بسم الله الرحمن الرحيم
منشورات حزب الحكمة:

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

من المتّفق عليه أنّ السبب الرئيس للوساطة بين طرفين هو انعدام الثقة بينهما، ولكن هناك الكثير من الأسباب الأخرى التي تقود لتدخّل الوساطة ومنها انعدام الموضوعية في حالات النزاع وترجيح المنطق العاطفي على المنطق العقلي. ومنها أيضاً، انعدام القاعدة الفكرية المشتركة بين الطرفين، فالخلاف لا ينشأ إلا كاختلاف رأي في مسألةٍ ما كلّ طرف يصرُّ على أنّه الأصح وصاحب الحق الأوحد. فالتفكير بدائي انشقاقي يري الأمور بيضاء أو سوداء.

وهذا النزاع، الذي قد يتحوّل إلى صراع حول السلطة السياسية، نمط معروف في حالة الحكومات الانتقالية، والمفروض أنّها الجسر الذي يربط بين الأطراف المتنافسة لصنع وبناء السلام في الوطن.

ويغفل من يظن أن أعداء الأمس سيصبحون أصدقاء اليوم، أو أنّ قلبهم سيكون على الوطن الذي باسمه قاوموا أو حكموا، ولذلك فالصراع أقرب في التفاوض من الاتفاق.

وأساس المفاوضات هو الوصول لمعادلة مقبولة لجميع الأطراف تقلّل من سيطرة طرف على آخر وتهديد أمنه ولا يحدث التفاوض أصلاً إلا في حالة توازن الضعف بحيث لا يستطيع طرف أن يحقّق نصراً مُبيناً على الطرف الآخر. والأسباب لذلك كثيرة.

وفي حالة السودان الراهنة مثال لتعقيد الواقع السياسي الناتج من تراكم وتوازن الضعف بين القوي المتفاوضة. فالجيش مثلاً مُحتل بقوة الدفع السريع وهي بدورها مُكبّلة بشراكة ظاهرية معه لأنّها ليست من القوّة بمكان لتستفرد بالأمر ولو أنّها تعمل ليل نهار على كسب مساحة جديدة على حساب منافسيها من العسكر والمدنيين.

وقوي الأحزاب السودانية صورة للضعف الفكري والتنظيمي نتيجة ديكتاتورية الممارسة السياسية في داخلها أو تحالفاتها السابقة مع النظام السابق أو ارتهانها لقوي أخرى وضعف حسّها الوطني.

والحركات المسلحة ضعيفة ومشرذمة، مثل الأحزاب السودانية، لم تستطع إسقاط النظام السابق وإن ساعدت في إضعافه. أمّا قوي الحريّة والتغيير فضعفها في قيادتها الأفقية الضعيفة، وفي تضارب غاياتها، ومحاولة أحزاب اليسار اختطاف خطاب الثورة وفرض أهدافها ممّا جعل التوافق على أهداف موحّدة شبه مستحيل، وأيضاً في غياب رؤيتها، وضعف مهاراتها التفاوضية، أو فهمها للواقع وللسياسة، والاستغناء عن الآخرين مشورة ودعماً، وانعدام تفكيرها الاستراتيجي، والذي ظهر في عدم تخطيطها لما بعد الثورة ممّا أكسب المجلس العسكري وقتاً تمدّد فيه وسال لعابه للسلطة لمّا رأي ضعف خصمه.

ويضع المتفاوضون تقاسم السلطة على رأس أولويّاتهم قبل أن يحلّوا الخلافات الجوهرية بينهم أو يشركوا كلّ أطراف النزاع ممّا يؤدّي إلى نزاعات مستقبلية أو ضعف في الممارسة السياسية وبدلاً من أن يؤدي الاتفاق إلى حلّ دائم يكون سبباً في هدم العملية السياسية برمّتها وتفتيت الوطن. وقد رأينا نتيجة استئثار حكومة المؤتمر الوطني والحركة الشعبية بالمفاوضات واقتسام السلطة.

لكلّ هذه الأسباب تتردّد في الساحة السياسية اتّهامات كلّ طرف للآخر بعدم شرعيته السياسية ويسعي لإظهار الدعم الشعبي الذي يستمد منه هذه الشرعية. وفي خلال الأسابيع الماضية رأينا محاولات المجلس العسكري وقوي الحرية والتغيير لإظهار مصدر شرعيتهما الشعبية. ومثل هذه الاتفاقيات مصيرها الفشل لأنّ صراع الأطراف سيكون خفيّاً وسيسعى كلّ طرف لإضعاف الطرف الآخر ما وسعه ذلك وبذلك يعرقل العملية السلمية والسياسية على حساب المواطن والوطن. ولنا في تجربة المؤتمر الوطني والحركة الشعبية خير مثال.

لكلّ هذه الأسباب تفشل النخب في الوصول لسلام حقيقي ينهي كافّة أنواع الصراع لتبدأ مرحلة البناء الوطني، ولذلك تظهر الحاجة لوسطاء ليقرّبوا وجهات النظر للوصول إلى صيغة تشاركية معقولة، ممّا يجعل الوسيط شريكاً أساسياً لأنّه الضامن لتنفيذ الاتفاق بتقديم المساعدات اللازمة أو الضغط على الأطراف التي تزوغ عن أساس الاتفاق.

ومع احتياج الأطراف السياسية للوساطة إلا أنّ مشاعرها تجاهها مختلطة ومشوّشة، فهي تحتاجها وتبغضها في نفس الوقت ولذلك استجابتها لجهود الوساطة تتذبذب بين القبول والرفض.

إنّ المشاركة السياسية والمجتمعية الواسعة من النخب وعامة الشعب، بدون إقصاء أطراف مؤثرة في العملية السياسية، هو الضامن الوحيد لاستكمال شروط السلام، وتحقيق أهداف المرحلة الانتقالية ولذلك إقناع الأطراف الأخرى بالمشاركة شرط أساسي للنجاح.

والعراق مثال حي لمنهج الإقصاء السياسي لحزب البعث الذي كان يمثّل أهل السنّة، فأدّي ذلك إلى ظهور أشكال أكثر خطورة على المجتمع العراقي مثل داعش. وكذلك اعتبار الفترة الانتقالية فترة تأسيسيّة تتواصل فيها المشورة الشعبية لإتمام عملية السلام، وتهيئ الساحة السياسية لبناء المؤسسات وردّ المظالم وتجديد نظام الأحزاب وتشجيع ظهور أحزاب جديدة وقادة جُدد.

قوي الحرية والتغيير بقبولها التفاوض المباشر مع المجلس العسكري انتقلت من مرحلة المقاومة لمرحلة المساومة، مهما كان خطابها أو تهييج جماهيرها لإظهار قوّتها، وبفعلها هذا أقرّت ضمنيّاً بضعفها إذ أنّها كانت تطالب بتسليم السلطة للمدنيين، والآن تتفاوض على مشاركة السلطة مع العسكريين رغم ما أظهروه من خداع للشعب السوداني، واسترخاص للدم السوداني. ولتستعيد زمام المبادرة فيجب أن تركّز في مفاوضاتها على معايير القائد، وليس نوع القائد، وأوّل معايير القائد أن يكون ذا رؤية تنفذها الحكومة التنفيذية.

اسألوا أعضاء المجلس العسكري عن رؤيتهم لبناء سودان التنمية المستدامة المرنة والنامية، والتي ستحقق شروط السلام والعدالة، ولكن قبل السؤال يجب أن تملكوا الإجابة إذا ردّوا إليكم سهم سؤالكم. إن الرؤية هي التي تقود.

ومن المتوقّع أن يوافق أعضاء المجلس العسكري على التناوب على رئاسة المجلس العسكري ولكن يصرّوا على رئاسة الدورة الأولي. لا تقبلوا. إن قبلتم فقد خسرتم، وخسرت الثورة، وخسر السودان وراحت دماء الشهداء سدي.

ومن المتوقّع أيضاً، مهما كان شكل ونوع الاتفاق بين الطرفين، أن يصيب الحكومة القادمة الشلل لعدم توافق أطرافها وتواصل صراعهم وسعيهم لفرض نفوذهم وتوسيع دائرة قوّتهم، ووجود الدولة العميقة، وأيضاً مطالبة الجماهير بتحسين الوضع المعيشي مع واقع إفلاس الدولة، والفساد المتجذّر، إضافة لنشاط الحركات المسلحة والأحزاب الأخرى وذوي المصالح لنيل حظها من غنائم السلطة.

المستقبل لا يبشّر بخير لأنّ شروط الخير غائبة، فنحن ليس لدينا مشروع وطني متوافق عليه، أو شعور وطني عميق يضع الوطن كأولوية وغاية، أو مؤسسات فعّالة تساعدنا في تحقيق الحلم الوطني، أو قيادة حكيمة رشيدة ذات رؤية مضيئة لتمخر بنا عُباب البحر اللجّي في ظلمات الطائفية والقبلية والأيديلوجية والعسكر.

ودمتم لأبي سلمي