(1)

إن ظنّ جنرالات مجلس أمن النظام المباد - الذي أطلق على نفسه جزافاً إسم المجلس العسكري - ومعهم فلول الثورة المضادة وحلفاؤهم (معسكر السعودية - الأمارات) - إن ظنوا بأنهم سجلوا انتصاراً بارتكابهم مجزرة فض الإعتصام بقوة السلاح ، وإراقة دماء أبناء وبنات شعبنا في ختام شهر الصوم الفضيل ، إن ظنّوا أنهم بذلك قد سجلوا انتصاراً ... هم إذن واهمون! وأكثر غباء أن يحسبوا أنهم بذاك الفعل الإجرامي قد أنهوا ثورة شعب السودان الضخمة!
بفض الإعتصام السلمي وإراقة دماء زكية جديدة، وإهانة شيبنا وشبابنا بالإنهيال عليهم بالسياط وبالرصاص الحي ، بهذا الفعل المجافي لكل طبع متحضر، يكون مجلس أمن النظام وحلفاؤه من قوى الرّدة وأعداء ثورة شعبنا قد ارتكبوا أكبر حماقة لا يرتكب مثلها إلا من يجهل أبسط حيثيات المد الثوري حين يدخل وعي الجماهير كلَّ بيت. إذْ لم ينقشع دخان معركتهم الخاسرة ضد أبناء وبنات شعبنا الأعزل إلا من سلاح السلمية، ما أجبرهم على مغادرة ميدان الإعتصام، حتى عادوا إلى الخيار الصعب: إغلاق شوارع وأجواء السودان. وليركب حلف الشيطان أعلى ما لديهم من دواب! بل عليهم أن يستعدوا لغضبة الحليم!

 

(2)
قبل قرابة الشهرين كان الملايين من أبناء وبنات السودان قد قبلوا أن يجلس ممثلوهم إلى جنرالات المجلس العسكري الذين كانوا يعلنون بدءاً بمناسبة وبدون مناسبة أنهم انحازوا لثورة الشعب، وبأنهم سينقلون السلطة للمدنيين. ثم بدأوا بعد فترة وجيزة – بدارجة أهل السودان – "اللولوة" و"الجرجرة" و"الكنكشة".. المصطلحات العامية الثلاثة تصب في معنى الإلتفاف على حق الآخر. ما إن سلطت أضواء الفضائيات على هؤلاء العسكر المغمورين حتى صدقوا أنهم هم الحكام الفعليين للسودان. كثرت تصريحاتهم عبر الصحف والفضائيات. وما هي إلا فترة قصيرة حتى أبانوا عن مشروعهم الذي جاءوا من أجله .. حقيقة أنهم في الأصل إمتداد للسلطة القمعية التي سامت السودانيين الذل وحروب الإبادة والمسغبة لثلاثين سنة. لم يأت العسكر الجدد إذن ليسلموا للملايين حلمهم بالدولة المدنية – دولة الحقوق والمساواة- التي دفعوا لأجلها مئات الآلاف من الشهداء خلال هذه العقود الثلاثة ، بل قضى نحبهه في الأشهر الخمسة الأخيرة وحدها فوق المائة والعشرين – جلهم من الشباب الغض - وآلاف الجرحى، الذين أدت جراح بعضهم إلى عاهات مستدامة! يضاف إلى ذلك أن القاصي والداني كان قد عرف بأن جنرالات المجلس العسكري باتوا كالدمي تحركهم أيدي دول في المنطقة ، لم تنكر أنّ مصالحها في بقاء هذا المجلس العسكري تحت إبطها. إذ لم يمض شهر حتى طار رئيس المجلس ونائبه كل في اتجاه ليعودوا إلى البلاد وقد تغيرت لهجة الحوار إلى التلويح بالجزرة والعصا. بل إنّ محاولة فض المعتصمين السلميين صارت شغلهم الشاغل- رغم إنكارهم ذلك على الملأ.

 

(3)
واليوم - وفي فجر لأخريات شهر الصوم - إنقضّت جحافل الجنجويد وكتائب الظل (في زي الشرطة المكبلة الأيدي ) على المعتصمين العزل وأذاقتهم من ألوان الضرب بالعصي بوحشية وبالسياط وبالذخيرة الحية ما أدّى لسقوط 13 شهيداً وأكثر من مائة جريح. كانت تلك هي الخطة التي عاد بها البرهان –رئيس المجلس ونائبه حميدتي من شرق البحر الأحمر. أن يزيلوا ميدان الإعتصام الذي صار عواراً في خاصرتهم. أبان زعيم الجنجويد الذي مكن له عمر البشير على حساب جيش السودان لكي يحميه، أبان عن وجهه الحقيقي كشخص لم يكره في حياته مثلما كره كلمات مثل : "شعب" و"مدنية" و"حرية" و"مساواة"!! هذه المصطلحات التي تخشاها بعض دول الإقليم بحسبان أنها إن قامت لها قائمة في السودان فذلك يعني زوال مصالحهم في هذا البلد الذي صار في عرفهم مزرعة خلفية لا راعي لها ، وقد حان وقت حرثها وقطاف خيراتها ! هذه حقاً من المضحكات التي تقود إلى البكاء . قاطع طريق يتم تسليحه حتى أسنانه، على حساب جيش وطني ، وتقف خلفه دول تعادي شعباً لم يضمر لها ولشعوبها ذات يوم إلا الخير . لكنه صراع المصالح !!

 

(4)
هذه مناسبة نقول فيها لمن صدعونا يوم ساقوا المديح لحميدتي والجنرالات الذين بان وجههم القبيح اليوم من وراء القناع – هذه مناسبة أن نقول لهم: هل وجدتم ضالتكم في الهبوط الناعم؟
وأخيراً.. نقول لشعبنا الذي لم توحده المصائب مثلما وحدته اليوم : إن النصر صبر ساعة. لقد صبرنا على نظام العسف والإبادة ثلاثين سنة كاملة ، وأطحنا برأسه ذات يوم وإن لم نجهز عليه باقي الجسد بعد. لكن ما بقي من مشوار ليس طويلا أبداً ، إلا إنه دون شك مشوار شاق وبحاجة إلى وحدة الصف وقوة الإرادة. هذه الثورة جاءت لتنتصر، فهي لا تشبه الهزيمة بأي شكل. هي فعل تراكمي لشعب عركته التجارب في القرنين الأخيرين. ، فكانت له خبرة في الإطاحة بالمستبدين.
• هل أحتاج لتذكير أعداء شعبنا في الداخل والخارج بحريق المك نمر "في قلب الدخيل" كما قال صديقنا الشاعر مبارك بشير؟
• هل أحكي لهم عن إذلال ثورة المهدي للإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس إذ قطع الثوار رأس ممثلها إذ ظن أن السودان ضيعة يفعل فيه ما يشاء ؟
• هل أحكي لهم عن انتفاضتي أكتوبر وأبريل اللتين أنجزهما نفس الشعب الأعزل ضد سلطتين عسكريتين؟
لن أحكي شيئاً صار في ذمة التاريخ. لكني أقول لهم: إن شعباً يقابل فتيانه وفتياته وأطفاله الرصاص بصدور عارية إلا من الإيمان بالله وبالحرية وبالكرامة، إن شعباً كهذا يستحيل وضع السلاسل حول عنقه. إقرأوا تاريخه جيداً وانظروا إلى العالم من حولنا يتفرج منبهراً هذه الأيام على جسارته ، وستعرفون يا من تحاولون إذلاله بأنكم تعبثون بذيل أسد إحمرت عيناه غضباً .


فضيلي جمّاع

 

عشية 29 رمضان 1440ه

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.