فضيلي جماع

لست أدري لماذا كلما مرّت الثورة بمنعطفاتٍ وأعاصير ، استعادت ذاكرتي رائعة شاعرنا الكبير محمد الفيتوري "إبتسمي حتّى تمرَّ الخيل". ربما لأنّ في الشِّعر الجيد والفنِّ الجيد من الإيحاء وجمال الرمز ما يتواءم والتحوّلات الكبرى في حياة الأمم. يقول الفيتوري: هذا مسارُ نجمِهِمْ   يركضُ في الزاويةِ الكبرْى قليلاً..  ثم ينهارُ رماداً !

بعد صمت طال، يفاجئنا الشاعر محمد المكي ابراهيم بمطولته الشعرية الجديدة (سيمدون أيديهم لنقيِّدَها). رفدني بالقصيدة عبر مواقع التواصل ودون تعليق، أكثر من صديق وصديقة. وكأنهم يدفعون لي بالدهشة ويطالبونني بالتفسير. ثم إنني قرأت القصيدة وأعدت قراءتها. ولعلي أعترف بأنّ عنصر الدهشة لم يكن دافعي لكتابة هذه القراءة العاجلة بقدرما كانت 

لم يكن من أولويات كاتب هذا المقال ، أن يطرق موضوعاً لا يخلو من حساسية وفي هذا التوقيت بالذات. فتلك معركة مؤجلة نعرف متى وكيف ندخلها. ما ينبغي أن يشغل بال كل غيور على السودان هذه الأيام هو كيف نعبر بسفين الثورة وسط هذه الأمواج ، إلى برِّ الأمان. فجميعنا - شعباً وحكومة - منوط بنا إنجاز الهدف الذي من أجله قامت الثورة. ثورة 

بإعلان ميلاد الحكومة الإنتقالية في سبتمبر الجاري تكون ثورة ديسمبر السودانية قد دخلت مرحلة بناء الدولة. تلك مرحلة تختلف آلياتها كثيراً عن مرحلة تفجير الثورة، وما استخدم الثوار لقيادة الصراع اليومي فيها من تكتيك. وفي الحالين - ميلاد الثورة وبناء الدولة - فإنّ الوعي هو المفتاح المشترك. يقول الجنرال الفيتنامي فون جياب صاحب خطة معركة 

في التعريف بمحصلتها النهائية عبر التاريخ فإن الثورة واحدة. هي ردة فعل الإنسان العنيفة على الظلم! يدخل في هذا التعريف ما قام به الأنبياء للتبشير برسالاتهم من أجل عالم يسوده العدل والحرية والمساواة. ويدخل في التعريف ذاته مثالاً ثورة العبيد في مستعمرة فرنسية في المحيط الهادي ، حيث قضوا على أسيادهم الفرنسيين واستولوا على مزارع 

قد يتساءل أحدهم : لماذا كل هذا الحرص من أفراد شعبنا على أدق التفاصيل لقيام الحكومة؟ وقد يضيف: لماذا لا نوكل الأمر لرئيس الوزراء الذي جاء بتفويض شعبي – وفقاً للشرعية الثورية – تفويض ربما لا يحلم به رئيس منتخب في مقبل الزمن الديموقراطي الذي نسعى ليكون؟

قال الشاعر والأديب المكسيكي أوكتافيو باث (1914 - 1998) الحائز على جائزة نوبل في الآداب للعام 1990م، قال: (الثورة هي التمرد الذي يتحول إلى نظرية وإلى نسق.) ولعلّ أهم مرحلة تشير إلى أن الثورة على مشارف النجاح، عندما تضحي الثورة ثقافة ومادة للحديث في البيت وفي الشارع. وثورة ديسمبر صارت مادة للأنس والحوار اليومي في