حظيت جرائم حرب دارفور بخصوصية إستثنائية فى سلسلة جرائم الحروب وذلك أن مجلس الامن المعنى بحفظ السلم والامن الدولى هو الذى قرر إحالة الجرائم إلى المحكمة الجنائية الدولية ومن ثم تخويل المدعى العام للمحكمة سلطة فتح التحقيق بشأنها حيث أبى النظام السابق التعاون مع المحكمة ورفض الاعتراف او الاقرار بالاختصاص القضائى الجنائى الدولى وتمسك بعدم تسليم اى مواطن سودانى لمحكمة أجنبية بحجة انه ليس عضوا فيها. وتنظر المحكمة الجنائية فى ثلاث جرائم بخصوص دارفور وهى الابادة الجماعية والجرائم ضد الانسانية وجرائم الحرب التى تشتمل على طائفة من الافعال الجنائية المنكرة مثل التقتيل والاغتصاب والاعتداء والعنف الجنسى وحرق المنازل والقرى والتعذيب ونهب وتدمير الممتلكات والتهجير القهرى الذى تم فى عدد من قرى دارفور خلال المدة ما بين 2003-2004. عادة لا تتدخل المحكمة الجنائية الدولية لممارسة لممارسة إختصاصها القضائى إلا عند فشل القضاء الوطنى فى اجراء التحقيقات ومقاضاة الجناة بعد إشعار الدولة المعنية بوقوع الجرائم التى تقع ضمن إختصاصها وفى اراضيها الاقليمية. وعند إعتقال المتهمين أو الجناة المشتبه بهم يقدمون للمحاكمة امام الدائرة الابتدائية للمحكمة ومقرها فى لاهاى. وتكون المحاكمة علنية بحيث يسمح للراغبين بالحضور مع إحتمال اللجوء لإغلاق بعض الجلسات إذا اقتضت ضرورة حماية الضحايا والشهود ذلك الاجراء. ولا تجرى المحاكمة إلا بعد تزويد محامى الدفاع بقائمة التهم الموجهة وبعد ان يقرر القضاة وجود الادلة الكافية لبدء المحاكمة. ولا يمكن اثبات جرم الجانى المتهم او براءته إلا بعد المحاكمة ووزن البينات للتأكد من ثبوت الجرم او عدمه بدون شك معقول ؛ كما يمكن لكل من الدفاع او المدعى العام استئناف العقوبة او الحكم إلى دائرة مكونة من خمسه قضاة ليس من بينهم واحد ممن قام بمحاكمة الجانى او المشتبه به ابتداء. وتوجد لدى المحكمة الجنائية وحدة خاصة مهمتها تقديم العون والرعاية النفسية وتدابير الحماية الخاصة بالضحايا والشهود وليس بالضرورة ان يتم تقديم الشهادات علنا ويمكن ان تقدم إلى القضاة وحدهم بشكل إستثنائى. ان محاكمة الجناة وإصدار العقوبة بحقهم ينهى الافلات من العقاب ولكن لا يستنفد وسائل جبر الضرر او التعويض المجزى بالنسبة للضحايا مما يستدعى القيام بسلسلة من العمليات القانونية من خلال عملية العدالة الانتقالية.
العدالة المرتجعة ( Restorative Justice)
العدالة المرتجعة هى فرع من ضروب العدالة الجنائية التى تعنى بتقديم التعويض عن الخسائر والاستجابة لحاجات وحقوق الضحايا باتخاذ تدابير يرجى منها جبر الضرر الذى لحق بهم جراء الاستهداف الجرمى بشكل مباشر او غير مباشر. وتقاس قابلية التظام القانونى فى بلد ما لرد الظلامات وجبر الاضرار بمدى استجابته لمقاضاة الجناة ومحاكمة الجنايات منشأ الاضرار والخسائر. ومن الوسائل التى يلجأ إليها المعنيون بتنفيذ العدالة المرتجعة تجاه ضحايا الجنايات الفظيعة والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب منح الضحايا عوضا ماليا مجزيا بالاضافة إلى المشاركة بشكل فعلى فى عملية العدالة ورد المظالم وتقديم الاجابات لتساؤلاتهم عن وضعيتهم كضحايا تم إستهدافهم مع حقهم فى الحصول على توضيح الحقائق وتقديم الحماية لهم من أى إعتداءات يمكن ان تحدث مستقبلا. ولقد أشير إلى حاجات الضحايا فى القانون الدولى فى اعلان الجمعية العامة للامم المتحدة الخاص بالمبادىء الاساسية للعدالة وضحايا الجرائم وإعتساف السلطة. ويجب السماح للضحايا للتعبير عن قلقهم وأرائهم خلال مراحل التقاضى فى حال تضرر مصالحهم الشخصية بدون التحامل على المتهم وفق الإجراءات المرعية فى نظام العدالة الجنائية بالنظام العدلى الوطنى. وعموما تتضمن العدالة المرتجعة عدة مستويات من إجراءات رد الظلامات وجبر الاضرار والعوض المالى وتقديم المساعدة لضحايا انتهاكات حقوق الانسان والقانون الانسانى الدولى:
جبر الضرر بمعادل القيمة : (Restitution)
وتشتمل هذه العملية على إجراءات من بينها إستعادة الحرية والحياة العائلية والمواطنة والعودة لموقع السكن او الاقامة وإستراجاع الوظيفة او العمل والمال او الممتلكات.
التعويض والجزاء : (Compensation)
وتتمثل هذه العملية بالتعويض عن الضرر الجسدى والعقلى والاضرار الفادحة وخسارة المكسب المادى والضرر الملحق بالسمعة والكرامة ومانجم عنه من نفقات.
رد الاعتبار والاهلية: (Rehabilitation)
ويشتمل على تقديم الرعاية النفسية والطبية والتزويد بالخدمات القانونية والاجتماعية
الترضية وضمانات عدم التكرار : Satisfaction & Guarantees of non- repetition
وتشتمل على التثبت من الحقائق والتأكيد عليها والافصاح العلنى عن الحقيقة وتقديم الاعتذار اللائق والحيلولة والتحوط كيلا يتم تكرار الجنايات.
إن الاصلاح القانونى والعدلى يأتى فى خضم عملية الإنتقال الراهنة نحو الديمقراطيه والسجال الدائر حولها من قبل القانونيين والمحامين والاكاديميين ومختلف المنظمات السياسية ومنظمات حقوق الانسان وغيرها من منظمات المجتمع المدنى. لا سيما ان ثمة انتهاكات جسيمة وجرائم يأنف عنها الضمير الإنسانى السوى تم ارتكابها مع سبق الاصرار والترصد خلال العهد السابق مما يجعل من قضية الاصلاح القانونى واحدة من اهم القضايا التى يجب ان تحظى بالاولوية والجدية التى تستحقها. القانون الجنائى السودانى يشكل بيت القصيد فى عملية الاصلاح ليس وفق عملية الترقيع التى اجرتها على عجل حكومة الانقاذ فى عام 2009 ولكن بوضع سياسة عدلية جديدة ونظام عدالة جنائية لا يتعارضان مع التزامات السودان الناشئة عن تعهداته الدولية حيال اتفاقات حقوق الانسان بحيث تعتبر احد مكونات المرجعية والثقافة العدلية والجنائية للدولة مع التزامها التوخى بعدم اتباع الممارسات غير المشروعة و المتعارضة مع الدستور او المنتهكة للحريات الاساسية. وينبغى ان تشكل تلك احد دعامات سياسة الامن القومى بمفهومه المتجدد بالتحوط من التعارض مع قيم المجتمع الرئيسة بدلا من توظيف القانون الجنائى اداة للترويع والترهيب والتعذيب وتعزيز الشمولية والاستهانة بكرامة الانسان والمحاكمات الصورية الجائرة وعدم الالتزام بالمسارات الآمنه لتحقيق السلام وحل النزاعات مما يدعم بناء الدولة الحديثة. ومن جهة اخرى لا بد من المساهمة القانونية فى رفع مستويات الوعى المجتمعى بالقانون وترشيد عملية تحريك عجلة العدالة بإدخال إصلاحات فى النظام العدلى الراهن لتعزيز حقوق ضحايا جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان وتخفيض رسوم التقاضى وتوفير الدعم القانونى للفقراء وتعزيز نزاهة واستقلال القضاء مع توضيح مفهومى لما يعنيه إستقلال القضاء حيث ثار حول خلاف رؤى منذ حين . ويمكن إشراك طلبة القانون بالجامعات وعلى رأسها طلبة كلية القانون بجامعة الخرطوم - لا سيما ان عميدها الحالى د. محمد عبد السلام يعد احد اميز المساهمين البارزين فى موضوع العدالة الانتقالية وإصلاح القانون الجنائى – لإعداد ورش العمل والنوعية وإعداد المطبوعات وإطلاق الحملات القانونية لرفع الوعى القانونى للمواطن فى مختلف ضروب القانون مما يجعل من القانون عملية تفعيل مجتمعية كبرى بدلا من كونه حصرا على صفوة. لقد شرع النظام السابق فى إجراء تعديلات قانونية محدودة تحت وطاة التهم الموجهة للمشتبه بهم من الرسميين والمسؤولين السابقين من قبل المدعى العام السابق للمحكمة الجنائية الدولية ؛ منها على سبيل المثال لا الحصر قانون القوات المسلحة فى عام 2007 ؛ والقانون الجنائى لعام 1991 وتعديلاته المحدودة فىى عام 2009 ؛ بحيث كان يسوغ المقاضاة بدوافع سياسية ضمن بنوده المتعلقة بالجرائم ضد الدولة من شاكلة إثارة الحرب ضد الدولة وكذلك "تقويض النظام الدستورى" أو تعريض إستقلال ووحدة الدولة للخطر مما يعرض كل مطالب بمحاكمة مرتكبى جرائم حرب دارفور بالمحكمة الجنائية الدولية إلى عقوبة قد تصل لحد الاعدام او السجن المؤبد.
وفى هذا الاطار يمكن الإشارة للتهم التى صدرت بحق الضابط السابق محمد السارى إبراهيم ومن بينها التجسس والتعامل مع دولة عدوة بسبب تعامله المزعوم مع المحكمة الجنائية الدولية. لقد تعرض قانون الامن الوطنى الصادر فى عام 2010 لانتقادات من قبل لجنة الاتحاد الافريقى الرفيعة المستوى المتعلقة بدارفور ولجنة حقوق الانسان التابعة للامم المتحدة لأنه يمنح حصانات لموظفى أجهزة الامن الوطنى بالتعارض مع التزامات السودان الدولية الناشئة عن مصادقته للعهد الدولى الخاص بالحقوق السياسية والمدنية بالرغم من ان المادة 27 (3) من الدستور الوطنى الانتقالى تنص على ان تكون المعاهدات الدولية المصادق عليها جزءا من الدستور الوطنى الانتقالى.
مذكرة النائب العام حول الوضعية القانونية :
فى المذكرة التى نشرت له قبيل تعيينه فى منصب النائب العام بعيد تحقق ثورة ديسمبر المجيدة اوضح السيد/ تاج السر الحبر التالى:
انه لا يوجد قانون لمحاكمة احداث دارفور والتطهير العرقى والموقف من المحكمة الجنائيه وان تحديد امكانية انشاء محكمة هجينة امر متروك مجلس السيادة ومجلس الوزراء ووزير العدل والنائب العام والمجتمع الدولى وكذلك اهل الضحايا والحركات المسلحة. ويعتقد ان القوانين المعمول بها فى السودان تشكل إعاقة امام النائب العام ورئيس القضاء وتحول دون اتخاذ الاجراءات اللازمه لإعادة هيكلة الاجهزة العدلية ومن بينها الجهاز القضائى والنائب العام ؛ مما دعاه إلى القول : "سيظل النائب العام جالسا دون ان يتخذ الاجراء الضرورى اللازم لاعادة بناء الاجهزة المذكوره ، وان اى قرار يتخذه يكون عرضة للالغاء بدعوى الطعن الادارى كما حدث فى ابعاد احد المستشارين بالنيابة العامه. ولذلك ستظل يده مكبلة بقيود لاتمكنه من انجاز المهام خاصة وأن هنالك ملفات تحتاج الى حركة سريعة وعاجله حتى لاتضيع البينات وينقضى الأمر سلبا. والسلحفائية التى تتم بها عملية اصدار التشريعات المعدله ستجعل من العسير النهوض بالواجبات التى تتطلبها طبيعة القضايا واضعين فى الاعتبار وضعية المرحله الانتقاليه التى تتطلب سرعة فى العمل التشريعى تناغما بين مجلس السياده والمؤسسات العدليه ومجلس الوزراء". وأبان النائب العام ان الوثيقة الدستورية تنص فى الفقره 15 من الماده (7) على مهام اجهزة الدوله خلال المرحلة الانتقاليه وهى تفكيك بنية تمكين نظام الانقاذ وبناء دولة المؤسسات والقانون. و الفقره (5) تنص على ضرورة اصلاح أجهزة الدوله ومحاكمة النظام السابق عن كل الجرائم التى ارتكبت بحق الشعب السودانى منذ 1989. ولكنها لم تضع حماية او تحصيناً للقرارات التى تصدر بشأن اعادة الهيكله لمؤسسات الدوله وانهاء التمكين مما يؤدى إلى غل يد النائب العام باتخاذ مايلزم من عمليات واجراءات معقده لعودة هيبة تلك الاجهزه وضمان استغلالها واجراء الاصلاحات اللازمه مما يعرض مجمل العملية إلى حلقة مفرغة من الطعون لكل قرار يتم اتخاذه لترتيب الاوضاع. وفيما يخص العملية الجنائية فقد اوضح ان النيابه بحاجة إلى دعم كوادر متمرسه فى العمل الجنائى والتحقيقات وقد تحتاج للاستعانه بالخبرات القانونيه من المحامين مثل ما حدث عقب إنتفاضة ابريل 1985 ؛ إلا ان قانون النيابة العامه لسنة 2017 المعمول به لايمكنها من ذلك. اما معالى رئيسة القضاء الاستاذه نعمات عبدالله محمد خير فقد أشارت إلى ان القضاء السودانى مؤهل لمحاكمة البشير واكدت قولها هذا فى لقاء مع النشطاء القانونيين نظمته فى لندن رابطة المحامين والقانونيين السودانيين فى شهر فبراير 2020 بفندق الهيلتون. ومن جهته اوضح القاضى السابق والكاتب فى القضايا القانونية والقضائية سيف الدولة حمدنا الله ان " القوانين المعمول بها اليوم تمنع القاضي من أخذ العلم بالجرائم، فالقاضي اليوم – بموجب القانون – لا يستطيع أن يفعل حيال الشكوى التي تُقدم إليه من مظلوم هُضِمت حقوقه العامة أو الخاصة سوى أن يبكي معه أو يطبطب عليه ليواسيه، فقد سحبت تشريعات الإنقاذ من القضاء أي سلطان له على الدعوى العمومية، وجعلته يتفرج – كحال المواطن- على المظالم والفساد..."


إن إستمرار الوضعية القانونية الراهنة بدون إصلاح جذرى يمكن المؤسسة الرسمية والقانونية للنظام السابق التى تنشط ضمن تفاعلات الدولة العميقة من التمترس لتجميد الواقع القانونى عند حده القديم مما يشكل عائقا لعملية محاكمة الفساد والاعتماد على الحصانة الممنوحة وهذا من شأنه تعويق مسار العدالة إذا تم محاكمة مرتكبى جرائم دارفور تحت القضاء السودانى بوضعيته الحالية. وإذ نقول ذلك لا نعنى بذلك ان قضاة السودان غير مؤهلين ؛ حاشى وكلا؛ ولكن المعوقات والحصانات القانونية سوف تحول دون تحقيق العدالة للضحايا. وان الجنايات المرتكبة فى دارفور ما بين 2002-2005 ؛ لم تكن مجرّمة فى القانون الجنائى الوطنى لعام 1991 ؛ بل تم ادخال التجريم فى تعديل للقانون الجنائى جرى فى عام 2009 كما اشرنا بعد إحالة ملف دارفور إلى المحكمة الجنائية من قبل مجلس الامن بموجب القرار 1593 على النحو التالى:
الجرائم ضد الإنسانية (المادة 186) ، الإبادة الجماعية (المادة 187) ، جرائم الحرب ضد الأشخاص (المادة 188) ، جرائم الحرب ضد الأشخاص والممتلكات والحقوق الأخرى (المادة 189) ، جرائم الحرب ضد العمليات الإنسانية (المادة 190) ، جرائم الحرب المتصلة باساليب القتال المحظورة – (المادة 191) وجرائم الحرب المتصلة باستخدام اسلحة ووسائل محظورة 192)). وحدث ذلك بعد توقف التعاون وإحالة ملف قضية دارفور إلى مجلس الامن برضا ء حكومة الانقاذ ممثلة فى وزير خارجيتها أنذاك ومن ثم إحيل الملف الى المحكمة الجنائية الدولية. ولذلك ان اول ما يدفع به محامو الجناة انه لا يمكن محاكمة تلك الجرائم بأثر رجعى فى الوقت الذى ما انفكوا يقولون انه لا يمكن محاكمتها من قبل المحكمة الجنائية الدولية لأن السودان ليس عضوا فيها. والهدف النهائى هو إجهاض حدوث اى تقدم ذى بال فى عملية الاصلاح القانونى والعدلى.
السودان والالتزامات التعاهدية الدولية:
على سبيل المثال المادة (1) فى الباب الاول من الفصل الاول من دستور جمهورية السودان الانتقالى لعام 2005 الذى ألغاه المجلس العسكرى فى خضم الاحداث المنداحة فى ثورة ديسمبر المجيدة ؛ تثبت إلتزام الدولة باحترام وترقية الكرامة الإنسانية والارتقاء بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية. وتكفل وثيقة الحقوق فى الباب الثاني منظومة من الحريات والحقوق بالتزام الدولة بحماية الوثيقة وتعزيزها وضمانها وتنفيذها. ويتم تأكيد الالتزام عمليا بعدم إصدار تشريعات تصادر تلك الحريات والحقوق المضمنة في الوثيقة أو بهدف الانتقاص منها. وفيما يتعلق بالشق الدولى من الالتزامات الدستورية أكد نص المادة 27 (3) على ان "كل الحقوق والحريات المضمنة في الاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان والمصادق عليها من قبل جمهورية السودان جزءً لا يتجزأ من هذه الوثيقة". فالإلتزامات القائمة بموجب المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان هي جزء لا يتجزأ من وثيقة حقوق الإنسان السودانية. وهى تشير إلى الانتقال من النظام المزدوج للالتزامات الدولية إلى النظام الاحادى (تضمين الاتفاقات الدولية الخاصة بحقوق الانسان التى وقعت عليها الدولة فى متن القانون السودانى بشكل آلى بدون سن قانون). اصبحت بموجب هذه المادة القوانين الدولية المصادق عليها من قبل السودان جزءا لا يتجزا من قوانين السودان.

النظام القانونى السودانى:
حول الاختلالات القانونية فى النظام القانونى السودانى الناجم من إرث نظام الانقاذ اوردت ورقة قانونية بعنوان (حكم القانون وحقوق الإنسان في السودان: التحديات وآفاق الإصلاح) قدمها د.لوتز أوتي و د. محمد عبدالسلام (العميد الحالى لكلية القانون بجامعة الخرطوم) فى الاجتماع التشاوري حول الاصلاح المؤسسي في السودان الذى عقد فى نيروبى 15-17 سبتمبر 2014؛ اوردت إختلالات عديدة فى النظام القانونى السودانى تؤثر فى تحقيق العدالة وتكرس الافلات من العقاب وتحصين المنتهكين بعدد من الحصانات تتعارض مع وثيقة الحقوق الدستورية والتزامات السودان الدولية مما سينعكس سلبا على محاكمة البشير والمتهمين الاربعة إذا جرت المحاكمة بموجب القوانين السودانية السارية قبل إصلاح النظام العدلى الذى اشار إليه النائب العام الحالى. ولقد كرست اتفاقية السلام الشامل لعام 2005 مبدأ تعطيل المحاسبة على الانتهاكات وتقنين الافلات من العقاب الجنائى ضمن عملية إلاقتسام الثنائية للسلطة . كما خلت الاتفاقية من اى تقنين للمحاسبة او سياسة للعدالة الانتقالية مما شكل عائقا نفسيا كبيرا تجاه محاسبة جرائم دارفور حيث اعتبر الانقاذيين ان ذلك حقا مشروعا لهم وشكل ذلك إحدى العقبات الكؤوده امام مقاضاة تلك الجرائم. ويطالب قانونيون سودانيون تحقيق نوع من الاستقلال المؤسسي لهيئات إنفاذ القانون مما ينعكس إيجابيا على مجمل عملية التحقيقات والمعايير التى تتم وفقها وذلك بالفصل بين وكيل النيابة التابع فى النظام القانونى الحالى لوزارة العدل التى تشكل واحدة من المؤسسات التنفيذية العدلية بالبلاد حتى ينتفى التحيز القائم او المفترض قيامه بين المخدم التنفيذى وموظقيه العدليين. وحتى لو تمت مقاضاة المسئولين المتهمين بارتكاب جرائم، فهذه المحاكمة قد تتم أمام محاكم خاصة تفتقر إجراءاتها للشفافية، وإلى نظام حماية الشهود وربما تحمي المتهم من المحاسبة الكاملة. وعلى النقيض من هذا التحيز التنفيذي القوي، نجد أن الضحايا ليس لهم ضمانات بأي حقوق في الإجراءات، مثل الحق في المشاركة، الحق في الحماية، وحق العلم بالتطورات كما أشرنا اعلاه . كذلك تستخدم المحاكم الخاصة الإجراءات الجنائية المتبعة في سياق الجرائم العادية التي ترتكب في وقت السلم، فتفتقر بالتالي إلى قواعد الإجراءات والإثبات، كما في حالة المحاكم الدولية.

تكريس الافلات من المحاسبة الجنائية:
ان النظام القانونى السودانى الراهن يكرس غياب العدالة والمحاسبة الجنائية بخصوص انتهاكات حقوق الإنسان والجرائم الدولية ويرسخ ظاهرة الافلات من العقاب لوجود حصانات قانونية عديدة وهو ما اوضحه فريق الإتحاد الأفريقي رفيع المستوى بشأن دارفور. كما يشكل الإستقلال المؤسسى لهيئات إنفاذ القانون إعاقة تؤدى إلى الانتقاص من مستوى التحقيقات المحلية فى الجرائم الجسيمة لتعارضها مع اساليب التحقيق المعترف بها دوليا ( نموذج رقم 8 المستخدم في حالات الاغتصاب وعدم تطبيق بروتوكول اسطنبول في حالات دعاوى التعرض للتعذيب أو سوء المعاملة). ومن المطلوبات التى تقدم بها الراحل د. أمين مكى اتستاذ القانون الجنائى وحقوق الانسان فى كتابه الصادر بالانجليزية بعنوانة: ( جرائم ضد القانون الانسانى الدولى فى السودان ) إجراء الإصلاحات التشريعية المذكورة اعلاه بجانب إصلاح شامل لنظام التحقيق ومحاكمة الجرائم التي يُزعم إرتكابها من قبل أو بمشاركة المسئولين. ويشمل ذلك: (أ) نيابة عامة مسؤولة أمام نائب عام مستقل؛ (ب) وحدات تحقيق خاصة مستقلة مؤسسيا عن الجناة المزعومين؛ (ج) استخدام أساليب تحقيق معترف بها، بما في ذلك إدخال تغييرات على أورنيك 8، وإدخال بروتوكول اسطنبول وبروتوكول مينيسوتا لتوجيه التحقيقات في قضايا التعذيب والقتل خارج نطاق القضاء على التوالي؛ (د) إلغاء المحاكم الخاصة للشرطة وجهاز الأمن والمخابرات الوطني والجيش؛ (د) تعزيز حقوق الضحايا . وتستند هذه الإصلاحات على الاقرار بأن نظام الانقاذ عمل عامدا على إطالة أمد الإفلات من العقاب. ولذلك تتطلب الإصلاحات معالجة الإرث القانوني والمؤسسي للإفلات من العقاب.

التعارضات فى متون القوانين:
بالرغم من إجراء إصلاحات قانونية محدودة فى مجال اربعة قوانين بالتوافق مع مضامين المعايير القانونية الدولية المعترف بها وتضم: قانون الأشخاص ذوي الإعاقة (2009) وقانون الطفل (2010)، وقانون تنظيم اللجوء (2014) وقانون مكافحة الإتجار بالبشر (2014) إلا ان هناك تعارضات لا تزال باقية فى متون القوانين السودانية ومن بينها إخضاع المدنيين لاحكام القانون العسكرى وقوانين الطوارئ وقانون مكافحة الإرهاب وقانون الصحافة والمطبوعات واحتجاز الأفراد لأجل غير مسمى حال فشلهم فى الوفاء بالتزاماتهم التعاقدية والتجارية (المادة 11 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية). وهناك الصلاحيات التنفيذية الواسعة مثل سلطة الاعتقال والاحتجاز خاصة فى قانون الأمن الوطني وعدم وجود ضمانات للحبس والمراجعة القضائية المحدودة وقوانين السجون. بجانب أوجه القصور الإجرائية: مثل حقوق الدفاع والإفراج بكفالة وتفشي المحاكمات الإيجازية لا سيما في محاكم النظام العام والمحاكمات أمام محاكم مكافحة الإرهاب ومحدودية العون القانوني.

عدم تجريم افعال التعذيب والاختفاء القسرى:
وفى مجال المحاسبة القانونية لا يوجد تجريم لفعل التعذيب أو أفعال الاختفاء القسري وفقا للتعريفات المعترف بها دوليا والتعديلات الخاصة بتعريفات الجرائم الدولية تختلف في قانون القوات المسلحة (2007) عنها في القانون الجنائي (2009) ولا تنسجم بالشكل الكامل مع التعريفات المعترف بها دوليا بالاضافة إلى عدم الاعتراف بمسؤولية القائد الأعلى؛ والحصانة التى يتمتع بها أفراد الجيش والشرطة والأمن وغيرهم من المسؤولين من الملاحقة القضائية؛ إضافة إلى فترات التقادم القصيرة بحق بعض الجرائم مما يرسخ بقصد مدروس الإفلات من العقاب على الجرائم التي لم يبت ُفيها قضائياً.
محاكم الاجهزة الامنية الخاصة:
وهناك ايضا المحاكم الخاصة التى تدار من قبل الشرطة والجيش وجهاز الأمن والمخابرات وهى منعدمة الشفافية والمحاسبة وإختلال العملية القانونية السليمة. ان الحق الدستوري في التقاضي لا يقابله حق صريح في التعويض عن انتهاكات حقوق الإنسان ؛ وان الحصانة تشمل القضايا المدنية أيضا مع قصر فترات التقادم التى تسقط التهمة نهائيا؛ ومحدودية حقوق الضحايا مما يعرقل إنفاذ العدالة. وتشتمل القوانين السودانية التالية على الحصانة القانونية: قانون الأمن القومي- 2010 (المادة 52) والتي تمنع تحريك أي دعوى مدنية او جنائية ضد أي من عاملي أو منسوبي الوكالة إلا بموافقة المدير فى حالة عدم اتصال المحاكمة بالعمل الرسمي على ان تكون محاكمته فى محكمة جنائية مغلقة ؛ وقانون القوات المسلحة -2007 (المادة 42- البند 2) وقانون الشرطة العام-2008 (المادة 45-البند 1). ولذلك طالبت اللجنة الخاصة بحقوق الانسان التابعة للأمم المتحدة والمفوضية الإفريقية الخاصة بحقوق الإنسان والشعوب ولجنة الإتحاد الإفريقي السامية حول دارفور ؛ حكومة البشير بالغاء الحصانة القانونية لانها معوق أساسى لمحاكمة الجناة من المسؤولين الرسميين. وان تأخير العدالة يقوم مقام إنكار العدالة ويفاقم الاحساس بالظلم والغبن .

الخلاصة:
بعد امتثال على كوشيب لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية ؛ إذا تم تقديم الرئيس السابق عمر حسن احمد البشير والمتهمين او المشتبه بهم الاربعة لمحاكمة تحت طائلة هذه القوانين بدون إجراء الاصلاحات المطلوبة ؛ فإن وجود مناصريهم داخل الاجهزة العدلية والقانونية والامنية سوف يجهض العدالة ، وأن الحصانات التى أشرنا إليها سوف تضمن لهم البراءة التامة كنتيجة حتمية.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////////////