‏درست المرحلة الثانوية في مدرسة بورسودان ورغم إن عدد من الأصدقاء وعدد من اساتذتي كانوا ينتمون للحزب الشيوعي إلا إنني كنت في مرحلة القراءة المكثفة والإطلاع الحروالإنكباب على المقررات المدرسية والتفوق فيها. كنت أسمع عن الشهيد عبد الخالق وأذكر أنه عقد ذات مرة ليلة سياسية في أواخر الستينات حضرتها ولكن لا أتذكر هذه المشاعر الأن. ألتحقت بجامعة الخرطوم في عام 1969م وكان أسم الشهيد لامعاً ويتردد كثيراً. بعد يوليو 1971 جاءت المطاردات والمحاكم والشنق وانتابتني في تلك الأيام الاحساس ببشاعة ما ارتكبه نظام مايو، وربما كان هذا من دوافعي للإلتحاق بالحزب الشيوعي تقريبا في 1972م. 

‏‏كان عبد الخالق في تلك السنوات ايقونة للشجاعة والفكر وكان أسمه الاكثر وروداً في بيانات ومقالات ومطبوعات الحزب الشيوعي بكثافة وفي كل الاهازيج والاشعار. في تلك السنوات كان جل اهتمام الحزب وبالتالي اهتمامي اسهاماته الفكرية السياسية، وكنت مهتماً بوثائق إصلاح الخطأ ومداولات المؤتمر وغيرها وكان ذلك تركيز وثائق الحرب وتحليلاته. وظل عبد الخالق موجوداً في أوساط الحزب يتم الاستشهاد به بكثافة والشعور باعزازه وسط من عرفوه وقد عرفت الكثيرون منهم.
طوال وجودي في الحزب الشيوعي لم أكن قد عثرت على عبد الخالق محجوب الحقيقي الذي سأكتب عنه اليوم، ولم اعثر عليه حقيقة في المجال الفكري الذي بحثت فيه إلا بعد جهد كبير بعد حوالي الاربعون عاماً. عام ٢٠١٠م بدأت في بحث مفاهيم الرؤية السودانية وممثليها اذا وجدت ومكوناتها وغيرها، عندما بدأت البحث عن الرؤى التي تتعلق بتطور السودان طوال أكثر من مائة عام كان عبد الخالق موجوداً فيها وبل في أكمل صورها. كنت بعد عقود طويلة من إختراق أسمه لسمعي والعمل في البيت الذي بناه لمدة ربع قرن قد عثرت عليه. أستمر هذا البحث حوالي الثلاث أعوام حتى صدور الرؤية السودانية في كتابين عام 2013م. أخترت عبد الخالق كأحد الذين لديهم مشروع رؤية وطنية لبناء السودان أو على الأقل ملامحها العامة.
في كتابي الأول عن الرؤية السودانية "إنتاج الفشل: أين نحن الأن" اخترت شخصيات كحاملي رؤية في تاريخنا منذ اكثر من 145 عاماً. كان أولهم الإمام المهدي الذي وضع اللبنات الأولى للوطنية السودانية؛ ثم علي عبد اللطيف وعبيد حاج الأمين الذين طرحا مفهوم "الأمة السودانية" عام 1924م وبعد حوالي القرن تقريباً عام 2019م إخترت عنوان الكتاب الرابع من سلسلة التنوع في السودان بأسم "إستكمال بناء الأمة وإصلاح الدولة"؛ ثالثهما الإمام الصديق عبد الرحمن المهدي والذي قال في خطبة صلاة العيد عام 1960م " "قيام حكم ديمقراطي منبثق من مبادئ الإسلام والواقع السوداني مستمد من تجارب الماضي... تنظيم الإقتصاد السوداني علي أساس خطة واقعية تضمن تطوير قطاعاته العامة والتعاونية والخاصة بعيدا عن السيطرة الأجنبية... وتصبح سيادته في بلاده حقيقة واقعية؛ وضع خطة واعية للتطوير الإجتماعي بشكل خاص على المناطق الأكثر تخلفاً.... انتهاج سياسة خارجية مستمدة معالمها من مصلحتنا الوطنية المرتكزة على مناهضة الاستعمار في صوره المختلفة." طرحت الثورات العربية مباديء الإسلام في مقابل الشريعة الإسلامية الإخوانية التي أرادت قوى الإسلام السياسي فرضه علينا. رابعهما عبد الخالق محجوب والأخير جون قرنق وأطروحته السودان الجديد.
‏ حول البرنامج
في قضية الرؤية هناك ثلاثة أسئلة لابد من الإجابة عليها الأول أين نحن الان؟ والثاني إلى أين نريد الذهاب؟ والثالث كيف نفعل ذلك؟ سأل عبد الخالق محجوب الاسئلة الثلاثة أسئلة خلال عمره القصير. الإطار العام لهذا العمل الكبير بدأه في "آفاق جديدة" وهو كتاب صغير الحجم كتبه في الخمسينات، لكن السوال الأول أين نحن الأن كان نتاجه كتاب "الماركسية وقضايا الثورة السودانية" وهو كتاب كرس لمحاولة قراءة الواقع السوداني كما هو؛ الكتاب الكتاب الثالث "حول البرنامج" كان اجابة عن إلى اين وكيف.
من المهم ملاحظة أن الكتاب يتحدث عن حول البرنامج وليس البرنامج ورغم أنه كان ليقدم في المؤتمر الخامس، إلا أن المعنى كان تقديم تصور شامل حول رؤية الحزب الشيوعي لبناء الدولة. في ذلك الوقت لم يكن مفهوم الرؤية قد عُرف أو صنف أو راج استعماله. لكن هذا العمل الصغير المركز كان مشروع رؤية وطنية سودانية، والأول من نوعه في تأريخنا.
حدد الشهيد المرحلة سابقاً في الماركسية وقضايا الثورة السودانية بمرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية ( والتي لازلنا بفضل النخبة السودانية الفاشلة نتمرغ فيها). ومن المدهش أن في وثيقة من 76 صفحة لم يذكر "الاشتراكية" إلا في أخر صفحة وتحت عنوان ملحوظة. لقد كرس عبدالخالق الوثيقة لبناء شاهق لاجتياز المرحلة الوطنية الديمقراطية عبر رؤية شاملة. وجدت في هذا الكتيب الصغير خلاصة عصارة تجارب الشهيد وقدرته الخلاقة والفائقة للنظر عبر أستار المستقبل ووجدت أنني عثرت على عبد الخالق ليس الزعيم السياسي فقط لكن المفكر الرؤيوي الذي لم نره من قبل.

رؤية حول البرنامج
من محبسه بمصنع الذخيرة في الشجرة بمدينة الخرطوم عام 1971 أنجز عبد الخالق وثيقته القيمة التي اشتهرت في أدبيات الحزب الشيوعي السوداني ب (حول البرنامج) ، التي كان من المفترض تقديمها للمؤتمر الخامس، فكانت برغم صغر حجمها، أسطع رؤية إستراتيجية للحزب الشيوعي السوداني في تأريخه، والأخيرة في مساره الطويل منذ منتصف الأربعينات، عالج فيها الكثير من القضايا التي تتعلق بمستقبل التنمية من منظورها الرؤيوي (الثورة الإقتصادية، توفير الفائض في الزراعة، الصناعة الرأسمالية، التوزيع والخدمات واحتل هذا الجزء نصف حجم الوثيقة)، والثقافة (محو الأمية وتغيير المناهج).
حول القوى المنفذة لمرحلة مهام الثورة الوطنية الديمقراطية أشار إلى إن الحزب الواحد - بما في ذلك الحزب الشيوعي - لا يصلح أداة للتحالفات المطلوبة لإنجاز مهام المرحلة الديمقراطية، ولكن من الذين سينفذون؟. هم التحالف السياسي والتنظيمي بين الطبقة العاملة، جماهير المزارعين، المثقفين الثوريين، الرأسمالية الوطنية والجنود والضباط الثوريين، أي الحزب ودوائر تأثيره.
الجديد الذي قدمته الوثيقة في أنها نظرت لتطور السودان كسلسلة متتابعة من السياسات والقرارات والاجراءات المتصلة بعضها البعض وفق منهج عام وإطار نظري يحقق تطلعات الشعب خاصة فقراءه. وجاءت رؤية الشهيد موافقة لتعريف الرؤية " وصف وصياغة للمستقبل الذي نتطلع إلى تحقيقه ونتفوق بها على الأوضاع السائدة. فهي صورة ذهنية لما ينتظرنا في نهاية طريق لم نسلكه من قبل، وهذه الرؤية تصبغ الأوضاع المستقبلية في نهاية هذا الطريق من مكونات وعناصر هذه الصورة. وهي الغراء الذي يربط الناس معا في قضية مشتركة. إن ربط أهداف كل فرد في كثير من الأحيان مع أهداف المنظمة الغرض منه الحاجة إلى بذل جهد جماعي منسق لإخضاع المصلحة الفردية إلى الهدف الأكبر، الذي يمكن تحقيقه فقط من خلال الجهد الجماعي".

الفرصة الضائعة
عقب المصالحة 1977 حدث نهوض عظيم في الحركة المطلبية والنقابية، تصدت له السلطة بفصل النشطاء من الأحزاب المشاركة للصالح العام، وطال معظمها اليسار، وتم اعتقال أغلب كوادر الحزب الشيوعي، وحدث ركود شديد في العمل الوطني، وأدت هذه إلى الموجة الثانية من الهجرة وسط اليسار بعد الموجة الأولى عقب 19 يوليو 1971.
في بداية الثمانينات تلاقى فيما يسمى المديرية بسجن كوبر، حوالي الثمانون معتقلاً من الأكاديميين، الإقتصاديين، القادة النقابيين، المثقفين، الفنانين والسياسين وغيرهم من ألمع العقول السودانية آنذاك، وكانت ظروف السجن في سنوات الثمانينات جيدة من توفر أجهزة التلفزيون، الراديو، الصحف، الزيارات الأسبوعية المنتظمة، إمكانية إدخال أنواع الأكل وكافة انواع الكتب، ولم يكن ينقصهم سوى الحرية وتوفر لديهم وقت طويل يمر ببطء شديد.
قرر الرفاق المعتقلين آنذاك أن يبدأوا عملاً لم يشترك فيه معظمهم من قبل، فأغلبهم كانت الوثائق والسياسات الحزبية التي تحوي مواقف الحزب تصله جاهزة، فقرروا تطوير"وثيقة حول البرنامج"، فتوزع المعتقلون على لجان عديدة لتغطي كافة محاور الكتاب من سياسة، إقتصاد، زراعة، رعي، صناعة، الخدمات العامة من تعليم وصحة وغيرها، الثقافة..الخ.
وكان أسلوب العمل أن تناقش اللجان المحور المعين، تطلب مراجع إضافية من الخارج، وتعيد وتزيد في النقاش على مستوى اللجنة، ثم على المستوى القيادي والعام، وقد عملت اللجان في وقت بلا حدود لمدة عام ونصف، بعدها جمعت كل المساهمات في دفتر كبير أخرجه الفنانون في شكل راق وملحقين أحدهما عن مشروع الجزيرة، والثاني عن التعليم، ثم تم تسليم العمل إلى قيادة الحزب في المعتقل. للأسف لم يظهر هذا العمل في الساحة السياسية أو الفكرية بعدها (رواية شفوية من الاستاذ محمد عثمان مكى العجيل نهار السبت 23.2.2013 فى كافتيريا مركز عبد الكريم ميرغنى، امدرمان. كان الاستاذ محمد عثمان ضمن المعتقلين بقسم المديرية/كوبر وقد ظل بالمعتقل فى كوبر وشالا حتى اندلاع الانتفاضة.

أخيراً
لقد إستطاع الشهيد صياغة رؤية واضحة، إذا مزجتها برؤية الامام الصديق عبد الرحمن المهدي تصلح لأن تكون مرتكزاً واساساً لبناء أي منهج ينظر لمستقبل السودان عبر الرؤية والتي أصبحت هي صورة البرنامج في عهدها الجديد. لقد قدم الهنود نقداً مركزاً لاعتماد الدول الطامحة للخروج من المرحلة الوطنية الديمقراطية على البرامج الخمسية والثلاثية أو غيرها وفشلها في أن تكون منصة للنهوض الاقتصادي الاجتماعي الشامل. لقد هجر الهنود البرامج الخمسية التي استمرت لأكثر من اربع عقود في عام 2000م واتجهوا لبناء رؤية شاملة كان نتيجتها أن اخرجت 350 مليون من 400 مليون من الفقر وجعلت الهند مركزا للبرامج عالميا وتصدر لنا الرز البسمتي وأصبحت من الدول في مجموعة الاقتصادات ال 20 العالمية. هذا ما تركه لنا الشهيد بوضوح في وثيقته حول البرنامج.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.