.
ولكن، يبدو أن حكم الإخوان المسلمين الذى استمر لربع القرن المنصرم قد أحدث شروخاً في جدار الطائفية، بوعي أو بدون وعي منه، كما تسبب في زحزحات وارتجاجات اجتماعية وديموغرافية هائلة، من خلال عمليات تهميش وتجفيف للأرياف حتي الثمالة، تقابلها عمليات ترييف للمراكز الحضرية جعلت مدن السودان الكبري مكتظة ببروليتاريا الريف المنبتة، وما انفكت حواضر المركز تأتزر في أطرافها بغابات مترامية الأطراف من التجمعات الكرتونية shanty towns المأهولة بالنازحين والمهجرين الذين تقطعت بهم السبل، والذين أصبحوا أكثر قرباً من مراكز الاستنارة والوعي، وأكثر بعداً عن الدجل والخرافة والانصياع "للسادة" و"الكجور" والإدارة الأهلية التاريخية. أليس هذا هو مكر التاريخ بعينه؟
ومن تجليات التحولات الإيديولوجية والفكرية التي شهدتها البلاد في الآونة الأخيرة، أن المثقفين الموجودين بالأحزاب الطائفية، بما في ذلك الحزب الإخواني الحاكم، ما عادوا يساقون كالسوائم، وصاروا يتكتلون في مجموعات "قروبات" متجانسة ومتفلتة تروم التغيير والإصلاح، علي مستوي أحزابهم وعلي مستوي الوطن برمته والدياسبورا، وأخذوا يتفهمون وينحازون لقضية الحرية والديمقراطية والشفافية والحكم الرشيد، من أجل إنقاذ البلاد قبل أن يحل بها الطوفان الذى أودي بالصومال وزائير وليبريا وكثير من الدول الإفريقية المتشظية الفاشلة.
ومن هذا المنطلق، انفضّ السامر من حول السيد الصادق المهدي، وهجره الوطنيون والمفكرون الراسخون - مثل العلامة البروفيسير فيصل عبد الرحمن علي طه (الذى تقدم باستقالته المكتوبة من الحزب) وبعض المناضلين الأشاوس الآخرين، ولم يبق معه إلا الرهط الأقربون، مثل إبنيه عبد الرحمن وبشري، وزمرة الطبالين المفتونين بشخصه ورسمه والمناصرين له ظالماً أو مظلوما، وشراذم المرتشين غواصات المؤتمر الوطني.
واعترف شخصياً بأن السيد الصادق فيه من الكاريزما والتواضع والعلم وموسوعية الإطلاع ومحبة السودان ما يستقطبك، مهما كنت مناوئاً للإرث الطائفي الأنصاري الرجعي الذى قسّم السودان إلي فسطاطين منذ أيام المهدية، مروراً بأيام النضال ضد الاستعمار البريطاني: فسطاط يدين بالولاء للمهدي وخليفته كولاء الشيعة للإمام علي كرم الله وجهه ولآل بيته، وفسطاط رد فعلي يمقت الأنصار (الجهادية) الذين فتكوا بجدوده وطغوا وبغوا فى الأرض أيام مهديتهم، وأدخلوا البلاد في مجاعات وحروب جهوية ومحلية وإقليمية بلا طائل؛ ولقد تواطأ ورثة المهدية مع الانجليز أيام الحكم الثنائي، وكنزوا الكنوز وتوسعوا في المشاريع الزراعية الضخمة، وأصبح أمراؤهم "كولاكات" ومهراجات إقطاعيين مترفين علي حساب أنصار شُعْث غُبْر مساكين، يستجلبون من أعماق الريف الغربي ليخدموا بالسخرة في تلك المشاريع، وهم يعانون التهميش والفقر والتخلف الذي ظل ملازماً لهم حتي يومنا هذا؛ وأوشك إمامهم الراحل السيد عبد الرحمن أن يتربع علي عرش السودان ملكاً مثل فاروق بمصر والسنوسي بليبيا وعبد الله بن الشريف حسين بشرق الأردن Transjordan بالتواطؤ مع الإنجليز، لولا المقاومة التى وجدها ذلك المشروع من الحركة الوطنية والنقابية وقوي الوسط واليسار السوداني.
وما جعل الصادق بالذات مقبولاً لدى بعض المثقفين هو مساهماته فى مقاومة الأنظمة الدكتاتورية، رغم أنه لا يثبت علي موقفه لآخر المشوار، ولكنه، مثل أنور السادات، سرعان ما (ينفزر) ويشق الصف المعارض ويدلف نحو النظام الخصم متهافتاً ومهادناً ومصالحاً فى الزمن الخاطئ، شأنه شأن البرجوازية الصغيرة التى لا تسير بالثورة في خط مستقيم وتعرضها لكبوات ونكبات متتالية - لأنها بطبعها مترددة وطامعة ومكبلة بأجندتها الأنانية الخاصة، بعيداً عن مصالح الوطن. وهذا ما فعله السيد الصادق في العهد المايوي، حينما ترك قادة المعارضة بلندن عام 1977 وذهب لبورتسودان وأجري محادثات مشبوهة مع الرئيس جعفر نميري توصل بموجبها لمصالحة فردية، لم يكن الإتحاديون بقيادة الشريف حسين الهندي جزءاً منها، ولكن رحب بها فصيل آخر بالجبهة الوطنية المعارضة - الإتجاه الإسلامي بقيادة الشيخ حسن الترابي، صهر السيد الصادق - وهو فصيل كان من الهزال وضعف الشأن بمكان فى تلك الأيام، وكان باحثاً عن موضع رجل وبقعة تحت الشمس.
وهذا ما فعله السيد الصادق مرة أخري عام 1999 حينما ترك التجمع الوطني الديمقراطي المعارض خلف ظهره، ويمّم وجهه شطر جنيف بسويسرا فى شهر مارس من ذلك العام ليلتقي بعرّاب النظام آنئذ - الشيخ حسن الترابي - ويتفق معه علي صلح انفرادي بين حزبه والحزب الحاكم؛ ثم ذهب لجيبوتي في شهر نوفمبر ليستكمل ويوقع على ذلك الاتفاق ويعلنه علي رؤوس الأشهاد ويعود بموجبه للسودان، في معية فلول حزبه المنسلخة عن التجمع الوطني الديمقراطي.

فماذا كانت النتيجة فى كلا الحالتين؟ وماذا جني حزب الأمة والمعارضة من الإتفاقيتين المذكورتين؟

ما هي إلا بضعة شهور حتي اكتشف الصادق وأنصاره أن مايو نظام دكتاتوري مافيوزي منغلق، ليس فيه مكان للرأي الآخر، وأن الغنائم قد تم توزيعها سلفاً، ولم يبق شيء يذكر لفلول حزب الأمة المتعطشة العائدة؛ فانقلبت المصالحة إلي مماحكات ومخاشنات، وانتهي الأمر بالسيد الصادق في سجن كوبر بالخرطوم بحري. ولما جاءت الانتفاضة في أبريل 1985 وأطاحت بنظام النميري، كان البديل المطروح في الشارع هو حزب الأمة بزعامة الصادق، بسبب معارضته للنظام في السنوات الأخيرة التى جبّت ما قبلها، وبسبب الضعف الذى اعتري الحزب الغريم - الإتحادي الديمقراطي - ذلك أنه أضحى مهادناً لمايو حتي رمقها الأخير، وكان ممسكاً بالعصا من منتصفها، بعد أن اختفي من المسرح المناضل الجسور الشريف حسين الهندي الذي غيبه الموت في يناير 1982، والذى لو كان حياً لتوارت ضباع وحرباءات كثيرة في وكناتها، ولأصبح الاتحادي الديمقراطي الممثل المؤهل للطبقة الوسطي وللكادحين الحضريين، حاملاً مشاعل الإستقرار والتنمية والتقدم السياسي والاجتماعي، علي غرار ما ظل حزب المؤتمر الهندي يفعل بالهند منذ استقلالها عام 1947.
وكادت نفس تقلبات الصادق أن تتكرر مع النظام الراهن - نظام الإخوان المسلمين وحزبهم الحاكم، المؤتمر الوطني – أي، كاد السيد الصادق أن ينقلب على هذا النظام لما اقترب موعد الانتفاضة الجديدة لو لا أن الشيخوخة أدركته، وأصبح أمره في يد بعض من أولاده الذين ألقوا السلاح تماماً، وانبطحوا أمام السلطة متهالكين يلتقطون الفتات، وراضين من الغنيمة بالإياب. بيد أن كثيراً من المراقبين يرون أن التقارب بين السيد الصادق والإخوان ضاربة في تاريخ السودان المعاصر، بل إن ما يربطهما في حقيقة الأمر علاقة إيديولوجية متجذرة، ويستدلون بالشواهد التالية:

• لقد كان الصادق وصهره حسن الترابي بطلي معركة حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان عام 1966، في أعقاب ثورة أكتوبر 1964. وعندما قضت المحكمة العليا ببطلان ذلك القرار عرقلت حكومة حزب الأمة تنفيذ الحكم، بينما كان الصادق يزور الشيوعيين في دارهم مخاتلاً ومحاولاً أن يتنصل من ذلك القرار وأن يرمي باللائمة علي متنفذين آخرين بحزبه.
• في عام 1968 أصدرت لجنة الدستور المنبثقة عن الجمعية التأسيسية مسودة "الدستور الإسلامي" لتجيزها الجمعية، ثم تطرح للاستفتاء لتصبح دستور البلاد الدائم، رغم رفض الجنوبيين لها (إذ غادروا وقاطعوا لجنة الدستور)؛ وكانت تلك بداية الفتنة الماحقة التى قادت لانفصال الجنوب في آخر الأمر. وكان مهندسا تلك المسودة الصادق المهدي وحسن الترابي.
• في أغسطس 1983 أعلن الرئيس جعفر نميري نفسه أميراً للمؤمنين، وأصدر حزمة قوانين قمعية "قراقوشية" بغرض ترويع الجماهير المتململة، وسمي تلك القوانين "الشريعة الإسلامية". ولقد شجب السيد الصادق تلك القوانين وقال عنها ما لم يقله مالك في الخمر، وأسس حملته الإنتخابية عام 1986 بعد انتفاضة أبريل علي رفض وتفنيد تلك القوانين، ووعد بإلغائها فور تسلمه الحكم؛ ولكنه حنث بوعده، وظلت تلك القوانين سارية إلي يومنا هذا، مروراً بالأربع سنوات التى كان الصادق رئيساً للحكومة خلالها (يونيو1986 - يونيو1989).
• حتي هذه اللحظة ليس للسيد الصادق موقف واضح من "علمانية" الدولة، بل تجده علي الدوام قادحاً في قناة الداعين لفصل الدين عن الدولة، محاولاً تكفيرهم وتشويه موقفهم بكافة الفريات واللولبيات الديماجوجية والسفسطائية، مثل قوله المتكرر: "إن أصحاب هذه الدعوي يريدون أن يطردوا الدين من حياتهم ومن المجتمع"؛ وهو يعلم تمام العلم أن الولايات المتحدة مثلاً هي الدولة العلمانية الأولي التي فصلت الدين عن السياسة تماماً وفق دستورها المجاز في عام 1776، رغم أن آباءها المؤسسين كانوا مسيحيين متدينين للغاية، ورغم أن ذلك لم يمنعها من أن تصبح أكبر وأقوي دولة مسيحية في العالم، وهي، حسب تصنيف جماعات الإسلام السياسي، الدولة الراعية والمتزعمة للحملة الصليبية التى تجتاح العالم حالياً، لتحل محل الاستعمار التقليدي الذي أفل نجمه منذ نهاية الحرب الكونية الثانية عام 1946.
• ما برح السيد الصادق يساهم في إطالة عمر الدكتاتورية الحالية بالدخول معها في سلسلة اتفاقيات وتحالفات تمنحها نفساً جديداً، وبالحديث عن تغيير النظام بالطرق السلمية، متبنياً سيناريو الهبوط الناعم المفضل لدى الدوائر الإمبريالية والرجعية الإقليمية؛ وهو في حقيقة الأمر سمسار يشتري الوقت للنظام الذى يخرج من كبوة ليدخل في محنة أخري. ولقد انكشف أمر الصادق تماماً إبان انتفاضة سبتمبر الماضي، إذ جمع الناس بدار حزب الأمة بأم درمان، وألقي علي مسامعهم خطبة مطولة ممجوجة بعيدة عن الروح السائدة في الشارع الملتهب، مكرراً حديثه المعتاد عن الإنزال السلمي للسلطة، ففاجأته جماهير حزبه بالهتاف ذى المغزى: "موقف حاسم يا إمام! الشعب يريد إسقاط النظام!"؛ غير أنه حتي هذه اللحظة لم يتعلم شيئاً من ذلك الدرس البليغ الذى لقنته له جماهير أم درمان، وما زال يعيش في أحلام اليقظة التي تصور له أن الأمور كما كانت عام 1986 علي إثر الإنتفاضة التي أزاحت جعفر نميري وجاءت به لرئاسة الوزارة، أي أن التاريخ يعيد نفسه دون تعديل، وأن التكرار لا يعلم الحمار!
• لقد كشف الصادق عن مكنوناته الحقيقية عندما كال السباب للعدل والمساواة التي اجتاحت أم درمان في صيف 2008، وسخر من اولئك المجاهدين الأبطال قائلاً إنهم فلول ومرتزقة إلخ، وما كان يدري إن أهل السودان لهم رأي آخر، فلقد جاءت الإنقاذ للسلطة عن طريق حركة عسكرية نفذتها مليشيا لا يتجاوز عددها المائتي كادر مجند، فما الغرابة في أن تتم الإطاحة بها بنفس الطريقة؟ ومقاتلو الراحل الدكتور خليل ابراهيم سودانيون ووطنيون وجزء من الحركة الوطنية المعارضة، بينما جاءت الإنقاذ بالكوادر العسكرية والاستخباراتية من إيران وغزة وليبيا وموريتانيا ونيجريا وتشاد إلخ، (حسب مفاهيم الأممية الإسلاموية)؛ والجنجويد أيضاً خير دليل علي ذلك، بالإضافة لما أورد الشاب مبارك أحمد عمر الباندير بقناة "العربية" قبل بضعة أيام. وموقف الصادق لا يكشف فقط جهله بالواقع السياسي السوداني، رغم أحاديثه وكتاباته الصحفية التى لا تنقطع، بل يفضح اتساع الشقة بينه وبين أبناء الغرب الأنصار الذين كانوا عظمة الظهر backbone لحزب الأمة، (وسيكونون غداً بلا شك اللحمة والسدي للنظام الديمقراطي "العلماني" القادم، بعد أن مرت مياه كثيرة تحت الجسر).

مهما يكن من أمر، فإن التغيير القادم بالسودان لن يشهد بعثاً جديداً للطائفية، بل ستذهب ريحها إلي غير رجعة، في معية الهيمنة الطائفية وسطوة الإدارة الأهلية المتوارثة والشعارات الإسلاموية وكل مستلزمات التخلف التى غيبت وعي جماهير الريف ردحاً طويلاً من الزمن، كالدجل والشعوذة والجهوية والقبلية؛ فلقد تنامي الوعي في السنوات الأخيرة محلياً وإقليمياً ودولياً، وانحسر المد الإخواني في ليبيا (كما أثبتت انتخابات العام المنصرم بذلك البلد)، وفي العديد من الدول العربية الفاعلة، كما يلفظ الفكر والتنظيم الإخواني أنفاسه الأخيرة بمصر أم هذه الحركة الإخوانجية الماسونية، وسوف تكون مقبرة هذا الفكر النهائية في الخرطوم بإذن الملك العلام، كما تنبأ الفيلسوف الشهيد محمود محمد طه.
ورغم أننا بصدد الاتفاق علي دستور للمرحلة الانتقالية يسد الباب علي سرقة الانتفاضة وعلي رجوع الإسلام السياسي وحليفته الطائفية بشكل أو بآخر، فإن الرؤية غير واضحة تماماً في هذا الصدد، وما زال هناك من يرتعدون خوفاُ من كلمة "علمانية" بحكم الرواسب الطائفية المتأصلة في دواخلهم، فتجدهم يلتفون عليها بكلمات مثل "الدولة المدنية الديمقراطية." وأذكر أن هذا الموضوع أخذ أكثر من حقه من الجدل والنقاش الطويل في مؤتمر "الجبهة الوطنية العريضة" المنعقد بلندن في أكتوبر 2010، وكان مندوبو حركة العدل والمساواة من أكثر الناس حماساً ضد العلمانية وتفضيلاً للمدنية الديمقراطية، وكنت شخصياً من المناصرين لرأيهم حتي لا تتشظي الجهة العريضة وهي في مخاض ميلادها؛ وكان المناضل مجدي الجزولي يصر علي العلمانية بلا أي مضغ للكلمات، وها هي الدنيا تعيدنا للنقطة التى كان مجدي واقفاً عليها، لنتعلم أن الرضوخ لتلاعب اليمين بالألفاظ يفتح الباب علي مصاريعه لسرقة الثورات، ولعودة شعار الدستور الإسلامي بصيغة أو بأخرى، والناس يعرفون من تجاربهم المريرة أن الحكم الثيوقراطي الإسلامي في بلد متعدد الثقافات والديانات كالسودان لا يقود إلا للفتن والاحتقان والحروب، ولانكماش الدولة وتمزيق لحمتها - فها هو الجنوب قد ذهب، وستتبعه جنوب كردفان موطن النوبيين (وبهم كثير من المسيحيين) ودارفور وجنوب النيل الأزرق. ثم إن الحكم الثيوقراطي يأتينا ب"أمير للمؤمنين" تعاقب معارضته بالقتل والصلب من خلاف، و لا يعرف شيئاً إسمه الرأي الآخر أو المعارضة أو الصحافة الحرة.
وبما أن النظام الدكتاتوري الحالي يترنح، بانتظار الانتفاضة القادمة التى ستودي به لا محالة، وبما أن الفصائل المسلحة ستقوم بدعم تلك الانتفاضة بلا شك، معنوياً وربما قتالياً إذا دعا الحال، فإننا نحتاج منها ومن كافة قوي المعارضة أن تكون واضحة وقاطعة حول مسألة "علمانية" الدولة، بمعني (الدين للإله والوطن للجميع)، وبمعني الفصل التام بين الدين والدولة، (و لا يعني ذلك طرد الدين من الحياة، إنما يعني طرد العصابات الطائفية التى تزايد بالشعارات الإسلامية وتركب موجتها، حيث أنها تصب في مصالحها الدنيوية)؛ ويجب أن تتوقف ظاهرة المثقفين الذين "يركّون" علي ظهر الطائفية كالبراغيث علي ظهر البعير، ويتوجهون حيثما يتوجه البعير، فذلك تغييب مقصود للوعي. وإذا تفهمنا تلك الذيلية فيما يختص بجماهير الريف التي تتحرك بروح القطيع لأنها ضامرة الثقافة وعديمة الوعي، فإنه غير مفهوم بالنسبة للمتعلمين رواد التقدم والاستنارة وأمل السودان الجديد الذين أصبحوا حاشية وتنابلة وتبعاً مطأطئي الرؤوس، فأطالوا عمر الطائفية وعمر التخريب والإبطاء الذى تعرض له تقدم السودان.
إن التاريخ قد تجاوز القيادات الطائفية التقليدية التى استفادت من شعارات الإسلام السياسي، كالسيد الصادق؛ وسيمضي الشعب السوداني، بما فيه جماهير الدوائر المغلقة للأحزاب الطائفية، نحو فجر جديد عنوانه التقدم الإقتصادي والتحول الاجتماعي، مستشرفاً البنية التحتية المكتملة والتعليم المجاني والعناية الصحية، والانسجام الإثني في إطار التعاون والمصالح المشتركة، وإنعاش الحياة الثقافية والرياضية، وتحقيق الرفاهية والسعادة لسواد الشعب. ولن ينجح أي سمسار سياسي مستهبل بعد اليوم في استغلال الدين لفرض إرادته علي الناس، كما ظل يحدث في بلادنا منذ استقلالها عام 1956، وكما ظلت الكنيسة تفعل في أوروبا خلال القرون الوسطي السابقة لعصر التنوير. والسلام.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////////////