ركن نقاش

الشعب السوداني كيِّس فطن ويشع ذكاء فطرياً حينما جاء "الكيزان" – الحركة الاسلاموية - إلى السلطة بانقلابهم وتمويههم "القصر رئيساً والسجن حبيساً"، ومستغلين (قبل ذلك) مصالحة الصادق للنظام، ودخلوا وتغلغلوا في نظام نميري ماكرين (ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين)، (ومكر أولئك هو يبور)، ويحسبون أنهم يحسنون صنعا، قال هذا الشعب في حقهم مقولتين: "الناس ديل دخلوا الناس الجوامع ودخلوا هم السوق"، "والله الناس ديل الدين دا دققو بيهو"..

الغنوشي قالها ولم يَنْفَطِم من امتطاء الدين:
وشهد شاهد من أهل الاسلامويين يقول الغنوشي في تسجيل فيديو عن مهام الدولة: "نحن لا نعتبر ان من مهمة الدولة ان تفرض الاسلام، ليس من مهمة الدولة ان تفرض أي مقمع على المجتمع، مهمة الدولة ان تحفظ الامن العام، تحفظ العدل، تقدم الخدمات للناس، اما الناس تصلي ما تصليش، تتحجب ما تتحجبش، تسكر ما تسكرش، هذا متروك للناس، الاسلام عرفه رجلان مهمان معاصران في الحركة الاسلامية اللي هما سيد قطب (رحمه الله) وابوالاعلى المودودي، عرفاه بانه ثورة تحريرية شاملة، وفي سورة الاعراف: "يحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم اصرهم والاغلال" ، مهمة النبوة؛ مهمة الرسالة، تحرير بشر من الاستعباد، ومن القهر، ومن ضغوط المال، وضغوط راس المال، وكل ضغوط تحرم الانسان من حريته، ولذلك مسألة الحرية مسألة اساسية (...) لا قيمة لاي سلوك ديني يأتي من طريق اكراه الدولة، ما قيمة حجاب تفرضه الدولة؟، لا قيمة له دينيا، انما الأعمال بالنيات، فاذا كان هذا التحجب لم يصدر من نية تقرب الى الله، وخوف منه، فلا قيمة له وهو نفاق، وكذلك الصلاة وكذلك الزكاة وكذلك الحج، كل عمل لا ينطلق من حرية الانسان، لا قيمة له عند الله (سبحانه وتعالى)، وبالتالي لا قيمة له في هذه الدنيا"، ورغم هذا التقرير الطيب عن مهام الدولة عموماً لم ينفطم الغنوشي عن الرغبة في الحكم عن طريق المطيَّة الدينية، فعمل حزب النهضة في تونس بواجهة دينية، وكان الأولى أن يقدم مذهبيته وبرامجه للتنافس على الحكم، لا الدين!!..
نميري ومطيَّة الشريعة:
واجه نميري في أخريات أيامه في الحكم (80 / 85)، اهتزاز كرسيه بعد اضراب القضاة "80 و83 و85" وتقديم استقالاتهم وشل النظام، فلجأ إلى إعلان الشريعة في سبتمبر 83 بعد أن صاغ له "عوض الجيد والنيل أبوقرون وبدرية سليمان"، قوانين زعموها شرعية، فأعلنها وسط أهازيج من قفل البارات واراقة الخمور وهرسها بالبلدوزرات على شارع النيل معلناً تطبيق الشريعة مع تهليل وتكبير الاسلامويين ومهووسيهم، الذين فوجئوا بمزاعم تطبيق الشريعة فباركوها وساروا على دربها، وأطلق نميري سراح ثلاثة عشر ألف سجين من عتاة مجرمي السرقة والسطو واللصوصية من سجن كوبر، ليكونوا ضحايا تطبيقه الشائه، ومن عجائب الأمور أن التطبيق تزامن مع مرور البلاد بمجاعة طاحنة عمت أرجاء البلاد وتركزت في دارفور وكردفان وجبال النوبة، والمعلوم أن قوانين الحدود (السرقة وقطع الطريق والزنا والقذف والخمر) لا تطبق إلا وفق كفاية معيشية وعدل شامل، وعدم حاجة، فالمعلوم بداهة أن حد السرقة لا يقوم إلا بشروط سرقة المال من الحرز وبلوغ النصاب من غير حاجة، ولا يجوز القطع في المال العام لشبهة أن السارق له نصيب فيه، كما أن الحد لا يطبق على الناهب، وهو الذي يخطف المال المقوم على قارعة الطريق، إذ حاجته مؤكدة، فالنميري طبق الشريعة ليس حباً فيها انما لتثبيت كرسي الحكم الذي كان يترنح آنذاك، والبلاد تمر بضائقة اقتصادية طاحنة تحولت إلى مجاعة..

الاسلامويون يتعجلون: "المكتولة ما بتسمع الصياح"!!
جاء انقلاب البشير مدعوماً من الحركة الاسلاموية (يونيو 89 أبريل 2019)، "ويمكرون"، "ومكر أولئك هو يبور"، وفدى الله الشعب السوداني بمعاناة ثلاثين عاماً من القهر والجوع والمسغبة والجهل والمرض، فخرجت الكنداكات والشفاتة بثورة وعي كاملة غير منقوصة، لم يحدث اجماع للشعب السوداني خلال تاريخه الطويل بمثلما حدث في الثلاثين من يونيو بعد فض الاعتصام بالقوة المفرطة، وإسالة دماء طاهرة مهرها الشهداء والشهيدات بدمائهم الزكية قربانا للانعتاق من نظامٍ قاهرٍ باطشٍ ظالم، ودماء جرحى بالألوف ومفقودين..

الآن الحركة الاسلاموية كتاب مفتوح:
خلال ثلاثين عاماً من عهد الكيزان ظهرت أنانيتهم وحبهم للمال والدنيا والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، والنساء مثنى وثلاث ورباع، وآخرون يفرغون خانة للخامسة، وخانة للسادسة، وكلو – حسب فقههم المشوه – في نطاق الشريعة، ثم بالتمكين حولوا اقتصاد السودان الى جيوبهم الخاصة، حطموا السكة حديد، وباعوا الخطوط البحرية السودانية، وفرتقوا سوانير، وحلوا النقل الميكانيكي صامولا صامولا، وباعوا مواعين النقل النهري، ونهبوا وقتلوا واغتصبوا، ثم دغمسوا شريعة ما أنزل الله بها من سلطان وأسموها تحللاً، فبعد أن تستغل المال المنهوب وتتربح من خلاله حلالاً بلالاً (فان اكتشفت) تتحلل، فتدفع رأس المال، وتبقي على أرباحك ويادار ما دخلك شر، فيا أيها السوانيون كنداكات وشفاتة: "وما استطعتم فاقرأوا هذا الكتاب الأخسرا"!!..

الاسلامويون بين مكرهم الذي هو يبور ومكر الخير:
قلناها مراراً وتكراراً اذا أراد الله بهم بـ (الكيزان) خيراً لما جعلهم يرتكبون اثم الانقلاب العسكري، فقد كانوا ثالث كتلة انتخابية في انتخابات 86 (700.000 صوت) بعد حزب الأمة (1.500.000 صوت) والاتحادي الديمقراطي (1.250.000 صوت)، وكانو يتفوقون على الحزبين التقليديين في "الكيف" رغم تفوق اولئك في "الكم"، ولعلهم اذا استمروا في الحركة الديمقراطية وصبروا دورة أو دورتين، لاعتدل حالهم إما منفردين أو مؤتلفين بقمة محترمة، ذلك أن وجود معارضة تحصي عليهم أنفاسهم كانت ستعصمهم من انزلاقهم وتورطهم الساذج وولوغهم في كل شيئ "ويا دار ما فيكي إلا أنا"!!..

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////////////