بسم الله الرحمن الرحيم

تأشيرة غياب .... عماد برَّاكة

سيميائية الهوى والهوية

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

مفهوم المحايثة:
استخدم غريماس مبدأ المحايثة وهو يعني أنَّ "النص لا يُحلل إلا انطلاقاً من خواصه الداخلية، فهذه الخواص هي التي تمكن من تحديد الملفوظ باعتباره بنية مغلقة من شأنها أن توصف من حيث هي بقطع النظر عن كل سيرورة تاريخية، وهو البحث في أغوار النص لكشف معانيه الخفية فالمحايثة تؤدي للتجلي" ولكنَّه أضاف إليه المسألة الدلالية الشعورية وهي ارتباط السيرورة بحال الأشياء أي بالعالم المُحيط.

وعندما ننظر للخواص الداخلية لنص رواية تأشيرة غياب نجد فيه أربعة أصوات. فيه صوت خفي وهو صوت المؤلف عماد براكة الذي وضع مخطط أو خطاطة الرواية وقام ببنائها ثمَّ أوهمنا أنَّ الراوي هو أشرف الصافي وهو الحاكي الأصل وهو يمثل الصوت الثاني. فبإمكان القارئ أن يتخيَّل أنَّ أشرف الصافي ما هو إلا دُمية تحركها يد فنان قدير هو عماد براكة. أمَّا الصوت الثالث فهو الحاكي الثاني الذي يُسلِّفه أشرف الصافي صوته والصوت الأخير هو المحكي عنه في سياق الرواية إن كان وصفاً لواقع أو حدث.

وهناك مسألة معقولية الرواية تعتمد على محتوي الرواية وعلى مدي واقعيتها فالأمر قد يكون ممكناً أو مستحيلاً وإذا تمعَّنا في موضوع الرواية نجده من الممكن إذ أنَّه يعكس سياقاً تاريخيَّاً معروفاً عاشه الكثير من الناس ويمكنهم من خزانة ذاكرتهم أن يجدوا أسماء لأنماط شخصيات الرواية أو يجدوا أحداثاً تعكس هذا الواقع ولذلك فالنص ليس ممكناً فقط ولكنَّه محتمل وبذلك يكون معقولاً.

وقد يري البعض أنَّ بعض أحداث الرواية غير واقعية مثل العلاقات الحميمة بين المثقف و"بنات الأسر الكريمة"، مثل شخصية رباب تاج السر، ولكن عظمة العمل تجيء من قدرة المؤلف على تقمُّص شخصيات ووقائع لم يعشها مثل تجربة الدراسة في جامعة الخرطوم وتجاربها السياسية والثقافية والاجتماعية. وهذا ما يعرف بمسألة التصديق في المحايثة وهي تقوم على نفي البُطلان، وهذا يتمُّ من خلال محوري الكينونة والتجلِّي، والكينونة تعني السر أو المعني المخفي والتجلي يعني المعني الظاهر. فإذا كان الظاهر لا كينونة له فهو عمل كاذب لا يسمو وتظهر حينها صدق العلاقة بين الدَّال والمدلول، مثل أن تري ثمرة تحسبها نضرة من ظاهرها ولكنَّها متعفِّنة اللُّب. أي أنَّ النص اللغوي والنص السردي يُغلِّفان ويدلان على مدلول وهو الجوهر، وواجب القارئ والناقد البحث عنه وتعرية حقيقته إذا كان هناك كنز مخبوء أو فقاعة صابون. فكلّ شكل لغوي له محتوي أو مضمون يعبر عنه النصّ السردي أو الكلام كنظام يقود للفهم بثنائية الدال والمدلول والذي هو الجوهر. فشكل قشرة ثمرة البرتقال الناضجة تدلُّ على وجود برتقالة حلوة المذاق في داخلها فهل هذا هو الواقع؟ الواقع يتضح ّإذا قشَّرت البرتقالة وتذوَّقتها وهذا هو عمل الناقد. فليست كلَّ مجموعة قصص تمثِّل نصَّاً سردياً ذا معني.
فالكلام مجهود فردي يستخدم اللغة كنظام لينتج حركة بذكاء وإرادة وبمعني آخر فاللغة هي الأجزاء التي يصنع منها الكلام كما تصنع الكرسي من الخشب والمسامير والغراء فهي متفرقة لا تكوِّن كرسيَّاً ومتجمِّعة تريد ذكاء ودربة وقدرة وإرادة لتكوين الكرسي.

فرواية تأشيرة غياب ظاهر متشعّب ومتفاعل له أسرار منبثقة من عمقه أي له كينونة ولذلك فهو عمل صادق.
ونجد فيها أنَّ الراوي هو الفاعل والغريم هو المحرك للفعل ونجد الأدوار تختلط عند اللقاء المفاجئ وتتبادل في النهاية عند انتحار الغريم ليكون هو الفاعل والراوي صداه الذي ورث أحزان الغريم ومسئوليته.

وغريماس يقول: "إن الاقتراب من المسألة الدلالية لاستيعاب الاختلافات المنتجة للمعني دون الاكتراث لطبيعتها في إطار بنية تُدرك بحضور عنصرين على الأقل تربطهما علاقة بطريقة أو بأخرى". ولهذا فهناك مستوي سطحي ومستوي عميق مثل ماء الأنهار والمياه الجوفية للنص فلكلِّ نص شكل وجوهر وتعبير ومحتوي ودال ومدلول وقصدية. والبنية العميقة هي نموذج يختزن كل إمكانات السرد والبنية السطحية وهي صورة من هذه الإمكانات محققة في نص سردي".

ويلفتنا غريماس إلى ضرورة اكتشاف نقاط التوتّر في النص والتغيُّر التوتُّري المتَّصل أو المنفصل ومآل هذا التغيُّر. ونص رواية عماد برَّاكة مثال حي للحظات التغيُّر التوتَّري اتصالاً وانفصالاً بين الواقع الخارجي والداخلي للراوي. ونجد أمثلة كثيرة في الرواية للحظات التغيُّر التوتُّري بل إن الرواية بأكملها مثال لهذه اللحظات التي تشدُّ القارئ منذ أوَّلها.

ومع درجة الرعب تظهر لحظة الصدق وهذا هو عامر درويش يقول في مواجهة الموت:
- كانت لحظة مصيرية، لحظة يمكن للمرء أن يمتحن قناعاته ومدي درجة إيمانه بها، إمَّا أن أموت على قناعتي أو أعود إلى فطرتي التي نشأت عليها مثل صديقي سامي قنديل.
وتظهر أصالة أو ضحالة الهوية المكتسبة والمُتبنَّاة في محكِّ الأحداث الحرجة التي تُوقظ غريزة البقاء فيظهر التذبذب والتشبُّث بالهوية الأولي على حساب الهوية الجديدة.

وتُبرز الرواية الخلط لدي المثقف التقدُّمي لمفهوم الحريَّة مع مفهوم التحرُّر فالأول يقوم على أنَّ الحريَّة رخصة لعمل الخير ولذلك المآل سيكون نماءً والآخر يقوم على أنَّ الإرادة حرَّة تفعل ما تشاء من غير مرجعيَّات تتبع البعد الانفعالي فقط ويبقي البعد المعرفي مثل الثقب الأسود فيكون المآل فوضي ودمار.

وللنظر في أي عمل مبدع لا بُدَّ من الكفاءة في اللغة تمكُّناً ثمَّ الأداء أو الإنجاز باستخدام مفردات ورموز اللغة في خطاب سردي أو شعري وهو المحك الذي يميِّز بين مبدع وآخر فاختيار كلمات بعينها وإقصاء أخري يعتمد على حصيلة المبدع وشخصيته وتجاربه وعوامل أخري.

وهذا المتن هو برنامج سردي ذاتي لتحقيق موضوعٍ ما وهو في نفس الوقت برنامج سردي مضاد لذات أخري تحاول الهيمنة لعرقلة عامل ذات الراوي عن تحقيق موضوعه وتحقيق موضوعها الخاص؛ بمعني أنَّه صراع بين ذاتين وبين موضوعين سرديين حول الموضوع. فهناك صراع بين ذات أشرف الصافي الراوي وذات عامر درويش المروي عنه. أو صراع بين ذات أشرف الصافي وذات رباب تاج السر، وهكذا في كل أنماط العلاقات في النص السردي.

وهو في فلسفة نيتشة صراع إرادتين، ومن البديهي أنَّه لا يمكن أن تظهر إرادة القوة إلا من خلال علاقة مقاومة، أي أنَّ الذات تبحث عمَّن يقاومها وتبحث عن المواجهات والصراعات، إنها تبحث إذن، ونسبياً، عن وحدات عليا أو سامية محدَّدة تحمل معني أو مغزى، تضم علاقة هجوم ومقاومة، فعل ورد فعل.
ويؤكد نيتشة أن كل ظاهرة في العالم يجب اعتبارها تعبير عن صراع قوي بعضها ضد بعض، ولكن لتحقيق إرادة القوة لا بُدَّ من إرادة في الفعل ليتمَّ التحول من الإرادة للفعل، ولا بُدَّ من ذات تسعي لتحقيق الموضوع، ولذات مضادة؛ أي لبرنامج سردي مضاد.
فنحن في الرواية مثلاً أمام برنامجين سرديين وهما برنامج أشرف الصافي وبرنامج عمار درويش ثمّ يتحوَّل المسار لسيرورة أخرى ببرنامج سردي آخر وآخر مُضاد مثل برنامج عامر درويش وبرنامج زوجته المُضاد.

فهناك ذات فاعلة وذات مُقاوِمة، والذات الفاعلة يجب أن تمتلك القدرة على الفعل، أي القدرة على التحريك، ويجب أن تمتلك الكفاءة حتى تستطيع الإنجاز وتنال الجزاء. ولذلك في البنية السطحية للنص يجب الانتباه للتركيب الخطابي والتركيب السردي، وفي البنية العميقة يجب الانتباه للتركيب المنطقي الدلالي.

ولتبسيط المفاهيم نطبق ذلك على الرواية. فعماد برَّاكة كمؤلِّف قام بوضع مخطَّط أو خطاطة لرواية ذات دلالات منطقية عميقة لم يفصح عنها، وهذه الدلالات هي المعني أو معني المعني المدسوس في نصِّ الرواية وهو ما يستنبطه القارئ أو الناقد. أي أنَّ له قصدية لكتابة الرواية، وهي الرسالة، تسبقها رغبته للأداء.

اللغة والتكثيف الشعوري:
واستخدم المؤلف اللغة والرموز كأداة لتوصيل هذا المعني فقام بتركيب جمل خطابية من محصوله اللغوي بطريقته الخاصَّة لتنقل حالات شعوريَّة مُعيَّنة، ولكن في خبايا هذه الجُمل حكاية أو سرد عن وقائع، ومن خلال السرد نري الراوي والمروي عنه يتحول من حالة أو وضعية إلى حالة أو وضعية مضادَّة في البرنامج السردي، وينقل لنا الراوي هذا البرنامج السردي بواسطة الخطاب الذي يستخدمه بدرجات متفاوتة من الكثافة.

فمثلاً لتكثيف إحساس الغربة في النص نجده في بداية الرواية في السطور الثمانية الأولي يستخدم كلمة غريب او اشتقاقاتها أربع مرات. فمثلاً يقول: (انتبهت إلى شيء غريب)، (جميع الركاب ينظرون إلى باستغراب)، (كأنني مخلوق غريب)، (تنظر إلى بطريقة غريبة). فباستخدامه لكلمة غريب نقل إلينا حالة شعورية ولكنَّه أيضاً سرد علينا مواقف وما يزال السر في بطنه أي أن المعني المدفون في النص لم يظهر لنا ولكن مع تتبع الخطاب والسرد لربما سنصل إلى الكنز المخبوء إذا كان يمتلك الأدوات التي تمكنه من أداء المخطَّط كما ينبغي.
وفي نفس السطور نجد تكثيفاً آخر للشعور بالريبة والإحساس بالمؤامرة. فجُمَلْ: (انتبهت إلى شيء غريب؛ أنا الوحيد الذي نزل في هذه المدينة). (تحوَّلت نظراتهم إلى ازدراء واستهجان حتى اختفي القطار). (بدأ الشك يشبُّ على أمشاطه). (وكما هي عادتي أخلق تفاصيل مريبة). وأخيراً بعد وصف لتصرفات الركاب المريبة ومعاملة مفتش التذاكر وصل إلى قناعة: (وهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدلُّ على أنَّ هناك مؤامرة ممنهجة).

هذا البناء الشعوري المكثَّف هو بناء درامي ناجح يزداد كثافة مع اللحظة الدرامية اللاحقة عندما يقابل أشرف الصافي عامر درويش.
وسنواصل إن أذن الله سبحانه وتعالي
ودمتم لأبي سلمي