ركن نقاش

 

 

* مصر التي في خاطري ـ عند الكثيرين ـ هي (كما عند أهلها) أم الدنيا وفي قول آخر "أم الآخرة"، جئتها طالباً في العام 1967 وجئتها مستشفياً، ومتفقداً أحد أبنائي، الذي لاذ بها، قاطناً، ومساكناً، وعاملاً فيها (من خلال الحريات الأربعة)، جئتها قبل فترة في الأسبوع الأخير من مارس 2018 (بفرقة بين زمانين تبلغ بحساب الزمن 51 عاماً تخللتها زيارات خاطفة)، والفرقة شاسعة بمقياسين اثنين: وسائل النقل المتمثلة في الحنطور والتروللي بص والترماج وباصات نصر الفيات وصوالين نصر مختلفة الموديلات من الصناعة المحلية في الزمان السابق، مقارنة مع مترو الانفاق وصوالين العالم أجمع والتكتكات وغيرها قي حاضر الزمان، والمقياس الآخر: المتمثل في العمران والتوسع فيه بأبعاد مدن السادس من أكتوبر جنوب الثاهرة والعاشر من رمضان شمال القاهرة، وسألت أحد سائقي الأوبر (وسيلة مواصلات حديثة ربحية): مصر اشتراكية واللا رأسمالية؟، فأجابني بسرعة: نحن الآن طبقتان (upstairs & dounstairs)..

بدء الاهتمام بالبيئة
* بدأ الاحتفال بيوم الأرض في عام 1970 بوصفه حركة شعبية، خلقت نوعا من التأييد الدولي لإنشاء وكالة لحماية البيئة باسم (EPA) ، وساهمت هذه الحركة في إقرار قانون "الحق في الهواء النظيف" وقانون "تحسين نوعية المياه" وقانون "الأنواع المهددة بالانقراض" والعديد من القوانين البيئية الأخرى، واقترح فكرة يوم الأرض السيناتور "جايلورد نيلسون" من ولاية ويسكونسن الأمريكية، بعدما رأى الأضرار التي سببها التسرب النفطي الهائل في سانتا باربرا بولاية كاليفورنيا عام 1969، وتمكن ومعه مجموعة مكونة من 85 موظفا، من حشد 20 مليون شخص في جميع أنحاء الولايات المتحدة يوم 20 أبريل عام 1970، وقامت الجامعات بعمل احتجاجات، وتجمع الكثير من الناس في الأماكن العامة، للحديث عن البيئة وإيجاد وسائل للدفاع عن كوكب الأرض. وضمت الحركة وقتها المجموعات التي كانت تحارب ضد مخاطر تسرب النفط وتلوث المصانع ومحطات الكهرباء ومحطات الصرف الصحي والنفايات السامة والمبيدات الحشرية والطرق السريعة وفقدان الغابات وانقراض الحياة البرية، حيث أدركوا أنهم جميعا يعملون من أجل قيم مشتركة، وفقا لشبكة "يوم الأرض"، التي أسسها المنظمون لعقد المؤتمرات والفعاليات العالمية لتعزيز حماية البيئة، وهي تعمل على مدار السنة. )المصدر: لايف ساينس(..

ضوضاء المدن
* أصبحت الضوضاء السمة الرئيسية للمدن، والتزاحم هو المسئول الأول عن ذلك، ويعتبر معظم سكان المدن أن الضوضاء الزائدة تحتل المرتبة الثانية مباشرةً بعد تلوث المياه بين القضايا البيئية التي تحظي باهتمامهم. وأظهرت دراسة قامت بها إدارة الإسكان والتنمية الحضرية في الولايات المتحدة الأمريكية أن سكان المدن في أغلب الأحوال اعتبروا أن الضوضاء هي أسوأ صفة لمنطقة السكن، كما تم تحديد الضوضاء والجريمة هما أكبر عاملين ضمن العوامل التي تؤدي إلى رغبة الناس في الانتقال إلى جزء آخر من المدينة. ولذلك الضوضاء في المدن مشكلة دائمة ومزمنة.

قياس الضوضاء ومستوياته
* يمكن قياس الضوضاء بطرق فيزيائية يُعبّر عنها بالديسيبل أو الفون، فمثلاً يُقدّر كلام الفرد العادي من 50 إلى 60 ديسبيل، والضوضاء الناجمة عن بوق مثلاً تساوي 100 ديسيبل. وقد تصل حركة الأجسام وحفيف الملابس إلى 20 ديسيبل. ولكن الضوضاء التي تزيد شدتها عن 30 فوناً تسبب اضطرابات نفسية، والضوضاء التي تبلغ ما بين 60 و90 فوناً تسبب متاعب نفسية وعصبية وعيوباً في درجة السمع. أما الضوضاء التي تزيد عن 120 فوناً فتؤثر تأثيراً مباشراً على خلايا الكتلة العصبية داخل الأذن.

القاهرة والتلوث الضوضائي
* في دراسة أجرتها وزارة الصحة المصريةعام 1988 في القاهرة وضواحيها، تم قياس الضوضاء طوال فترات الأيام المتعاقبة (8 ساعات لكل يوم) بمنطقة وسط البلد المكتظة بالسكان والمحال التجارية، ثبت تراوح شدة الضوضاء بين 58 ديسيبل بالمناطق السكنية الهادئة، و73.5 ديسيبل بالمناطق السكنية المزدحمة مساءً، وفي وسط المدينة تراوحت بين 64.5 و69.2 ديسيبل.

القاهرة 1967
* دخلناها طلاباً في أكتوبر 1947 وجئناها وفي أذهاننا جنة الأرض، ومن باب الحديد (رمسيس) رأساً إلى شارع "quala" بباب اللوق، ولم أنم في تلك الليلة للضجيج المنبعث من هذا الشارع، إذ فيه كل من هبَّ ودبَّ من التروللي بص، إلى الترماج، إلى الباصات، إلى الكاروهات والموترسايكلات مختلطة بأصوات الباعة الجائلين في حركة لا تهدأ ليلاً حتى تبدأ صباحاً، ومن "ديك" اصطحبنا جدول تقويم التاريخ لنحسب تاريخ العودة إلى جنة الهدوء في بورت سودانا الحبيبة ولسان حالنا يقول: "فمتى يا دهر عودتنا إلى الثغر؟"..

القاهرة أبريل مايو 2018
* وكما يقال "العرجا لي مراحا"، دلفت قبل فترة إلى القاهرة مستشفياً هذه المرة، فاذا بها "قد اكتنزت لحماً وقد طبّقت شحماااا"، قاهرة 1967 كانت نهاراً خمسة ملايين نسمة وليلاً أربعة ملايين "بَسْ"، إذ يدخلها "فجراً بدري" مليون تاجر وباضع وجالب، ويخرجون آيبين تائبين حاملين ما حصلوا عليه من تجارتهم وقد ازدادوا كيل بعير من حيث أتوا، لم يكن في قاهرة يوم ذاك من الملاكي سوى صالونات نصر (الفيات) بموديلاتها المختلفة، قاهرة اليوم في 2018 اتسعت شمالا وجنوباً إلى السادس من أكتوبر والعاشر من رمضان، وحملت في جوفها – حسب معلومات بعض قاطنيها من سائقي الأوبرات، أنواع مضافة حديثاً من صوالين الأجرة، التي أثارت حنق وتزمر سائقي التاكسيات أبو عدادات – ما يقارب الثلاثين مليوناً من الأناسي مصريين في الغالب الأعم وسودانيين فارين من جحيم خرطومهم إلى جنة مصر أم الدنيا، وأجناس "تانية من سوريا وعراق وليبيا ويمن" مستجيرين بقاهرة المعز لدين الله الفاطمي!..

مدينة 6 أكتوبر
* اخترت سكنى مدينة السادس من أكتوبر (حوالي 40 كيلومتراً جنوب الجيزة)، لقربها من عمل أحد أبنائي الذي اختارها دار هجرة واقامة وعمل وفق الحريات الأربعة رافضاً بشدة العودة إلى سودانا الـ "الله يكون في عونو"، وكما يقال "الجديد شديد" حيث امتازت السادس من أكتوبر باتساع شوارعها، وقلة تلوثها من عوادم العربات ولكنها لم تسلم من الضجيج العالي وقد اعتدت اغلاق شبابيك الزجاج لمنع التلوث الضوضائي من الوصول الى أذني، ومع ذلك تصلني أصوات "تكتكات" تعلن عن وجودها بـ "ساوند سيستم" بضجيج لا يعلم به إلا خالقنا، وموترسايكلات تضج عوادمها بأصوات متفجرة نتيجة رفع سرعة الحركة، وتفجيرات لألعاب نارية من الأطفال، وياويلنا إذا اضطررنا الى فتح ما أغلق من زجاج طلباً لضوء الشمس، وهو ما يميز مدينة السادس من أكتوبر، شروقاً وذهاباً الى المغيب..

فيل الضوضاء جاب ليهو فيلة
* في يوم الأربعاء 16 مايو، اليوم السابق لغرة رمضان، حلقت فوق رؤوسنا في فضاء مدينة السادس من أكتوبر، طائرات لم تكن معتادة، وأحدثت فرقعات تقرب من كسر حاجز الصوت، لعلها تكون احتفالاً وإعلاناً بحلول الشهر الفضيل، ولكنها فاقمت من الضوضاء ووسعته، وذكرتني بقصة "الفيل دايرليهو فيلة يا مولانا"!!..

دعاء
* كان الله في عون مصر شعباً وحكومة لتخطي الحاجز ومزاوجة التقدم المادي بالتقدم الروحي في سلم الأخلاق (كانت مصر رائدة في الترتيب لالغاء المناهج الدينية العتيقة التي تفرق بين المواطنين بسبب العقيدة واجترحت منهجاً يعتمد على الأخلاق والقيم والمواطنة كبوتقة توحد بين مواطنيها والترتيبات جارية لتهيئة المجتمع لقبول نجاعة الفكرة الجديدة لرتق النسيج الاجتماعي) الذي هو مطمحنا جميعاً في العالم أجمع، وكسر الحاجز والمزاوجة بين النظام الديمقراطي والنظام الاشتراكي والوصول إلى محطة العدالة الاجتماعية..

* عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.