-1-

لم يكن من أولويات كاتب هذا المقال ، أن يطرق موضوعاً لا يخلو من حساسية وفي هذا التوقيت بالذات. فتلك معركة مؤجلة نعرف متى وكيف ندخلها. ما ينبغي أن يشغل بال كل غيور على السودان هذه الأيام هو كيف نعبر بسفين الثورة وسط هذه الأمواج ، إلى برِّ الأمان. فجميعنا - شعباً وحكومة - منوط بنا إنجاز الهدف الذي من أجله قامت الثورة. ثورة أدهشت العالم بإصرار فتيانها وفتياتها، وبسلميتها..وألقت بأبشع نظام استبدادي عرفه السودان الحديث في سلة مهملات التاريخ. وطبعاً ليس من إنجازٍ دفع شعبنا ثمنه مئات الآلاف من الشهداء والجرحى أكبر من إقامة الدولة المدنية الديموقراطية بشعاراتها التي زانت مسيراتنا داخل وخارج البلاد لثمانية أشهر حسوما.
إنّ شعار : (حرية ، سلام وعدالة)، الذي ما تزال دماء شهدائنا رطبة في كل بقاع السودان لتحقيقه يعني عندنا نحن السودانيين إقامة دولة السلام والعدل وحق شعبنا في أن يعيش حرّا مرفوع الرأس في عصر الكهرباء والإنترنت ، عصر معجزات ومنجزات العلم. إننا نريد بكامل إرادتنا العيش تحت سقف الدولة المدنية التي صاحت مطالبة بها عقيرة كل شاب وفتاة وهم يواجهون الرصاص الحي بصدور عارية إلا من الإيمان بالله وبوطن حر. الدولة التي يمكننا العيش تحت سقفها متساوين في الحقوق والواجبات نحن ومن كانوا وما فتئوا حتى لحظة كتابة هذه السطور يضمرون الشر لشعبنا وبلادنا، حالمين بإعادة عجلات التاريخ إلى الخلف – وهو أمر مستحيل!
قلت بأنّ الكتابة حول هموم شعبنا بإقامة ما ضحى من أجله لثلاثين سنة هي ما ينبغي أن ينال الأولوية بالتصدي له. لكن بعض توافه الأمور تصبح مثل الجملة الإعتراضية ، لا قيمة لها إلا بتفسير كامل العبارة! وجملتنا الإعتراضية اليوم هي محاولة البعض استعباطنا والضحك على ذقوننا بما حاولنا عدم الخوض فيه مراعاة لحق الجيرة- وأعني هنا جيراننا العرب!

-2-
في مساحة عريضة تمتد من شرق ووسط أفريقيا حتى شمالها قامت قبل أكثر من خمسة آلاف سنة ممالك كوش التي أرست حضارة ضخمة. تمتد هذه المساحة من أرض الصومال وأثيوبيا (أبيسينيا) وما يعرف اليوم بالسودان (شماله وجنوبه) حتى مصب نهر النيل في البحر المتوسط. غني عن القول أنّ ممالك كوش في بلاد النوبة بشمال السودان بلغت طوراً من القوة أن أحد أحد ملوكها ( طهراقا) جهز جيشاً غزا به مصر الفرعونية. بل إن إحدى ملكاتها (كنداكة) هزم جيشها الغزاة الرومان. سقت هذا التاريخ للتأكيد بأنّ جذور الشعب الذي يسكن هذه المساحة العريضة المسماة اليوم بجمهورية السودان لا يحتاج لمؤرخين أو لأخصائيين في علم الجينات ليقولوا لنا ما هو موقعنا من القارة الأفريقية. فنحن سرة هذه القارة التي شهدت بدايات حضارة الإنسان (وهذا كلام المؤرخين وليس كلامي) ونحن فيها "الساس والراس" كما يقول أيناؤنا وبناتنا الذين فجروا الحلقة الأخيرة لثورة ديسمبر ، وما زالوا حراساً لها !
أكتب هذا وفي الأعماق من الغبن على جيراننا العرب (وأعني الأنظمة لا الشعوب ) ما لا نود فتح ملفاته. وإن اضطرونا لفتحها يوماً، فليس ثمة ما يمنعنا من الخوض فيها بقوة. ونحن آنئذن من يختار الميقات والملف. لكني أتحدث اليوم فيما يشبه العتاب لسودانيين من بني بجدتي. فنحن السودانيون وعلى المدى القريب جداً (في الثلاثين سنة الماضية) عانينا من نظام استبدادي ما لم يعان منه شعب من شعوب المنطقة. حروب ذهبت بثلث مساحة بلادنا. بل إنّ حرب الجنوب وحدها أزهقت أرواح الملايين من أشقائنا في ذلك الجزء الغالي ناهيك عن خراب الزرع والضرع ودمار البيئة. تدخل المجتمع الدولي آنذاك بدعوة من أشقائنا الأفارقة. أوقفوا الحرب لكنا خسرنا جنوب السودان. نعرف أن الجنوبيي قد كفاهم ما جنته عليهم ثقافة الرق التي تجذرت في السودان بعد غزو عبد الله إبن أبي سرح تحت تسمية (الفتح) . ولأنّ الإسلام لم يتمكن في شعب من شعوب الله بالحروب وإنما بقوة العقيدة وسماحتها فقد أوقفت حروب الغزاة العرب باتفاقية مهينة سميت بهدنة (البغط)، يدفع النوبيون ما يقدر بثلاثمائة وخمسين من الرق لخليفة المسلمين في مصر ومعها بعض إتاوات أخرى. يقول البلاذري في "فتوحات البلدان": (ليس بيننا وبين الأساود عهد. إنما هي الهدنة..على أن يدفعوا لنا الخ..). لم يدخل الإسلام واللغة العربية السودان بالحروب. بل دخل بلادنا كما حدث بأندونيسيا واثيوبيا والصومال وتشاد على أيدي دعاة أكارم وبعض المتصوفة. لذا كان إسلامنا ولا يزال غير النسخة العربية الصحراوية. نحن مسلمون متسامحون. وكل صفاتنا السمحة التي تمنحنا جواز مرور إلى قلوب شعوب العرب وغيرهم إنما هي الإسلام الوافد إلينا مع الدعاة ممتزجاً بطقوس الثقافات الأفريقية المحلية بتاريخها ومعتقداتها الضاربة في القدم.

-3-
أعود إلى حقبة الإستبداد التي جعلتنا - وبلادنا بها ما بها من الخير والرزق الوفير- أن يهاجر الملايين منا في بلاد الله الواسعة. واحتوت بلاد الخليج تحديداً أفضل كفاءاتنا من شغيلة وفنيين وخبراء في شتى المجالات. لكن لم يشفع لنا حسن السير والسلوك ولا الأمانة السودانية التي صارت مضرب مثل عند العرب. ظللنا وافدين أجانب ، لا حق لنا في الإقامة إلا بما يسمح به القانون للوافد الأجنبي. ومن الطريف أنّ معرفة معظم المتعلمين والمثقفين العرب بتاريخنا وجغرافية بلادنا هزيلة إلى الحد المخجل. المسألة ببساطة هي أنّ السودان لا يعدو أن يكون تتمة عدد في النادي السياسي العربي (جامعة الدول العربية) وحديقة خلفية للإستثمارات غير العادلة والتي لا تراعي مصلحة غير المستثمر.
وبعد هذا كله فإنّ بعض أنظمة العرب كان تدخلها سافراً في الشأن السوداني قبل وإبان الثورة التي عملت أنظمة عربية بكل ما أوتيت لإطفاء جذوتها ، الثورة التي نالت إعجاب شعوب العالم! وفي المقابل كان دور الإتحاد الأفريقي بارزاً بالتواصل مع الثوار والطرف الآخر من العسكر الذين يمثلون امتداداً للنظام البائد، في وساطة مرثونية شاقة توجت بالنجاح.
هؤلاء هم بعضنا. ما طمعوا في أرض السودان كمزرعة لبرسيم أو حقولاً لقمح أو عمالة رخيصة في بلادهم. هؤلاء هم الأشقاء. أقف إلى جانب الإثيوبي أو الصومالي أو التشادي أو الكميروني فأغني أبسط أغنيات فنان أفريقيا محمد وردي فيرددها معي عن ظهر قلب. لا أشعر في بلده أنني آخر يحسب انتمائي إليه بفصاحة لساني. هل ما زال التعريف الذي يقول بأن كلَّ من تكلم العربية فهو عربي - هل لا يزال هو دالة الآخرين بأننا نحن السودانيين عرب؟ وبمثل هذا التعريف هل يمكنني أن أفرض الحجة على المسرحي والشاعر النيجيري البروفيسور وولي شوينكا الحائز على جائزة نوبل في الآداب 1986م بأنه إنجليزي لأن كل مؤلفاته بالإنجليزية؟ أم أفرض الفرنسية على سينغور السنغالي وإيمي سيزار لأنّ أشعارهما في أفريقيا كلها باللغة الفرنسية؟

أكرر أنّ علاقات الشعوب موضع احترامنا وإجلالنا وتقديرنا. العرب جيراننا ، وتربطنا بهم مصالح الجيرة وتبادل المنافع. لكننا في غنى عن نصف عروبة. كما إننا لا نريد أنساب الوهم وتزييف التاريخ!
والآن يا بعض وزراء حكومة ثورة ديسمبر ، أما حان أن ترحمونا من استجداء أنسابٍ ينكرها عليكم أهلها؟ كم أخجلتمونا وأنتم ترددون بغباء : أشقاؤنا العرب وجيراننا الأفارقةّ!

بالله عليكم إستحوا !!

فضيلي جمّاع
لندن في 14 سبتمبر 2019

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.