بسم الله الرحمن الرحيم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ما أكثر الحالمين الواهمين الذين يظنون أنَّهم على شيء وليسوا كذلك وإنَّما شياطينهم من الإنس والجن ونفوسهم المريضة تُوهمهم بذلك، وهم يعبدون صنماً صنعته أياديهم يرون فيه مصلحتهم التي قرونها بمصلحة الدين أو الشعب كالتوأم السيامي، يرون في فصلهم عنه قضاءً وموتاً مُحقَّقاً للدين أو الشعب. فهم عميان عن رؤية الحق، صمٌّ عن سماع الحق، بكمٌ عن قول الحق.

عن أبي موسي الأشعري قال: "إنَّ بيْنَ يدَيِ السّاعةِ الهَرْجَ، فقالوا: وما الهَرْجُ؟ قال: القَتلُ، قالوا: أكثرُ ممّا نَقتُلُ؟ إنّا لنَقتُلُ في العامِ الواحدِ أكثرَ مِن سَبعينَ ألْفًا، قال: إنَّه ليس بقَتلِكم المُشركينَ، ولكنْ قَتلُ بعضِكم بعضًا، قالوا: ومعنا عُقولُنا يَومَئذٍ؟! قال: إنَّه يُنزَعُ عُقولُ أكثرِ أهلِ ذلك الزَّمانِ، ويُخلَّفُ له هَباءٌ مِن النّاسِ يَحسَبُ أكثرُهم أنَّه على شيءٍ وليسوا على شيءٍ، قال أبو موسى: والذي نَفْسي بيَدِه، ما أجِدُ لي ولكم منها مَخرجًا إنْ أدرَكَتْني وإيّاكم إلّا أنْ نَخرُجَ منها كما دَخَلْناها؛ لم نُصِبْ فيها دَمًا ولا مالًا".

الذي عناه الإمام أبو موسي الأشعري رضي الله عنه في حديثه عن نزع العقول هو ضمور الذكاء العاطفي والأخلاقي والروحي والثقافي وبذلك يغلب التفكير الصلب المادي الذي لا يري إلا وجهاً واحداً للحقيقة ويري في مخالفه عدوَّاً يجب قتله لأنَّه أضرّ من الكلب المسعور ولذلك وصفهم بالهباء الذي لا قيمة له رغم كثرته تذروه الرياح وتفرَّقه كما لم يكن. أين الاتّحاد الاشتراكي؟ وفي الغد سيجد أهل المؤتمر الوطني أنفسهم في مهبّ الريح لا تقوم لهم قائمة. ولهذا فقد كانت نصيحته الابتعاد عن الدم والمال وتأمَّل في الذي يلوم فيه الشعب السوداني حكومته الحالية في الولغ فيه؟

التفكير التجريدي عدو الأيديلوجية التي هي نتاج التفكير الصلب المادي، وأداته القوة الخشنة التي تكره الناس على الالتفاف حول فكرة واحدة، ولهذا نري في الحكومات الشمولية حزب الدولة الواحد ذو الأيديلوجية الواحدة والقائد الأوحد. وإن اضطرت الحكومة الشمولية للمناورة السياسية باسم التعددية، فهي لن تسمح إلا بتعددية شكلية لا تهدَّد هيمنتها وإنَّما تثبَّت أركان عرشها، ولهذا فهي تلقي بها في أكوام القمامة السياسية بلا ندم عندما تستنفذ أغاضها أو تسبب لها نوعاً من الإزعاج أو التهديد بل وقد تلومها على فشلها.

وقد رأينا مثال ذلك في اتفاقية نيفاشا حيث احتفظ الحزب الحاكم بالأغلبية وبعد انفصال جنوب الوطن واصل هيمنته على مفاصل السلطة برغم مشاركة ما تسمي بأحزاب الوفاق أو الحوار الوطني التي لفظها عند أوَّل تهديد حقيقي لسلطته والتي تركَّزت في يد القائد الأوحد يفعل بها ما يشاء في حصن أمين من المساءلة ضارباً بلوائح حزبه الذي ركله عرض الحائط بل ويعلن أنَّه يقف منه على مسافة واحدة مثل جميع الأحزاب وفي نفس الوقت يعين له من يضمن ولاءه لأنَّهما مشتركان في الجريمة ومهدَّدان من المحكمة الجنائية فينام قرير العين أنَّه لن يسلمه لأحد. وماذا يفعل الحزب؟ يتقبَّل ذلك دون احتجاج بل ويبرِّر له ويعامل رئيسه معاملة الإله:
" لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ"، فأي دليل أقوي من ذلك على عبادتهم صنما؟ إنَّ المصطفى لم يجد صحابته حرجاً أن يسألوه فما بال رجال لا نعرف لهم ديناً ولا صلاحاً ولا سنداً إلاهيَّاً؟
نقول هذا ولا نبرّئ المعارضة، ما عدا حزب المؤتمر السوداني الذي بدأ خطوات صحيحة ووقف عندها، فها نحن لا زلنا نري نفس الوجوه في الساحة السياسية يلتف حولها المريدون من أنصار الإمام الصادق المهدي والسيد محمد عثمان الميرغني لا يسألهم أحد ويفعلون ما يشاؤون.

ولعلم المولى عزّ وجلّ بجهل الإنسان وضعف قدرته التجريدية وهبه أشياء مادّية يتعلّق بها، والمقصود بها تعلُّق رمزي لا مادِّىٌّ، فأقام بيتاً يحجّ إليه النّاس كافّة، ومسجدين تشدّ إليهما الرحال، ومساجد في أمكنة الإقامة، وبذلك قلّل من الأشياء المادّية التي قد يتعلّق بها المرء لأقصى حد.

وبرغم ذلك تجد النّاس لا يتأمّلون في معاني الشعائر ولكنّهم يتعلّقون بالأشياء العينية مثل أستار الكعبة وتقبيل الحجر الأسود، ويجدون في ذلك راحة نفسيّة شديدة يبذلون من أجلها الغالي والنّفيس، بينما لا يصبرون على حاجٍّ إن زاحمهم مع أّنّه المفروض أن يتحلوا بالصبر، فيزكوا أنفسهم ويجرّبوا الإيثار، ويتفكّروا في أنانية المرء يوم الحشر، وما الحجّ إلا تذكير بهذا الحشر، أوّ أنّ الحجّ في ذات نفسه تذكير للأمّة المسلمة بوحدة العقيدة والهدف.

وكلّما كانت الأفكار التجريدية غالبة كلّما تقلّصت الطقوس والمجسّدات للعقيدة والعكس هو الصحيح. والإسلام هو أكثر الديانات تجريداً ولذا فهو أقلّهم طقوساً وشعائر، وهو الدين الوحيد الذي لا يعتمد على واسطة بين المرء وربّه، بل هو الدين الوحيد الذي ملَّك الناس الرسالة بلسان عربي مبين، وشجّع كلّ مسلم ليكون إمام نفسه، لا يلجأ لرجل دين في شيء إلاّ في مسألة علم لا يعلمها، بينما لرجال الدين في الديانات المسيحية والوثنية واليهودية دور محوري لتمام التديّن إذ أنَّهم يملكون مصادر العلم وحقّ تفسيره وتأويله.

وقد كانت الكتب السماوية السابقة حكراً لرجال الدين دون الشعب بعكس الإسلام الذي أشاع المعرفة وملّك المعلومة لكلّ شخص وحثّه على الدراسة والتفقّه، حتّى أنّ (جون ويكليف)، الذي كانت أفكاره بداية الثورة على الكنيسة الكاثوليكية ومهّدت للكنيسة البروتستانتية، ترجم الكتاب المقدّس في القرن الرابع عشر للإنجليزية العامّة، حتى يستطيع الناس قراءته مباشرة، حورب واتّهمته الكنيسة بالزندقة وحرقت كتبه ونبشت عظامه وحرقت في عام 1428 م.

ولكن برغم اكتمال فكر الإسلام فإنّ التديّن ينقص عن المثال، إذ أنّ طبيعة الناس تغلب وكما قيل يغلب الطبع على التّطبّع. وما التزكية التي يتحدّث عنها القرآن الكريم للنّفس إلا التحرّر من التفكير الجامد المادي للتفكير التجريدي بالبعد عن الشرك بكلّ أنواعه. والشرك بنوعيه الظاهر والخفي تجسيد لنوع التفكير المادي. ولا غرو فالمتصوّفة أكثر النّاس استثماراً في الأفكار وأبعدهم استثماراً في الدّنيا. وإذا تأمّلنا الحالة السودانية في مجال العقائد فنجد أنّ الطرق الصوفية كان لها السبق في نشر الإسلام وتصحيح بعض مفاهيمه وهي وجدت أمامها عقائد مسيحية ووثنيّة تمازجت ببعض أفكارها وأنتجت خليطاً غلبت عليه ثقافة المسلمين.

ولم تكن الدعوة المهديّة في أوَّلها، وليدة الطرق الصوفية، إلاّ تحريراً للعقول من مادّيتها وجمودها، بعدما تبيّن للإمام المهدي رضي الله عنه، أنّ الأفكار لا تطبّق في الواقع، وأنّ التديّن قلّ وصار أوراداً تقرأ وذكراً يقام وولاءً للشيخ فغلبت المادية على الروحانية، ممّا أدّى لفصل الدين عن الواقع. ونجد في واقعة احتجاج الإمام المهدي رضي الله عنه على حفل ختان ابن شيخه رمزاً للاحتجاج على المسحة المادية التي طغت.

والإمام المهدي، مثل كلّ المتمردين، يحمل في داخله طرفي نقيض بين تجريدية مطلقة وماديَّة مطلقة، يطغي أحدهما على الآخر حسب السياق والحاجة، ويساعده في ذلك ذكاؤه الأخلاقي والاجتماعي والروحي.

ولهذا فالمفارقة المرّة حقّاً أنّه، عندما استتبَّ له الأمر، وأد فكره وحوّله لنفس المنظومة في اتّباع شيخ واحد، بعد أن أحرق الكتب وألغى بقيّة الطرق الصوفيّة، فصار أتباعه يعظّمونه كما تعظّم المشايخ، ويقرأون ورده كما تفعل بقية الطرق، وانزوت حرارة الثورة دفاعاً عن الفكرة وتحوّلت إلى دفاع عن الأسرة والدنيا.
وللإمام المهدى رضى الله عنه مقولتان الأولى هي غرفُهُ من بحر أفكار القرآن والسنّة مباشرة دون اللجوء لجداول اللاحقين، بمعني أنَّه رجل مثلهم يرد نفس المصدر الذي وردوه ويغرف منه مباشرة بدلاً من الغرف من فهمهم، والثانية هي دعوته لعمار الآخرة وخراب الدّنيا.

فهل كانت الدعوة المهدية ثورة على المستعمر أم كانت ثورة على المألوف في زمانه؟ ولو كان الحكم التركي عادلاً وساوي بين الناس هل كان الإمام المهدي سيثور عليه؟ إنّه لم يثر في ذهنه على مسلمين ولكن على كفَّار ظلمة ولذلك فقد كفَّر من لم يؤمن برسالته.

ولذلك فالمتتبّع لسيرته يجده يختلف مع أساتذته لأنّهم، في ظنّه، غلّبوا المظهر المادي على الروحي والفكري. وهو لم يجد حظّاً أفضل في كسب عيشه لأنّ درجة صفائه الفكري التجريدي وانعدام المادّية في نفسه حتى مرحلة المجازفة بحياته، جعلته لا يبيع حطبه، لأنّه قد يوقد لصنع الخمر، ومنعه أيضاً من استخدامه للطعم لصيد السمك، لأنّ في ذلك غشّاً للسمك. هذا ديدن رجل ركل الدّنيا برجله وتعلّق قلبه بالأفكار والذكر، ولكنّه ديدن رجل عرف أنّ هناك مفارقة لا تخيب وهي أنّ قمّة التفكير التجريدي، وهى التوكّل على الله سبحانه وتعالى، يعقبه مددٌ مادِّىٌّ وبذا تكتمل الدائرة. ألم يقل المولى عزّ وجل:
‫"فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا" ‬ ‬‬‬
فانظر إلى ربط الاستغفار، وهو فكرة مجرّدة لشيء لا تراه، بالعائد المادي!!
فما الذى دهى رجالات الطرق الصوفية، وهم الذين تبنّوا حكمة أنّ الدنيا آخرها كوم تراب، وجعلهم يستكينون للوضع آنذاك وأتباعهم مستعمرون؟ وما الذي دعا أستاذه الشريف محمد نور الدائم لمحاربته؟ هذا ما سنتناوله في الحلقة القادمة بإذن الله.

وسنواصل إن أذن الله سبحانه وتعالي

ودمتم لأبي سلمي