بسم الله الرحمن الرحيم
منشورات حزب الحكمة:

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

للاستعمار أوجه مختلفة لا يعيها إلا القليل من الناس، لأنّ الإنسان بطبيعته يميل لخداع نفسه ويجمّل الأكاذيب بالأماني، إذ أن كسب الوعي يعني إدراك الحاجة للتغيير وهو أمر مرغوب ومكروه ولهذا يتذبذب الإنسان بين الشعورين.

والسودان تعرّض للاستعمار الخارجي في عهده الحديث لمدّتين قصيرتين، مقارنة بعمر الشعوب، خرج منهما منتصراً ولكنّه ظلّ حبيساً للاستعمار الداخلي حتى هذه اللحظة الراهنة. وللشعوب إحساس أصيل تجاه الحريّة ولها قوّة ناعمة مؤثّرة توظّفها لتستردّها تعبّر عنها من خلال الثورة السلمية أو الانسحاب النفسي.

وللسودان حساسية خاصّة تجاه حريّته وكرامته جذورها في الاستقلالية النسبية لحياة القبيلة، وعدم التعرّض لعبوديّة الحضارة التي تكسر كبرياء النفس، إذ أنّ غريزة البقاء تحتّم على الإنسان الفقير في عالم المدينة الغريب، المساومة وغضّ النّظر عن المبادئ الأخلاقيّة. وهذا لا يعني أنّ الإنسان بطبعه غير جشع وغير مستعدّ للمساومة وبيع المبادئ إذا أجزل له الثمن، بل هو أقرب إلى ذلك من المثالية، ولذلك يتذبذب بين التوق للرقيّ الروحي والخلود إلى أرض المادّة.

هذه الطبيعة السودانية تجاه الحرية والمساومة، التي تماثلها مجتمعات أخرى مثل ليبيا واليمن وموريتانيا ولكن لا تصل إلى نفس الدرجة لخصوصية تاريخ السودان الديموغرافي، ظهر في غضبة المك نمر ومساومة المك بادي أبو شلوخ، ثم في الثورات المتفرّقة للفونج على الأتراك والخليفة عبد الله التعايشي. ونراه أيضاً في ثورة المهدية ثمّ جمعية اللواء الأبيض انتهاء بالاستقلال، الذي كانت تجربته أوضح مثال للمقاومة والمساومة مع المستعمر.

وقد كان الاستعمار الداخلي وبالاً على أهل السودان أكثر من الخارجي، إذ أنّ المستعمر من أهل جلدتهم، يتكلم بلسانهم، ويتحدث عن أحلامهم ولذلك فهو أقرب للتصديق والثقة، ولكن مع غياب الوعي، أو استعجال النتائج أو الولاء الديني والأيديولوجي، تذبذبت مواقف الشعوب السودانية تجاهه بين الثورة والولاء.

فغياب الوعي ظهر في الذهنية القبلية، خاصّة القبائل عربية الأصول، وقد ظلّت مهيمنة على العقلية السودانية حتى هذه اللحظة، وإن تدثرت بثياب قبلية معاصرة. وأساس هذه الذهنية هي الغلبة والنهب والسلب. فالقبائل في البادية لا تزال تمارس سلوك الغلبة القتالية ونهب وسلب القبائل المهزومة، ولكنّها في الحضر دخلت من باب الجيش أو الأيديلوجية أو الطائفية، فنهبت وسلبت موارد الوطن. وكلّما كان وجه القبلية أوضح كلّما كان النهب والسلب أكثر وأخطر قبيلة معاصرة هي القوي العسكرية.

ونري، لثاني مرّة في تاريخ السودان القبيلة البدوية من أصول عربية، تمارس سلوك الغلبة بقوّة المال والرجال في حاضرة البلاد، وتنهب مواردها عياناً بياناً وترجو حمد الناس لصنيعها وإلا فمصيرهم السيف. فقد رأينا في قبيلة التعايشة بقيادة الخليفة عبد الله التعايشي في الماضي مثالاً، والآن قائد الدعم السريع، لتجمع قبلي محسوب على قبيلة الرزيقات، يسلك سلوكاً مشابهاً لغزو البادية للحضر وتدمير نظامها ونسقها.

وظهر غياب الوعي أيضاً في الولاء الأعمى للطوائف الدينية التي استغلته في حكم السودان، ولجوء طبقة المتعلمين لها للحصول على دعم جماهيري سريع يمكّنهم من تسلّم السلطة.

وأخيراً فأهمّ أعداء الاستقلال، بل وأعدي أعدائه، كان وما يزال جيش السودان وأصحاب الأيديولوجيات، وقد شملتهما لأنّ تاريخهما متّحد، ولنا عودة لهذين العاملين في مقال آخر. ولكن لا يخفي علينا أثر الاطماع الداخلية والخارجية في موارد السودان، أو الخوف من وجود دولة تمثّل الحريّة والسلام في منطقة تغلب فيها الحكومات الشمولية، تمثّل استعماراً خارجياً خفيّاً يقوم به أبناء السودان الخونة أو الجهلة نيابة عنهم.

ولذلك فقد كان، وما يزال، الشباب السوداني غير المُنظّم سياسياً وقود الثورات، فهم في حماسهم الثوري، بوعي أو بغير وعي، أرادوا أن يتخلصوا من كافّة أشكال الاستعمار الخارجي والداخلي ويستكملوا استقلال البلاد المنقوص، ويؤمّنوا بذلك وطناً حرّاً يفخرون به، ولكن قياداتهم، والتي هي جزء من منظومة الاستعمار الداخلي والخارجي بكلّ أشكاله، أجهضت هذه الآمال، مرّة بعد الأخرى، باللجوء لأسلوب المساومة لأسباب عديدة أهمّها الولاء الطائفي والأيديولوجي فوق الولاء للوطن، ممّا يقدح في قدرتها على القيادة إن كان كفاءة أو إخلاصاً، وأيضاً باستعجال النتائج، وغياب الرؤية.

ينبغي أن يكون شعار الثورة لا للاستعمار بكلّ أشكاله وأنواعه وأوّل أنواع التحرّر هو الاستقلال الفكري.

ودمتم لأبي سلمي