الثورة حلم. وما من ثائر إلا وخاصة الحلم جزء أساس في تكوينه النفسي والفكري. وما نعنيه بالحلم هو تطلع الفرد لعالم أفضل من واقعه اليومي الرتيب. وحين يرتبط حلم الإنسان بإزالة دولة تبسط تسلطها عليه وعلى الملايين سواه، واستبدال ذاك العالم المستبد بما يتسق وتوق الملايين لحياة جديدة أكثر براحاً فإنّ هذا الحلم يسمى "ثورة". فالثورة حالة من الغضب تفوق مراحل الرفض السلبي الخنوع. تمسك الثورة في يدها معاول الهدم لعالم ماتت فيه خاصة الحلم بالجديد. عليه فإن الثائر هو من يهدم عالماً متفسخاً ليبني مكانه عالماً يذخر بكل ما في الإنسان من سمو الروح والانطلاق صوب مستقبل أجمل. وهذا الحلم بعالم جديد أكثر يصبح حالة تتخلق في كيان الملايين كلما اتسعت في قلوبهم دائرة المد الثوري. وتتسق حركة الفرد اتساقا مدهشاً مع حركة الملايين حوله كلما كان الوعي ركيزة من ركائز الثورة.

قد نتساءل ونحن نقرأ صحائف الثورة ووقائعها منذ الانفجار الكبير في 19 ديسمبر2018 حتى محطتها الحالية (الاعتصام لدى بوابة مباني قوات الشعب المسلحة): من منّا لم يحلم في صحوه ومنامه بزوال كابوس حكم الإخوان المسلمين طوال الثلاثين سنة؟ من منا لم يحلم بأنّ الوطن الذي صودرت هويته واستغلت تربته وفضاؤه ينبغي أن يتم تحريره من براثن من صادروا الحرية والحق والجمال ؟ حلمت الملايين بحلول يوم تزول فيه دولة الحزب الواحد والحاكم الفرد المتسلط ، وعصابات الفساد والجريمة المنظمة لتحل محلها دولة الحكم الرشيد- دولة القانون والمؤسسات. حلمنا بكل ذلك. لكن الثورة تأخرت. ذلك لأن الحلم وحده لا يصنع ثورة. إن الحلم بشكله السلبي يصبح عاملا لتثبيط الهمم وأداة يستخدمها الجلاد في تخدير الشعوب. وعكس ذلك فإن الحلم بهدم العالم المترهل والذي يستصحب حراكاً ديناميكياً واعياً هو الذي نسميه ثورة تلك التي تهدم أركان أنظمة القمع والتسلط وتبني مكانها عالماً جديداً ، يبشر كل من فيه بالحياة كما ينبغي أن تعاش: حرية ، سلام وعدالة- كما رفع الجيل الجديد هذه الكلمات الثلاثة شعاراً لثورة ديسمبر.

قادني إلى هذه الخاطرة عن الحلم والثورة سؤالان، الأول: لماذا تأخرت استجابة الجماهير للانخراط في الثورة طوال ثلاثين سنة ، رغم أنّ عدة انتفاضات جادة قد أجهضتن ورغم أنّ ثورات الهامش العريض قد أنجزت فيها حرب الغوريلا مرحلة بناء جيوش تصدت للجيش الرسمي المؤدلج لدولة الأخوان المسلمين وهزمته في أكثر من معركة. لماذا لم تنجح هبة سبتمبر بكل عنفوانها ، في أن يلتف حولها الملايين كما حدث اليوم، وقد تقدمها الشباب؟

في الرد على هذا السؤال نقول بأنّ الشروط الموضوعية للثورة السودانية لم تكتمل طيلة الثلاثين سنة الماضية مثلما هو الحال اليوم. فالنظام الذي جاء قادته الإسلامويون على ظهر دبابة بادعاء أنهم جاءوا لينقذوا البلاد من حافة الهوية كان لابد أن يمارس قادته وأتباعه الكذب والتدليس طيلة ثلاثة عقود، يصادرون حيالها الحريات ويشعلون الحروب المستمرة ويسرقون خيرات البلاد ويرهنون الأرض وخيراتها للأجنبي دون أن يطرف لهم جفن أو أن يشعروا بالخجل! كان لابد أن يدفع المواطن في كل ركن من بلادنا ثمن هذا الظلم ، فتكبر في داخله حمية الثورة. كان لابد أن تتراكم عوامل كثيرة داخلية وخارجية تجعل شرارة الثورة بانتظار من يشعلها.

السؤال الآخر: هل كان مصادفة أن يكون آخر الأجيال الشابة هو أكثرها وعياً بحركة التاريخ واكتمال ساعة الثورة بهذه القوة وبهذا التنظيم المبهر والسلمية التي لفتت أنظار شعوب العالم؟

لم يكن في الأمر مصادفة من أي نوع. هذا جيل لا يمكن أن يقوم بالفصل الأخير في كتابة فصول الثورة السودانية غيره، ذلك لأن شروطاً موضوعية قد توفرت له، منها: وعيه بالمعلومة والحصول عليها في لمح البصر في عصر الإنترنت الذي جعل العالم قرية كونية. فاستطاع بامتلاك المعلومة وسرعة إرسالها ضبط إيقاع الحركة وترتيب صفوفه بصورة أذهلت النظام الغارق في وحل الفساد وضعف الإدارة وغياب المؤسسية والتردي الإقتصادي الذي أوصل الملايين إلى حالة يرثى لها من الفقر المدقع. ثم إن إشهار سلاح "السلمية" صار ضربة المعلم التي هدت حيل آلة الترويع والقمع التي يتسلح بها النظام. وهذا شرط تاريخي آخر تسلح به جيل الثورة ما كان لتتوفر فعاليته بهذا النجاح لغيره من الأجيال السابقة. فالسلمية كما مارسها مارتن لوثر داعية الحقوق المدنية في اميريكا في الستينات وكما مارسها قبله المهاتما غاندي قد تبدو صعبة إن لم تصطحب معها الوعي والتنظيم القوي لحركة الشارع. وهذا ما نجحت فيه قيادة الشارع (تجمع المهنيين وقوى الحرية والتغيير) بصورة أرهقت الآلة القمعية الوحشية لنظام الأخوان المسلمين، وجعلت جنرالات النظام – خوفاً على غرق السفينة- أن ينقلبوا على رأس النظام بانتظار أن يجمعوا صفوفهم لدحر طوفان الثورة.

إنّ ما يقوم به الجنرال عبد الفتاح برهان وأعوانه، من محاولات مدعومة بسند استخباراتي من دول يرعبها ميلاد دولة الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان في السودان قد يطيل عمر المناورة ، لكنه قطعاً لن يزيد ثورة الشباب - ثورة المتاريس والحراك السلمي - إلا عنفواناً ونضجاً. بل يجعل التفاف ملايين السودانيين حولها واقعا ملموسا في كل ساعة. ليس هذا فحسب ، بل جعل ثورة السودان أنموذجاً فريدا بين ثورات عصرنا الحديث.

كاتب هذه السطور فخور بأنه من صلب هذه الأمة. ويحمد الله أنه عاش يبشر بالثورة ما استطاع ليرى جيلاً شاباً يتصدى فيه الفتى والفتاة لرصاص الزنادقة الملتحين دون أن يحملوا من الأسلحة إلا سلاح الوعي والإيمان بالقضية وحب الوطن. وأنعم بها من أسلحة انهارت أمامها ترسانة الإبادة الجماعية لنظام تغرب شمسه كل يوم ، لتشرق شمس الحرية والسلام والعدالة ونحن نحلم ببناء سودان جديد ، سيكون الأرقي والأجمل ، مهما طال انتظارنا له.


لندن في 16/05/2019


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.