(اللجنة المركزية/ نوفمبر 1971م)

الملابسات التي أحاطت بانقلاب 22 يوليو, ثم الانتصار الكامل للردة, جعلت كل الدوائر الرجعية تنطلق من زوايا مختلفة ومتعددة في دعايتها, ولكنها توحدت جميعاً في مواضيع أساسية نتناول أهمها:
1/ تحركوا بسرعة لإخفاء الحقائق حول مذبحة بيت الضيافة التي تمت على يد دبابات وقوات انقلاب 22 يوليو الذي استهدف في البداية القضاء على 19 يوليو, وقيادة وضباط السلطة القديمة لينفرد هو بالسلطة. ولهذا كانت قواته تقصف بيت الضيافة والقصر الجمهوري والقيادة العامة بنفس الكثافة للنيران. ليس هذا وحسب بل ان الذين نجوا من الموت في بيت الضيافة هم الذين لهم ارتباط سابق بانقلاب 19 يوليو "25 مايو" ولم يقف الأمر عند هذا الحد, بل أحضروا جثث بعض القتلى من خارج البيت وأضافوها لجثث الضباط..

الخط الدعائي للردة والثورة المضادة
والى أن ننشر كل المعلومات التي لدينا "بشأن ما حدث في بيت الضيافة – مقدم العرض" نحدد هنا الحقائق التالية:
-الحزب الشيوعي السوداني لا علاقة له بما تم في بيت الضيافة لا بطريق مباشر أو غير مباشر.
-قادة 19 يوليو لم يصدروا أمراً بقتل المعتقلين بدليل أنهم قضوا أربعة أيام في الاعتقال ووجدوا العناية المعقولة. ولو كان هناك أمر بالقتل لصدر ضد أعضاء مجلس الثورة أولاً.
-إن الدبابات المهاجمة للبيت استخدمت مدفعيتها الثقيلة وأحدثت قذائفها فجوات كبيرة وواضحة على جدران البيت, وتظهر آثار شظايا القذائف على جثث الضباط القتلى مما يكذب الإدعاء القائل بأنهم قتلوا بالمسدسات والرشاشات.
-لم تثبت في المحكمة الاتهامات الموجهة ضد الشهيد الحردلو وزميله بأنهما قتلا الضباط, كما لم تثبت التهمة ضد الشهيد الجندي/ أحمد ابراهيم الذي قدمته السلطة بعد ثلاثة اسابيع. هذا بالاضافة الى أن الأمر كله لم يخضع للتحقيق الذي تتطلبه العدالة أو القوانين العسكرية.
-ذكر بعض الضباط الذين استجوبتهم الاذاعة انهم لا يستطيعون تحديد الجهة التي انطلق منها الرصاص, هل من جانب المهاجمين للبيت أم المكلفين بحراسته كما ذكر أحد الجنود أنهم اقتحموا أبواب البيت بالرشاشات وفتحوها عنوة.
ان استغلال حادث بيت الضيافة, وإثارة المشاعر بموكب الدفن, يؤكد أن الأمر كله نسخة أخرى من حادث معهد المعلمين العالي عام 1965م لإثارة موجة العداء للشيوعية لتبرير التصفية الدموية والبدنية للحزب الشيوعي والحركة الثورية.
واستخدمت السلطة موضوع بيت الضيافة لتغطية إبادتها لمائتي جندي دون محاكمة وهم عزل من السلاح, وللتستر على الذين ارتكبوا الجريمة وتبرير مجازرها والاعدامات الوحشية.. وحشية انتقام البرجوازي الصغير عندما تمس سلطته أو ملكيته.

ضد الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية
2/ فجروا حملة مسعورة ضد الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية. نلحظ هنا أن السلطة لم تبدأ هذه الحملة إلا في اليوم الرابع وبعد أن بدأت حملة التضامن تأخذ شكلاً جماهيرياً واعلامياً كبيراً ضد حمامات الدم وكان النميري قد نفى في المؤتمر الصحفي الذي عقده يوم 24 أي صلة للسوفيات بالأحداث. وركز على العراق وعلى الأكاذيب حول أن بريطانيا كانت لها صلة.. الخ. وكرد للحملة العالمية التي أجبرتهم على وقف الاعدامات.. اختلقوا الأباطيل حول التدخل السوفياتي وساروا بالأمر حتى النهاية ليقنعوا الدوائر الرأسمالية والاستعمارية أنهم تخلوا نهائياً عن كلماتهم المعسولة التي قالوها من قبل عن علاقتهم بالاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية. ولحسوا كل تصريحاتهم التي تروجها لهم عناصر الانقسام بمناسبة وغير مناسبة للتعاون مع السلطة لعزل الحزب الشيوعي السوداني عن الحركة الشيوعية العالمية.

الدعاية والاعلام الكاذب
3/ استغلوا أجهزة الدعاية والاعلام لتهويل كذبة أن الشعب سحق الشيوعيين, وان الشعب اشترك مع قوات انقلاب 22 يوليو لإعادة "سلطة نميري" وهذا إدعاء كاذب تشهد على كذبه جماهير العاصمة وشوارعها. أكبر ما استطاعوا أن ينظموه بعد الانتكاسة كان موكب 14 اغسطس والذي حشدوا له من الريف ومن أماكن أخرى بواسطة العناصر التي ظلت تحشد من أيام عبود, ولم يتعد نشاط شراذم صبية الكتائب التي نظموها في الشوارع ازعاج حركة المرور والمواطنين مما اضطرهم لسحبها بعد اليوم الخامس 29 يوليو.
4/ صوروا حملتهم أنها ضد الشيوعيين – أعضاء الحزب الشيوعي فقط – ولكن نظرة سريعة للتكوين السياسي والفكري للمعتقلات والسجون تؤكد أن الحملة ضد القوى التقدمية بكل تكويناتها وقياداتها, فالعداء للشيوعية كسياسة ومنهج لا يقف عند الشيوعيين, انه عداء لكل حركة التقدم. وهذه الحجة السطحية التي ساقوها لم تخدع أحداً, انها اشبه بحجة الانقسامي عمر مصطفى الذي كتب في الصحافة بعد 12 فبراير أن بيان النميري لا يشمل كل الشيوعيين أليس كذلك؟ وهذا هو المعنى الحقيقي لبيانهم الذي اذاعوه من الاذاعة باسم محسي واخوانه وتصريحات ابوعيسى عن حقاق الوضع والحملة الجائرة ضد السلطة الثورية.
5/ ألقت السلطة كل فشلها على الشيوعيين وراحت تدعي أن الأخطاء التي ارتكبتها كانت بسبب الشيوعيين وهذا طبيعي بعد أن أصبحت السلطة في يد قوى الردة والثورة المضادة. ولسوء حظ السلطة أن الحزب استطاع وخاصة بعد 16 نوفمبر أن يوضح موقفه من كل القضايا ومن السلطة نفسها وعجزها وأخطائها وأكاذيبها. ولسوء حظها أيضاً أن موقف الانتهازيين المنقسمين كشف الموقف الحقيقي للحزب الشيوعي من سياسة السلطة في كل ميدان كما كان انقلاب 16 نوفمبر نهاية لأي مستوى من التحالف أو التعاون بين السلطة والحزب.
وعرفت جماهير شعبنا عداء السلطة لبقاء الحزب المستقل منذ الأسابيع الأولى بعد الانقلاب. ومن لجان الدفاع عن الثورة والحديث عن الوصاية والثورة للجميع والمخربين واعتقال الشهيد عبدالخالق محجوب وغيرها, فالسلطة لها خطها الذي بدأت به منذ 25 مايو لتصفية الحزب الشيوعي السوداني ولكن مقاومة الحزب ونفوذه وعمق واتساع الحركة الديمقرطية جعلتها تفشل وتتعطل كثيراً في تحقيق هدفها ولم تنجح فيه إلا بعد انتصار الثورة المضادة نجاحاً جزئياً ستدفع ثمنه غالياً وسيدفعه النظام المصري الذي يقف خلفها ويغذيها بتجربته وخطه في العداء للشيوعية دعاية أو عملاً وتنفيذاً.

في مواجهة قوى العداء للشيوعية
فما حدث ذلك اليوم ليس انقلاباً مضاداً من الناحية العسكرية وحسب وليس عودة ميكانيكية للسلطة القديمة, انه ردة يمينية دامية شاملة في مسار الثورة السودانية وليس انفعالاً ورد فعل مؤقت محصور في أيامه تلك أو تجاوز لا معنى له كما تصوره مقالات هيكل. وبدون ادراك هذه الحقيقة حول النظام والسلطة سيركب حركتنا الشعبية الغموض والتشتت والضياع ولن تتمكن الحركة الثورية من ادراك الوضع الحقيقي لأعدائها ومدى المشاق والمتاعب التي يجب أن تهييء لها نفسها وهي تستعيد قواها لتواصل نضالها.
تسللت الردة من الثغرات ونواحي الضعف في حركة 19 يوليو بشقيها العسكري والشعبي ولكن القوى الاجتماعية والسياسية التي حركت الردة تم تجمعه حولها وما زالت تعافر لتجد مكانها في اطارها وفي مستويات السلطة المتعددة هي قوى العداء للشيوعية والتقدم والديمقراطية والثورة الاجتماعية. وهي قوى اجتماعية ذات مصالح طبقية محددة المعالم داخل السودان وخارجه ومعروفة لدينا منذ فجر الاستقلال ومن تحركاتها بعد 25 مايو وفي خطاب ابوعنجة وخطاب 12 فبراير, واحتفالات ابريل, نعرف هذه القوى ومصالحها التي يخدمها نظام الردة كما نعي تناقضاتها الصغيرة معه التي تتجاهلها الآن كيما تخدم مصالحها بصورة أحسن.
ونعرف دور شريحة القوميين العرب الناصريين وحجمهم الحقيقي والطفيليات التي لصقت بهم من حثالات من كانوا بالأمس في الحركة الديمقراطية والتقدمية, وندرك الدور الذي لعبته مصر ولا تزال وهي تخشى على وجودها ونفوذها في السودان, فينادي هيكل بأن لا يتم القضاء على الحركة التقدمية كلها أو يعطل دورها خوفاً من اليمين المتربص. أي سخرية ولعب على العقول.

النظام المصري دبر انقلاب مايو
ان النظام المصري يدرك جيداً ضعف الانقلاب الذي دبره في السودان بواسطة القوميين العرب في مايو 1969م وكان يدرك أن النظام يعتمد على سند الشيوعيين والحركة الديمقراطية الأمينة على شعارات الكفاح المشترك والوحدة والثورة العربية كجزء من شعارات الثورة الاجتماعية في السودان. وعندما توهم أن سلطة الانقلاب قد قويت وأراد أن يفرض الاتحاد الثلاثي دفع الأحداث لانقلاب 16 نوفمبر ومحاربة الحزب الشيوعي. وكان ذلك فتح الباب للقوى اليمينية التي يخشاها هيكل اليوم. ثم تآمر النظام المصري وأخمد 19 يوليو التي طرحت برامج واضحة في العلاقة بمصر والثورة العربية برنامجاً كفيلاً بغسل السموم التي فتكت بالعلاقات السودانية العربية كلها.
وظن المصريون أنهم استعادوا سلطتهم على أشلاء عبدالخالق والشفيع وجوزيف الذين قامت هيئة الدفاع عن الوطن العربي على أكتافهم وقامت حركة التضامن مع مصر في عدوان 1956م ثم أزمة حلايب وفي كل المعارك بقيادتهم وجهودهم. وقادوا الحركة الشعبية في هذا الاتجاه وكانوا خلف مواكب استقبال ناصر ومحاصرة مؤتمر القمة بالخرطوم واستطاعوا أن يشلوا تحركات الرجعية في السودان وأجبروها على ارسال قوات للجبهة وفتح مطارات السودان للطيران العربي بعد تحطيم المطارات المصرية وغير ذلك كثيراً. فليشرب النظام المصري من الكأس التي جرع بها السم الزعاف للحركة الشيوعية والتقدمية في السودان. ولتنقذه هذه المرة فلول "وحدة وادي النيل" وليحتفظ الحكم المصري لنفسه بخدعة التشفع للشفيع. فالشفيع ورفاقه يشفع لهم تاريخهم وحزبهم الذي بنوه والحركة النقابية والشعبية العملاقة التي لن يلوي عنقها الأقزام, لقد أرسى عبدالخالق والشفيع وجوزيف مبدأ حماية ظهر مصر كواجب ثابت أمام الحركة الثورية والحزب الشيوعي, ولكن أصبح على الحركة الثورية في السودان أن تحمي ظهرها من الخطر الوافد من الشمال, والاسراع في حركته وانقضاضه. وهكذا يضاف لحركتنا الثورية عبء جديد لن تنوء تحته, وستعيد الطبقة العاملة المصرية وقواها التقدمية لشعار الكفاح المشترك اعتباره وتعود به لجذوره التي نبتت في قلب الحركة الشيوعية والديمقراطية المصرية في الأربعينيات.

22 يوليو لمصلحة الاستعمار الحديث
ان الردة والثورة المضادة هي لمصلحة التطور الرأسمالي وسيطرة الاستعمار الحديث والتخلف والتبعية.. وخلقت ظروفاً قاسية وعقبات أمام النضال الثوري للحركة الشعبية لم تعهده من قبل, وجردتها من كل أدوات نضالها الممثلة في التنظيمات الديمقراطية, وحرمتها من أي مساحة للحركة كانت تتمتع بها بالقدر المحدود من الحريات الديمقراطية التي ظلت تقاوم للمحافظة عليها.
نظام الردة وما يتمتع به من وسائل وقدرات للقمع والارهاب يستخدم أيضاً الدعاية السياسية التي تخلق التشويش رغم افلاسه التام في هذا الميدان. يستعين بكل من ارتدوا عن الشيوعية.
واصل النظام جهوده في خلق مجموعة تنفيذية من التكوقراطيين ذوي الاتجاهات اليمينية المحافظة أو التي ظلت عاطلة في الميدان السياسي, ويوسع من فئة الانتهازية الجديدة في الحركة العمالية من المنتفعين ببعض الامتيازات المادية أو التمثيل في مجلس أو لجنة.
ورغم التحالف اليميني الذي آلت اليه السلطة فالنظام برمته معزول فاقد القدرة على الإلهام.. والنظم العربية التي تسنده تعاني هي نفسها أزمة ثقة واحترام في السودان وتعاني من مشاكلها في مواجهة تحرير الأرض المحتلة, وحل مشاكل شعوبها الداخلية. وانعزال النظام عن القوى التقدمية في العالم والتي ما عاد بإمكانه خداعها.
ونواصل عرض دورة اللجنة المركزية يوليو 1972م
للتواصل والمشاركة في هذا التوثيق الجماعي:
موبايل : 0126667742 واتساب : 0117333006
بريد إلكتروني : عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.