بسم الله الرحمن الرحيم

تأشيرة غياب .... عماد برَّاكة
سيميائية الهوى والهوية

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ولفهم البنية العميقة لهذه الرواية يجب اختيار المنهج الصحيح وهو في تقديري منهج علم اللسانيات وخاصَّة فرعه علم السيمائيات الذي يقوم على دعائم فلسفية تراكمية متكاملة ومتفاعلة بين كافَّة العلوم ووسيلتها اللغة والرموز التي استخدمها الإنسان للتواصل وللتعبير.

وقد تفكَّرت مليَّاً في هذه الرواية ووجدت أنَّ منهج غريماس وفونتنيي سيمياء الأهواء هو أفضل المناهج التي يمكن أن تثوِّر معاني هذا النَّص البديع وتُنير دروبه لأنَّها تبحث في ماهية الهوى غريم العقل، ورحلة الإنسان بين طرفيهما جيئة وذهاباً بين حالات الأشياء أو الواقع وحالات النفس المُتلقِّية والمتفاعلة.

وقبل أن ندلف إلى متن الرواية يجدر أن نتحدث عن إطار الدراسة وهي السيميائية أو كما أُحبِّذ أن أسميها السيمائية وهي مُستمدَّة من كلمة سيماء: ‫(سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ)، والسيماء في اللغة: العلامة، ولذلك فالسيمائية هي دراسة العلامات إذ تُعتبر اللغة علامة أو رمز تحتوي معني. ‬‬‬
وقد كان علماء اللغة يتعاملون من سيمائية العمل؛ وهو فعل الجوارح وقول اللسان، ولكن غريماس اهتمَّ بالمشاعر الجسدية والأهواء الذاتية.

والهوى مفهوم شغل الفلاسفة والأديان منذ سابق الزمان إلى يومنا هذا وسيستمر إلى الأبد. والمجتمعات هي التي تُحدِّد "المعقول والمقبول" من إظهار الهوى في سياق الواقع بلا إفراط ولا تفريط ولذلك الحكمة تعتبر العقل هو مُروِّض القلب مكان الهوى وبغير لجامه فهو يدمِّر نفسه وغيره. والرواية تجسيد عملي لهذه النزاع وتصوير ضعف الضمير حين استيلاء الهوى أو صحيان الضمير عند انسحابه وهي تُعرِّي هذا الصراع بلا تجميل بل صراحتها صادمة.

الكينونة والسيرورة والصيرورة:
وقبل أن يكون هناك عمل أو هوى لا بُدَّ من وجود أو كينونة والذي يتقيَّد بسيرورة الزمان والمكان متفاعلاً معهما ليصير إلى نتيجة حتمية أو قصدية وهي الصيرورة. ولذلك جاء مفهوم كون من كان، ومفهوم سيرورة من سار ومفهوم صيرورة من صار.

ولكلِّ عمل أو إحساس أربعة جهات تحكم وجوده وهي القدرة والإرادة والرغبة والواجب. فقد يمتلك الإنسان القدرة ولكنَّه يفتقر إلى الرغبة أو الإرادة أو معني الواجب فيمتنع عن العمل القصدي ولكنَّه قد يأتي بعمل معاكس بالانسحاب أو الاندفاع في الجهة المضادة.

الأبعاد الثلاثة:
نظرية غريماس تتناول ثلاث أبعاد وهي البُعد التداولي ويمثله الفعل، والبعد المعرفي ويمثله اللفظ وأخيراً البعد الانفعالي ويمثله الهوى. والبعد المعرفي يشمل الاجتماعي والثقافي والأخلاقي والتاريخي. ومعرفة الإنسان تنشأ من فهمه للبعد الانفعالي وهو المُحرِّك الأساس للفعل الذي يستخدم الجسد كبعد تداولي. وأُضيف البُعد القيمي أو الأخلاقي لأبعاد غريماس الثلاثة.

وهو يفرِّق بين معرفة الفعل والفعل، وهو يفترض في كلِّ سلوك برنامجاً سردياً مُضمراً وكفاءة تضمن تنفيذه وهي تنبني على إرادة الفعل، ووجوب الفعل والقدرة على الفعل ومعرفة الفعل.

فسيمياء الأهواء هو إشكالية الفعل الإنساني وفهمه من خلال البعد الانفعالي والذي ينقله النص ولذلك يقول غريماس: إذا كانت هناك علاقة جوهرية بين العلامة والمعني فهناك أيضاً علاقة جوهرية بينهما وبين الفعل. والعلامة دليل على السطح والمعني هو العمق فنحن نبحر بمركب النَّص اللغوي على سطح النصِّ السردي للرواية ويبدو لنا ما يبدو من معني واضح ولكن هناك معني خفي ومعني أخفي. فمحَّارة اللؤلؤ مثلاً لا يحملها سطح البحر وإنَّما هي في عمقه ولكن اللؤلؤ مخفيٌّ في داخل المحارة. وقد نزوِّق المركب اللغوي ولكنَّه قد يشتِّت الانتباه عن المركب السردي أو يكون على حساب النّص السردي فيعيق رحلته أو يعمينا عن عمق المعني. أو تبهرنا بهرجة المركب لأنَّنا ضحايا جهل ولا نريد أن نعترف بجهلنا فنعطي قيمة لا تُستحق ونقع أسري سيرورة الفعل لا المعني. وهذا قد يحدث في أي نوع من العلاقة إذا كانت علاقة المؤلف بالنَّص أو علاقة القارئ به أو علاقة رجل بامرأة.

لنتأمَّل كيف أغري عامر درويش رباب تاج السر:
"في ذلك الوقت كان عامر درويش في قمَّة شهرته الشعريَّة، شاهدَته أول مرَّة وهو يتحدَّث في المنتدى الثقافي بمفرداتٍ طلسميَّة، حسب تعبيرها آنذاك، أدهشتها طريقة كلامه، شعرت بقشعريرة تسري في جسدها لحظة أن صفَّق له الجميع معجبين بأسلوبه الخطابي، أحسَّت بانجذاب مغنطيسيّ نحوه، ولم تُصدِّق هي نفسها لحظة إشادته بلوحاتها وإصراره على عرضها في المنتدي الثقافي الذي كوَّنه مع أصدقائه، استطاع تطويقها بمعونة المجاز وتعدُّد المعني، بهرج لها معاييره اللغوية الصارمة، أذهلها بمقدرته في إعادة تركيب المعاني وتكرار الملاحظات والحواشي، غربلها لتطفح سذاجتها وتغطس مرَّة واحدة في لذَّة عشقه وتُصبح شعلة حبِّه اللاهبة".

أمَّا إذا تأمَّلنا هذا الجزء من الرواية على أنَّه عمل من خلق عماد برَّاكة وليس قصص أشرف الصافي فسنجد أنَّ عماد برَّاكة كان يكتب بوعي ويعرف كيف أنَّ بهرجة مركب اللغة يمكن أن يبهر ولكن القصد هو الرؤية لا العمي فما يبهرك لا يمكن أن تراه وتتمعَّنه، وأيضاً نجد أنَّ المركب السردي يحمل لنا معاني واضحة ومعاني خفيَّة.

فنحن بوسعنا أن نري أنَّ هذا المصير المحتوم كان نتيجة انجذاب غربة نفسيَّة تبحث عن شاطئ غربة أخرى صيرورتها الغرق أو الاحتراق. لم يكن في وسع من يهتمّ بمركب اللغة وافتراع المعاني الغريبة أن يُعلِّم حبيبته كيفية الإبحار والغوص لاستخراج درر المعاني وإنَّما همُّه أن تغرق في بحر نرجسيَّته أو تحترق في نارها وتكون له وحده فهي لا قيمة لها بعيداً عنه وقيمتها كإنسان هي أنَّها حبيبة عامر درويش الشاعر لا غير، حتى إصراره على عرض لوحاتها في المنتدى الثقافي لم يكن إلا طُعماً لصيدها لا أكثر وليس اهتماماً حقيقيَّاً بموهبتها وإنسانيَّتها.

ولذلك نري طبقات المعاني تتوالد وهو ما يعنيه السيمائيون عندما يقولون بالتراكبية التوليدية. ويتَّضح الفرق بين الفعل وهو الإغراء ومعرفة الفعل وهو الهدف من الفعل أو القصديَّة المدفوعة بالرغبة؛ أي الوعي بالذات والصدق معها لا الكذب عليها بادِّعاء السموّ الإنساني في علاقة الرجل بالمرأة والغرض الأساس هو الحصول على جسدها.
يقول أشرف الصافي عن علاقته برباب تاج السر:
"حتى أنا نفسي الذي وقَّع القدر إمضاءه لمرافقتها، كان دافعي جنسيَّاً ولكنَّني غلَّفته بحس إنساني".
وهذا لا يدهشنا عندما غرق عامر درويش في حلم يقظة وهو يتأمَّل مومسة تعرض نفسها في أمستردام، وهو يشتهيها ولا يجد لها سبيلاً، يتخيّلها تتحدّث معه:
"تدهشها براعته في نطق اللغة الهولنديَّة كأجنبي، فتزيد من تعميق وجنتها أكثر، وفي اللحظة التي تهمّ بالدخول إلى غرفتها تبصق بآخر لعاب أنثوي يحفظ لها كرامتها، إغراء ينزلق على بلاطه أشدّ الرجال كبرياء. فتشكو له من الإرهاق والأرق وجسدها المتصلِّب من رعونة العمل، ليجد فرصته ويدَّعي أنَّه يمتلك مهارات عالية في فنَّ المساج ليعبر بهذه الخطَّة الساذجة حاجز باب الزجاج. لقد صدَّقته لأنَّها مهَّدت لهذا السيناريو وكسمكة ضئيلة الذاكرة ابتلعت الطعم برغبتها".
لا فرق كبير بين صيد رباب تاج السر في الخرطوم أو زوجته المومسة في أمستردام فالرجل نفس الرجل وتظلّ المرأة في نظره مائدة جسديَّة لا غير برغم ادِّعاء التَّقدُّم والوعي والإبداع.

أمّا أشرف الصافي مُنافس الغريم عامر درويش فهو لا يختلف نوعيَّاً وإنمَّا هو اختلاف درجة. فما إن يري امرأة جميلة إلا ويسيل لعابه وتسري فيه حمّي الصيّاد حتى يأسر طريدته. ولنسمع وصفه للقائه بزوجة رجل في هولندا ولم يكن يدرك أنَّها زوجة رجل جالس بقربه. وقد جذبته أنوثها لا شيء آخر. يقول:
"عرَّفت بنفسي وقرأت قصيدة، قرأتها بدافع استلفته من شابة صاحبة ملامح مثيرة، على شفتيها تجتمع الشهوة دون أن تستأذن أحداً، كانت تجلس على الطاولة في ركن "الكرفانة" وتغني متمايلة طرباً، وكانت على علم بفضيحة أنوثتها".
وعندما اشتعلت الرغبة بعد أن بيَّن لنا دافعه للفعل وهو قراءة القصيدة وهو دليل على معرفة الفعل لأنَّه قصد ذلك يواصل:
"فضَّلت أن ألفت انتباهها بقراءتي القصيدة وكنت أخصَّها في المفردة والإيقاع، لقد ذكَّرتني برباب تاج السر، تحمل نفس الجاذبية، استنفرت كل مشاعري، وخبرتي كانت حاضرة لإدهاشها من أول لقاء، انتظرت حتى نهاية الحفل لأجد فرصة حتى أرمي بسنارتي وأنتظر انجذابها نحوي".

وسنواصل إن أذن الله سبحانه وتعالي
ودمتم لأبي سلمي