بسم الله الرحمن الرحيم

تأشيرة غياب ....عماد برَّاكة

سيميائية الهوى والهوية

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


سلسلة الذكريات:
الرابط بين الإنسان والعالم هو ذاكرته وبغيرها لا يوجد في عين نفسه ولكن في عين غيره، إذ لا وجود نفسي أو وجودي من غير وعي بالوجود. وحتى هويته الوجودية تختلف في عين الآخرين قبل وبعد زوال الذاكرة. وهذه الرواية رحلة ذاكرة في ظاهر الأشياء حكياً وفي باطنها معني وهو البحث عن الحقيقة بتعريتها من أثواب الباطل. والباطن معني الظاهر لأنَّ الظاهر دليل على الباطن ولذلك نقول: لسان المقال ولسان الحال وهو الفرق بين اللفظ أو العلامة وبين الملفوظ وهو النَّص الذي يحمل المعني.
والرواية أيضاً تجسيد لمقالة شاتوبريان في "حياة رانسيه":
القطيعة مع الأمور الواقعية أمر سهل، ولكن مع الذكريات!!
فالقلب يتقطع لهجر الأوهام، لقلَّة ما في الإنسان من حقيقة"
والراوي يقول على لسان أشرف الصافي:
"هززت رأسي حتى لا تندفق كل ذكرياتي، ثم تحركت من المكان ضاغطاً على أسناني حتى أبعد ذكرياتي المخجلة من التدفق". ويقول أيضاً:
"انتبهت إلى هذه الذاكرة العجيبة التي تستطيع أن تعيد لك المكان بكلِّ حذافيره، حتى كتمة الخرطوم قبل الغروب، والإضاءة المتواطئة مع الأفكار الساذجة، استحضرتها أمامي. ذاكرة عديمة "الفلتر" جلبت معها طمياً غير متوقع ترسَّب مع ركود تلك الأيام".

وذاكرة الفرد عرضة للمراجعة والانتقاء والكبح والتغيير مثل ذاكرة الوطن، فهما لا يختلفان، فما ذاكرة الأوطان إلا ذاكرة بنيها وبناتها. والذاكرة أفكار وتأملات خاصة ووهم لعدم وضوح الرؤية والعناد على السير في الطريق الخطأ برغم الظلام الذي يمثل انعدام الوعي.

ونجد في الرواية أن فيضان الذكريات لم يداهم الراوي إلا عندما عجز عن تذكر شخصية الغريب الذي قابله في محطة القطار وناداه باسمه وذكر اسم حبيبته السابقة، فصار في سباق محموم ليجد الصلة بين الدال وهو الشخص الغريب والمدلول وهو ما سبق من حياته، فاسترجع ذاكرة واقعه الماضي ونبشه من خلال أصدقائه من أجل إعانة فضوله وسدِّ ثغرة المعرفة الذهنية، لمحاصرة الحالة الشعورية التي انطلقت كلهب الجحيم تلتهم عافيته وإحساسه الذاتي المهترئ.

وقد كان هذا إحساس سامي قنديل وهو في قارب الموت:
"يبتسم سامي قنديل، ينظر إلى السماء ولا يري سوي سحب الذكريات تمطر عليه". سامي قنديل المتفائل في أقسي الظروف لا يفقد تفاؤله وهو الذات الأخرى لعامر درويش المتشائم التي لم يفلح في تقمُّصها فالتزم جانبه وعندما مات اختلق أكذوبة فغيَّر اسمه لعامر قنديل وسمَّي ابنه سامي قنديل لتستمر سيرورة وجوده في حياته يتحدَّث إلى طفله كما يتحدَّث إلى صديقه.
يقول عامر درويش لصديقه سامي قنديل في مركب الموت:

- لا تكن ساذجاً، نحن لا محالة أموات، لن يأتي أحد، لن يرانا أحد.
ويرد سامي قنديل:
- لا أخفي عليك يا عامر، أنا أيضاً خائف ولكن أظل متفائلاً حتى النهاية.
وقد يبدو أنَّ عامر درويش اختار أن يموت مع صديقه ولكنَّه في واقع الأمر كان أكثر جبناً من ذلك فقرَّر إحياء صديقه ولم يلحق بصديقه إلا عندما حُرم من ابنه في نهاية الأمر فأعلن للراوي: أنا ميت.. أنا ميت، ثمَّ أتبع الإحساس بالفعل أي أنَّ البعد التداولي لحق البُعد الشعوري الذي وصل إلى ضفاف البعد المعرفي وهو حقيقة أنَّه ميت في كلِّ الأحوال فكان أن قذف بنفسه أمام القطار.

يقول عامر درويش، في لحظة صدق ومكاشفة، لصديقه سامي قنديل وهما يواجهان الموت في قارب الضياع:
"إنَّنا نمتلك مقدرة رهيبة على فقدان الذاكرة، نتناسي بسرعة الأمور السيئة التي حدثت في السابق، ونتهاون مع بشاعتها كيفما اتَّفق. أضف إلى ذلك أنّّ القدر يوزِّع المحن بالتساوي في الماضي والحاضر والمستقبل أيضاً".

وفي جزء آخر يحدِّثنا الراوي كيف تعامل عامر درويش مع الذكريات مستخدماً البُعد التداولي وهو بعد الفعل ليُقصي البعد الانفعالي وهي الذكريات:
"اشتغل عامر درويش بكلِّ إخلاص، لم يكن يتوقف إلا عندما يطلب منه صاحب المزرعة الاستراحة من أجل القهوة أو الأكل، لم يكن نشاطه بدافع الحرص على عمله، بقدر ما كانت محاولة منه لنسيان ما حدث وتشتيت أفكاره".

إثبات ونفي الذات:
والرواية هي محاولة لتأمل وإثبات الذات أو نفيها وكما قال ميرلوبونتي: "إ نَّ فكرة تأمُّلَ الذات ضرورةٌ جوهريةٌ لفهم ما يحدثُ اليومَ، وذلك فيما يتعلَّق بالأصوليات التي يتشاركها الشرقُ والغربُ معًا — سواءٌ أكانت دينية أم اقتصادية أم سياسية — وبالكرامة؛ كرامتنا وكرامة الآخَر".

ونجد ذلك في متن الرواية عندما يسأل سامي قنديل صديقه عامر درويش عن دافع تبرعه له للدم عندما قابله بالمستشفى لأوَّل مرَّة وهما في سنِّ المراهقة فيردُّ عامر:
"حتى أنا لا أدري لماذا فعلت ذلك؟ لا أعتقد إنَّها شهامة في تلك المراهقة، يبدو لي أنَّني كنت أبحث عن إثبات ذاتي، ووجدتها فرصة في اتخاذ قرار ضد رغبة أمي وشقيقتي، هذا القرار جعلني كتلة من الحضور".
هذا الإحساس بالحياة في اللحظة الراهنة هو ما يسميه المتصوّفة بلحظة الحضور وهي تعقب لحظة المشاهدة ووحدة الذات المتجزئة في كلٍّ واحد ومنه ذلك جاءت فكرة وحدة الوجود. ولتحقيق الذات المتكاملة الصادقة يجب نفي أجزاء الكاذبة. والوعي بالذات والإحساس بها هو إحساس الإنسان الأوَّل الذي وُلد كتلة من الشعور، يمثَّله البعد الانفعالي، ثمَّ تلته المعرفة: "وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا"، يمثِّله البعد المعرفي وبعد ذلك جاء دور الإثبات للذات:" ‫فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ". فتسلسل الحدث إذن بدأ بالإحساس ثمَّ تلته المعرفة ثمَّ الفعل وعندما تغيب المعرفة أو يتجنَّبها الإنسان لأنَّ ثمنها مؤلم، وهو الوعي بالإحساس وفهمه، يلجأ للفعل. ‬‬‬

يقول الراوي أشرف الصافي:
"شعرت بالندم (البُعد الانفعالي) يتثاءب نيابة عني ويحتل مكان النعاس (بعد الفعل التداولي)، داهمتني رغبة عارمة في أن أفك أعضاء جسدي وأرمي بها من النافذة (بُعد الفعل التداولي). من تجربتي الحياتية فهمتُ (البعد المعرفي) كم كنت مخطئاً وحقيراً (بعد القيم)، تناقضي البائن هو الذي سهَّل لي معرفة نفسي بشكلٍ أفضل (البُعد المعرفي)، لا أدري هل ابتعدت عن الوطن أم عن نفسي؟ (تساؤل فلسفي)، ربما هي سانحة تأمّل (البعد المعرفي) لسلوكي السابق (بُعد الفعل التداولي).

ونجد ثيمة الغيرة وثالوثها المُحب والمحبوب والغريم ماثلة كسلسلة النصِّ الفقرية في الرواية، وهي تقوم على الشكِّ، والحيطة والعدوان والإقصاء. فالتلاحم بين الغريم والموضوع ويمثله المحبوب رباب تاج السر يجعله فعل إقصائي للراوي، ويجعل منه شاهداً متفرجاً وفاعلاً في نفس الوقت ويثير غيرته. وهذا التلاحم حدث في وجود وغياب الغريم فكانت مجرد ذكراه كافية لشعوره بالإقصاء ومن ثَمَّ العدوان والإقصاء المماثل للمحبوب. فالراوي وغريمه في حالة خشية وهلع ورعب كلَّما أطلَّ الفقد برأسه في حياتهما حسب درجة الفقد وألمه ومعناه.

الخاتمة:
الرواية، في رأيي، سياق تسلسلي تكاملي مرن في سيرورة متصلة ولكنَّه سياق مُغري للإسهاب إذ قد تتملَّك الأحداث المؤلف بدلاً من أن يتملكها، وقد تصير مثل الرمال المتحركة تجذبه لعمقها كلما حاول أن يخرج منها ولذلك الحذق والمهارة والوعي الحاد بالمزالق مهم لئلا تفارق المسار. وبرغم تداخل الأصوات فقد أثبت عماد برَّاكة على أنَّه قائد سفين ماهر يملك الرؤية والأدوات والمهارة على الإبحار في منعرجات شتي وظلمات نفس وعرة.

وبدا أنَّ المؤلف له معرفة عميقة بطبيعة النفس البشرية ولكنَّها، على ما أظنُّ، معرفة حدسيَّة لعين فنان يثقب حُجب الحقيقة بدون دراسة الأنماط على مقاعد الدرس. فاتِّساق الطبائع البشرية للشخصيَّات مُدهش وهو ممَّا يدلُّ على أنَّ المؤلف استخدم نماذج حقيقية من محيط حياته بما فيها نفسه.
ومن الملاحظ أنَّ تكرارية العمليات الشعورية كانت حاسمة في سيرورة التعقيد المتصاعد للذات الحاكية وللذات المحكي عنها فهي تنقل النص من السطح للعمق في البنية كما قال تشومسكي:
"البنية العميقة هي البنية المولدة في قاعدة التركيب، وهي البنية التي تمثل التفسير الدلالي للجملة والتي تتحول بواسطة القواعد التحليلية إلى البنية السطحية" ، ولذلك نلاحظ أنَّ الأحداث الخارجية تطفو من عمق الشعور الذي تُشرِّحه العين اليقظة للراوي.

ويمكن وصف الرواية بالمسرح لواقع إنساني عميق ولواقع نصي سطحي استخدم فيها المؤلف خبراته المسرحية فجاءت مليئة بالصور والمشاهد الحية بتفاصيلها الغنية جاهزة للتصوير السينمائي أو الإخراج المسرحي. وأسلوب الكتابة ينمُّ عن شخصٍ كمالي يهتم بالتفاصيل لدرجة قريبة من الوسوسة ممَّا يعكس شخصية الراوي الموسوسة المرتابة باستخدامها للرموز والألفاظ.

والمبدع الحاذق هو الذي تكون له رؤية شاملة متكاملة للنصّ يترجمها في مُخطَّط أو خطاطة كما يقول أهل المغرب العربي، وهذا المخطَّط يمثِّل خريطة المنزل قبل بنائه والذي تتعرَّف عليه أثناء تجوالك في مبني النص فتكتشف أرجاءه وتعلم حينها إن كان يؤدي الوظيفة المقصودة.

والراوي غريب في وطنه وغريب في ذاته، وحكايته هي حكاية جيل الفرص الضائعة في وطن الرؤية المنعدمة، والأخطار الناجمة عن سوء التواصل وغربة الشخصيات في الحياة والجهل بالذات ممَّا يحكم على سيرورتهم بالضياع وعدم تأثيرهم على حياتهم الحاضرة ولا القادمة لأن نظرتهم للماضي مشوهة.

والرواية عمل بديع لعين بصيرة نقلت بصدقٍ موضوعي العالم الخارجي والداخلي لما يُسمَّي بالمثقف السوداني وتفاعل العالمين وتأثيرهما على الوطن والمواطن.

هذا المتعلِّم، حسب ظروفه، تعلَّق بالثقافات الوافدة فقسَّم نفسه إلى مجموعات وهي المثقف التقدمي الملتزم وغير الملتزم، والمثقف الرجعي الملتزم وغير الملتزم، والمثقف المبدع الملتزم وغير الملتزم والمثقف المفكر الملتزم وغير الملتزم. وقد تنافست مجموعات المثقفين الملتزمين على السلطة بشتَّي الطُرق وظلَّت المجموعات الأخرى غير الملتزمة قلبها مع علي وسيفها مع معاوية حتى وقت قريب إذ بدأت فرقة من هذه المجموعات تنظِّم نفسها سياسياً وتسعي لصنع مرجعيَّة فكرية سودانية.

ولذلك هو يكشف عن خواء ومأساة المتعلِّم السوداني، الذي تعالي على مرجعيته الثقافية والاجتماعية بعد أن نال قسطاً من التعليم كان نتيجة صدفة تاريخية اسمها الاستعمار، والذي فتح عينيه على إرث حضارة أخرى فزغللتهما، وهي ثقافة المنتصر، فما كان منه إلا أن نظر بدونية لثقافته لأنَّها ثقافة المنهزم، وضمَّ إليها قيمة مجتمعه أيضاً، وفصل نفسه عنها وتعلَّق بأطراف الأخرى يري فيها الحل. يخنع للغريب ويستعلي على القريب فتأمل قول عامر درويش الذي عمل بهمَّة مع الرجل الإيطالي في مزرعته وعندما التقي أبناء وطنه كان هذا حاله:
"واستغلَّ بساطتهم وأدهشهم بطريقة كلامه ومفرداته العويصة، ومنذ تلك اللحظة أطلقوا عليه لقب الأستاذ، اشترك معهم في جدول الأكل، شاركهم فقط بالمساهمة المالية وشفعت له مفرداته من غسيل الأواني، وأُعفي من جدول الخدمات، ليظل بغرفته يكتب ويقرأ". هذا من نسميه قيثارة الشعب والمثقف العضوي.

أمَّا الآخرين فانكفأوا على إرث قديم كالطائفية السياسية أو غمروا أنفسهم في مستنقع أيديلوجية دينية أو عقائدية وافدة وفي كلِّ الأحوال ظهر فقرهم الفكري في فهم واقعهم كما هو وليس كما هو مُتوَّهم ومن ثمَّ فشلوا في خلق نسق يعالج ضعفه ويزيد قوَّته قوَّة وينسج منه نسيجاً سودانيَّاً خالصاً يغطي به عورة الوطن.

هذه رواية جديرة بالقراءة وبالدراسة وودتُّ لو أنَّ المؤلف خفَّف من كثافة التفاصيل الجنسية لكان أوقع، فالتلميح يكفي عن التصريح، ولاتَّسعت دائرة القراء واحتلت الرواية مكانها في مكتبات المدارس الثانوية والجامعات في المجتمعات المحافظة، فهي عمل عميق وصادق ومبدع لا يقلُّ عن أرقي الأعمال العالمية خطاطة وسبكاً وتكاملاً نفسيَّاً وفلسفيَّاً واجتماعيَّاً.

ودمتم لأبي سلمي