ركن نقاش

* في الفترة من القرن العشرين الماضي "67 الى 71 " كنت في قاهرة المعز للدراسة، كان دخلي عبارةعن 12.3 جنيهات بتحويل عشرة جنيهات سودانية من السودان، وسبعة جنيهات من السفارة السودانبة، والمجموع تسعة عشر جنيها وشوية وشويات من العملة المصرية، وكنا نسكن منها ونلبس ونركب المواصلات بها وناكل بها ونشتري مراجعنا منها، وكانت شقة فول وشقة طعمية بي قرشين، وشامي فول وشامي طعمية بي تلاتا قروش، وكانت البريزة عشرة قروش والريال (كان مهر امي ـ يرحمها الله ـ ريال مصري ) عشرون قرشاً، والزبدة بي قرشين ومعاها عسل اسود بقرش صاغ، وعسل ومعاهو طحينة بتلاتا صاغ، وتعلمنا من المصريين افطار الصباح الباكر، يليه الشاي بالحليب، في السعودية اذا قلت داير شاي باللبن ضحكو عليك لانو اللبن عندهم هو الروب، الحد الادنى للعملة المصرية الآن هي الخمسة وعشرين قرشاً، بعد ان ذهب مبكياً عليه القرش الصاغ والخمسة قروش والبريزة والريال، والحد الادنى ما زالت له قوة شرائية اذ من الممكن ان تشتري به بنبونة وكبريتة، ولله في خلقه شؤون!!..

* برعت مصر في زمن عبد الناصر والسادات في طباعة كتب التراث، وروايات الهلال والقصص العالمي لاجاثا كريستي وتولستوي وغيرهم من مشاهير الكتاب، واذكر انني قرات موسم الهجرة الى الشمال لاديبنا الفذ الطيب صالح ضمن مطبوعات دار الهلال، ثم كانت دار الشعب المصرية ترفد المكتبة بأمهات الكتب في ملازم اسبوعية رخيصة الثمن ومنها اقتنيت صحيح البخاري، واحياء علوم الدين للغزالي، ودائرة المعارف الاسلامية لكتاب غربيين، ويندر ان تخرج الشارع ولا تجد مطبوعاً جديداً يجبرك على شرائه طرافته وتميزه وقلة سعره، وكانت الساحة مليئة بالصحف والمجلات مثل الاهرام والاخبار وروز اليوسف وصباح الخير واخر ساعة، وكانت السينمات نهارية وليلية وشاهدت فيها امهات الافلام العالمية مثل "انهم يقتلون الجياد"، و"حمى ليلة السبت" للفيس برسلي، والمسارح على قفا من يشيل وشاهدت فيها مسرحية "مين قتل مين" لانيس منصور، ودار الاوبرا والروائع، وقرأت ايامها لانيس منصور "وداعاً ايها الملل"، واكاد قرأت ابداعات نجيب محفوظ كالثلاثية واولاد حارتنا..
* المواصلات كانت برخص التراب والكمساري يحمل خشبة عليها مختلف التذاكر ويؤشر لك عليها حسب مكان نزولك ووراهو طوالي يأتي مفتش التذاكر ويا ويلك لو تذكرتك "فشنك"، كانت الاسعار في المواصلات تتراوح بين قرش صاغ وتلاتا قروش، وكانت الباصات تحمل ارقاما تشير لخط سيرها مثل تلات سبعات، وتلات سبعات بشرطة، وتلات سبعات بشرطتين، الى ام المصريين، وكان التروللي باص بعجلات، لكنه يسير بالكهرباء، واحياناً يطيح التروللي من الكهرباء فيتوقف، حتى يعاد توصيله بالكهرباء مرة اخرى..
* فطنت مصر منذ وقت مبكر الى احلال بعض الصناعات داخلها فتعاقدت مع شركة الفيات الايطالية باحلال صناعتها داخل مصر وكان التعاقد باعتبار 70% مستورد من المنشأ و30% يصنع محليا وكانت تنتج عربات نصر صالون بعدة موديلات وباصات نصر واوقفت الاستيراد وافلحت قي ذلك حتى أصبحت صناعة السيارات بنسبة 100% صناعة مصرية وتعددت مكاسبها من تدريب الايدي العاملة المصرية الى حماية الميزان التجاري ليرمي في كفة صالح البلاد، وكنت لا ترى طوال السنوات المذكورة في عقد الستينات وبداية السبعينات من القرن العشرين الماضي اي عربة مستوردة صوالين أو باصات، أما اليوم في العشرية الثانية من القرن الحادي والعشرين فقد فتح الباب على مصراعيه للمستورد من الصوالين والحافلات والبكاسي وعربات النقل الضخمة وظهرت صوالين "الاوبر" الفخمة وهي عربات اجرة حديثة تختلف عن عربات التاكسي المصري ابو عداد، تقابلها عندنا في السودان عربات "ترحال" الحديثة، وصوالين "الأوبر" آمنة لانها تدار عن طريق شبكة اتصالات اليكترونية بعلم الادارة وسائق "الاوبر" وطالب خدمات "لاوبر"، ويسأل طالب الخدمة عن جودتها كما من حقه ابداء ملاحظاته في حالة رداءة الخدمة لأي سبب من الأسباب، وقد قاوم سائقو التاكسي اختطاف خدمات "الاوبر" لزبائنهم وتمت التسوية من المسؤولين حتى لا يضار طرف من اطراف خدمات المواطنين!..
* هل نسيت مصر الاشتراكية واتجهت بكليتها نحو التطور الرأسمالي؟، سألت أحد سائقي الاوبر: "فين الاشتراكية ياعم؟"، فاجابني بلا تردد: "نحن دلوكيت طبقتين طبقة فوق بتملك كل شيئ وطبقة تحت يادوبك بتلاحق قوت يومها، upstairs / downstairs"، ومع طعم المرارة التي ابداها سائق الاوبر فان مصر فيها حركة عمران لا تخطئها العين المحايدة، كما ان الانتاج السلعي "على قفا من يشيل"، وايضا من الملاحظ ارتفاع في حركة الاسعار فقد ارتفع سعر "شقة فول وشقة ظعمية" من قرشين بين عامي 67 و71 الى خمسة جنيهات "بنات حقرة" بأسعار اليوم مايو 2018، اضافة الى ارتفاع أسعار مقابلة الاطباء التي تجاوزت احيانا مبلغ 400 جنيه لمقابلة الاختصاصي، كما ارتفعت أسعار خدمات التحاليل الطبية، والعمليات الجراحية، والأدوية، وليس لي علم بوجود خدمات تأمين صحي تكفل جميع المواطنين أم لا، ومن جانب آخر هناك عناية فائقة وتقديم خدمات مجانية لسرطانات الاطفال في مستشفيات خاصة بهم!!..
* عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.