(في الرد على ورقة الصادق المهدي المقدمة لمركز الدراسات السودانية - الندوة الفكرية بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين لاستشهاد المفكر السوداني الأستاذ محمود محمد طه تحت عنوان: المسلمون وقضايا العصر: السلام والديمقراطية والاشتراكية (نحو فكر إسلامي مستنير) خلال الفترة 18-20 يناير 2020- الخرطوم - ورقة الإمام الصادق المهدي – قدمها واعتذر عن الحضور بلا ذكر سبب لعدم حضوره)

كتب الصادق المهدي في ورقته المقدمة لمركز الدراسات السودانية: "وقد استدل – يعني الأستاذ محمود محمد طه - بأن الآية (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) كانت حينها منسوخة بآية السيف، مع أنها آية مدنية، ولا إجماع حول نسخها آنذاك..نسخ القرآن المكي للمدني رؤية غير موضوعية وصاحبها يطبقها بصورة غير منطقية"، (مركز الدراسات السودانية - الندوة الفكرية بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين لاستشهاد المفكر السوداني الأستاذ محمود محمد طه تحت عنوان: المسلمون وقضايا العصر: السلام والديمقراطية والاشتراكية (نحو فكر إسلامي مستنير) خلال الفترة 18-20 يناير 2020- الخرطوم - ورقة الإمام الصادق المهدي)..
كتب رشيد الخيون في صحيفة الاتحاد: "فمن المعلوم أن «النسخ» يعني المحو، وبالتالي التعطيل، أي زوال الحكم وإبقاء اللفظ، وقد ورد في أحد أقدم كتب فقه «الناسخ والمنسوخ»، لهبة الله البغدادي (ت 410هـ) نصاً: إن آية "السيف" («فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (التَّوبة: 5): «نسخت من القرآن مائة آية وأربعاً وعشرين آية» (البغدادي، الناسخ والمنسوخ). فمِن المنسوخات بها، على سبيل المثال لا الحصر: «ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ» (فصلت: 34)، و«قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ» (البقرة: 139)، و«لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ»(البقرة: 256). و«وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ في الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ» (يونس: 99)، (http://www.alittihad.ae/wajhatdetails.php?id=93440)

قصة الخلق:
كتب الصادق المهدي في ورقته: "وحول مسألة الخلق في الفكر الجمهوري عدد من الأخطاء: جاء في كتاب الرسالة الثانية التأويل التالي للنفس الواحدة التي خلق منها الناس: (أقسم الله بنفسه حين أقسم بقوى النفس البشرية: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً) وهذه النفس الواحدة التي خلقنا منها إنما هي نفسه تبارك وتعالى)، وواصل الصادق معلقاً: ولكن: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ) ، ليست هي نفس الله بل نفس إنسانية مخلوقة. (وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا) فالرجل هو مذكر الإنسان والمرأة هي مؤنث الإنسان والروح والنفس في كليهما، كذاك الحرية والحياة"..
يقول الدكتور عمر القراي: "إن مقتضى التوحيد هو أن نعرف، ونقر، بأن الله تبارك وتعالى كان ولا شئ معه، وليس لوجوده بداية، ولا نهاية.. قال تعالى من قائل (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ). وكونه تعالى الأول، يعني بالضرورة، أن الشئ الثاني، قد جاء منه. فالبداية كانت وجوده سبحانه وتعالى، ولم يكن بإزائه شئ اسمه العدم، ليخلق منه.. وعلى كل حال، ما دام كلمة (العدم) تعني لا شئ، فالبداهة تقرر انه لا يمكن أن يجيئ شيئ من لاشيئ!! ولقد قال جهلة المشركين أنهم خلقوا من لاشيئ، فنعى عليهم الله ذلك، وقال (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ؟!)، فكما استنكر عليهم ظنهم بانهم خلقوا انفسهم، أستنكر عليهم ظنهم بأنهم خلقوا من لا شيئ!!"
"لقد خلق الله الوجود، كله، وعلى قمته الإنسان، من نفسه.. قال تعالى ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ).. والنفس الواحدة، هي نفسه تبارك وتعالى، ولئن قبل في مجال التفسير القريب، ما قاله المفسرون، من ان النفس الواحدة، هي نفس آدم، فإن هذا، من حيث الحقيقة، لا يستقيم من عدة وجوه. منها أن آدم نفسه من الناس، وهو مخاطب مثلهم، بأن يتقي الله، الذي خلقه من نفس واحدة!! ومنها أن نفس آدم ليست واحدة، لأنه كسائر البشر، منقسم بين ما يظهره للناس، وما يخفيه عنهم، وبين نوازع الخير ونوازع الشر، واما النفس الواحدة فهي نفس الله الواحد الأحد. ومنها ما ذكرناه من أن نفس آدم ما دامت ليست الوجود الأول، فهي لا بد أن تكون قد جاءت من الوجود الأول، وهو ذات الله - نفس الله."
"والخلق إنما تم بالتنزل، فالله تبارك وتعالى أحاط بالوجود علماً قبل ان يوجده، ولما كان سبحانه لا يعلم بجارحة، وإنما يعلم بذاته، فمعنى ذلك أن الذات تنزلت الى مرتبة العلم.. ثم حين أرادت أن تخلق الوجود، تنزلت من العلم الى الإرادة، فخصصت صورة الخلق، وفق إحاطة العلم. ثم تنزلت من الإرادة الى القدرة، فابرزت الوجود، وفق إحاطة العلم وتخصيص الإرادة. ولهذا فإن أصل الأسماء التي تم بها الخلق هي: العالم، المريد، القادر. ولجهل وقيع الله، إستنكر أن تكون نفس الإنسان، قد جاءت من نفس الله، فمن أين جاءت روح الإنسان؟! قال تعالى (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ).. فإذا كانت روح الإنسان من روح الله، فما الذي يمنع ان تكون نفسه من نفس الله؟)، ("الإنتباهة" تستعين بوقيع الله لتشويه الفكر الجمهوري

ضعُف الطالب.. وعزّ المطلوب!! (2-4))..
وحدة الوجود:
يقول الصادق في ورقته عن وحدة الوجود عند الأستاذ محمود محمد طه: "في مضابط الطهوية كذلك دعوة وحدة الوجود. قال – يشير إلى الأستاذ محمود - رداً على متسائل عنها: (التصوف الإسلامي مداره التوحيد. والتوحيد يقول: إن الوجود وحدة لأنه صورة من خالقه الواحد وحدة مطلقة. وإنما التعدد الذي نراه نحن ونظنه أصلاً وهم من أوهام حواسنا القواصر. وكل ما تخلصنا من أوهام الحواس كلما اتضحت أمامنا الوحدة التي تؤلف بين المظاهر المختلفة، حتى أنه إذا اتفق لنا أن ننظر الى الوجود بعين الله لم نر غير هذه الوحدة) هذه المفاهيم التي قالت بها صوفية الاستشراق وفلسفات يونانية باطلة، فالله ذات والإنسان ذات والقربى الروحية واردة بلا مجال لاندماج، كما أن وحدة الوجود تهدم منظومة مكارم الأخلاق"..
القول بالاتحاد بذات الله، أو الحلول فيها، ليس صحيحاً، ولم يقل به الاستاذ محمود محمد طه، بل قال "والذات الإلهية مثلنا الأعلى في هذا التطور، ولكننا لن نكون جزءاً منها، لأنها لا تتجزأ. ولن نذوب فيها، إلا في معنى أننا نذيب نقائصنا في كمالاتها. ولن نتحد معها، لأنها مطلقة ونحن محدودون.. وإنما أمرنا معها أمر المتطور من بداية الكمال الى نهاية الكمال، لكن هذه النهاية مطلقة، فيصبح حظنا من التطور سرمدياً، مستمراً... فليس لكمال البشر نهاية، لأن نهايتهم الله، وليس لله نهاية.. "وأن الى ربك المنتهى" ولا منتهى.. بإيجاز كمال الإنسان أن يكون الله، ولن يكون لأنه ليس لله نهاية فيبلغها ولا صورة فيكونها وإنما كمال الإنسان، في هذا الباب، أن يكون مستمر التكوين – مستمر التطور من النقص الى الكمال" (أسئلة وأجوبة –الكتاب الأول، يناير 1970م ص 10-11).

ويكون الله:
يقول المهدي عن الترقي إلى الله (في فكر الأستاذ محمود): هنالك في الفكر "الطهوي" دعوة رقي الإنسان حتى أن يصير هو الله، ومهما قيل من أن مضابط دعوته تذكر الترقي كعملية لا نهائية، إلا أنها أحياناً أخرى تثبت الوصول. والأهم أنها تفسر كثير من آيات الرجعى الأخروية على أنها تشير إلى تلك الصيرورة الإلهية..وهناك تكرار لأن هذا الترقي للوصول إلى الله أمر حتمي، ويتحدث الأستاذ محمود عن السالك نحو مراقي الإنسان الكامل فيقول: (فهو حين يدخل من مدخل شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله يجاهد ليرقى باتقان تقليد المعصوم الى مرتبة "فاعلم ألا إله إلا الله" (صحة الآية: فاعلم أنه لا إله إلا الله)، ثم يجاهد باتقان هذا التقليد حتى يرقى بشهادة التوحيد الى مرتبة يتخلى فيها عن الشهادة ولا يرى إلا أن الشاهد هو المشهود. ويطالع بقوله تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) . وعندئذ يقف على الأعتاب ويخاطب كفاحا بغير حجاب: (قُلِ اللَّه! ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ) . وقل هنا تعني"كن"، وههنا مقام الشرائع الفردية). إن تأويل آيات الرجعى لله الأخروية بترقي الفرد إلى: كن الله، تأويل لا ينهض به دليل عقلي ولا إيماني..

الكينونة بلا نهاية سرمداً:
ورغم أن الصادق المهدي يذكر استدراكاً على كلام الأستاذ محمود ينفي فيه الوصول إلى نقطة النهاية: يقول المهدي: "ومهما قيل من أن مضابط دعوته تذكر الترقي كعملية لا نهائية"، ولكنه يتراجع عن شهادته ليقول: "إلا أنها أحياناً أخرى تثبت الوصول"، ولا نجد لانزعاج المهدي مبرراً كأنما هناك تناقض، والحقيقة لا تناقض بين الموقفين بل اتساق، ذلك أن تقييد الكمالات الالهية في الحركة نحو معرفة الذات الالهية هو معيشة لها في اللحم والدم بمعرفتها (وهذا هو التكليف الأساسي للانسان: "وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون" إلا لـ"يعرفون"، لأن العبادة وسيلة للمعرفة: "وأقم الصلاة لذكري")، والدليل على ذلك هو موقف النبي (عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم) في معراجه، فبعد قوله تعالى في معرض شرح ذلك المشهد: "ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى مازاغ البصر وما طغى" والرؤية في حالتيها هي رؤية يقينية لله فماذا كان تعبير القرآن عنها: "لقد رأى من آيات ربه الكبرى"، وآياته ليست غيره إذ "هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيئ عليم"، وهنا موضع الاتساق ولا تناقض، وقول الأستاذ في هذا الموضع "...ويكون الله وليس لله صورة فيكونها ولا نهاية فيبلغها وانما يكون حظه من ذلك أن يكون مستمر التكوين"، والحقيقة أن سير الانسان نحو ربه لا يحده الأبد إذ الأبد زمن له بداية وله نهاية، ولكنه سير في السرمد في الزمن اللانهائي: "ولا يحيطون بشيئ من علمه إلا بما شاء"، وهو يشاء بمحض فضله..

تعليق:
بعد الافاضة في الشرح أن الكينونة (أن يكون الانسان الله) تكمن في تقييد الكمالات الالهية اللامتناهية لتكون ميراثاً للانسان المتناهي، وليس هناك نقطة نهاية نحو السير لله، نحو المطلق، والمطلق لا يقيد، فليس هناك حلول ولا اتحاد، ووحدة الوجود عند الأستاذ محمود تعني في ما تعني وحدة الوجود الحادث في مقابل وحدة الوجود اللامتناهي، قال الصادق: "مشروع أن نقول: في كل شيء له آية تدل على أنه واحد"، وغير مشروع أن نقول: "في كل شيء له آية تدل على أنه عينه"، وهو قول لا يحتاج الى رد من جانبنا، فلا أحد قال أن الذات الحادثة المحدودة، هي عين الذات القديمة المطلقة!!..

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////////////