عرف قاموس اكسفورد الأنجليزي النخبة بأنها اقوى صفوة اوعلية القوم من الناس في المجتمع فى نشاط او تنظيم معين. اما القواميس الفرنسية فعرفتها بأنها: تضم اشخاصاً وجماعات تشارك في صياغة تاريخ جماعة ما، بواسطة القوة التي يمتلكونها، او التاثير الذي يمارسونه، سواءً كان ذلك عن طريق اتخاذ القرارات، او الافكار التي يتخذونها شعارا لهم. وقد جاء في (لسان العرب) لابن منظور، في تعريفه للنخبة أنة خيارهم. وعرفت دائرة المعارف العالمية لعلوم الاجتماع: النخبة أنه تصور يستعمل لوصف المعالم الأساسية للحياة الاجتماعية المنظمة. ففى كل المجتمعات سواء كانت بسيطة او شديدة التعقيد، صناعية وزراعية تتطلب سلطة، وتتطلب من يتحدث باسمها.

النخبة مفهوم حديث أرتبط بتطوّر علم الاجتماع السياسي، ونظريّاته الحديثة. وبالتاكيد، فأن هناك اختلافاً بادياً، في تعريفات النخبة، ودورها ووظائفها السياسيّة والاجتماعيّة، نظراً لطبيعة المدارس واتجاهاتها، واختلاف النظم السياسيّة ومرجعيّاتها الفكريّة. وبغض النظر عن الاختلافات الصريحة، في تعريف النخبة، ودورها، في الحياة العامّة؛ فأن هناك شبه اتفاق، بين الدارسين، على كون النخبة، هي الأقلية المنتخبة او المنتقاة من مجموعة اجتماعية (مجتمع او دولة او طائفة دينية او حزب سياسي) تمارس نفوذاً غالباً في تلك المجموعة عادة بفضل مواهبها الفعلية او الخاصة المفترضة.

النخبة السياسية في نظم الدول النامية لا تقتصر علي شاغلي المناصب الرسمية العليا، بل تضم أيضاً ما عداهم من أفراد يملكون ركائز أخرى للتأثير السياسي، وهؤلاء الأفراد - خاصة من المقربين المباشرين للقائد - يشكلون أكثر عناصر النخبة تأثيراً ونفوذاً، أي أنهم يمثلون العنصر الغالب في"الدائرة الضيقة" المحيطة بالقائد. ويلاحظ أيضاً في هذه النظم أن النخبة السياسية عادة ما تتصف بالانقسام والتنافس والصراع بين أعضائها نتيجة للجوء القائد إلي تطبيق سياسة الصراع المتوازن (فرق تسد) في التعامل مع النخبة، وتؤدي هذه السياسة إلي صعوبة استمرار تأثير ووجود عناصر النخبة في ظل اتجاه القائد بشكل مستمر إلي أبعاد أو تقريب وتصعيد كل من هذه العناصر لمنعها من تكوين ركائز للتأثير السياسي مستقلة عن شخصه.

الطبقة الوسطى
كانت الطبقة الوسطى أداة التغيير الأساسية فى أوروبا، ابتدءا من القرن السادس عشر حتى أواخر القرن التاسع عشر ضد التسلطية الملكية والعلاقات الإقطاعية العتيقة، بما فى ذلك رفض هيمنة الكنيسة، بل وقفت على رأس الثورات الأوربية الكبرى التى وضعت البشرية على أعتاب مرحلة تاريخية جديدة فانتصرت لينتهى الأمر فيهما إلى سيادة الديمقراطية الليبرالية. ومن هنا ذهبت الكثير من الأدبيات السياسية لاعتبار أن وجود طبقة وسطى قوية ومستقلة عن الدولة مؤشر مهم على قرب التحول الديمقراطى، كما أن وجودها ضمانة مهمة لتحول الديمقراطية الناشئة إلى ديمقراطية راسخة.
تحولت الطبقة الوسطى إلى هدف للطبقة الدنيا التى تتكون من الفلاحين والعمال، وأصبح التعليم هو الأداة الرئيسية للانتقال بين الطبقتين. كما قدمت الطبقة الوسطى قيماً مختلفة عما كان سائداً من قبل. وعلى رأس هذه القيم، قيمتان: أولاً: قيمة العلم ودوره فى إطلاق طاقات الفرد والمجتمع، وثانياً: قيمة الحرية، أى حرية الاعتقاد والتعبير والتعاقد والتملك والربح والتنافس بعيداً عن أى تدخل من أية سلطة، وإذا كان لابد من سلطة فلتكن فى أضيق حدود وبحرفية شديدة تجعل الدول حامية لأمن الجميع وحقوقهم وليست منحازة لأى طبقة من الطبقات الثلاث.20
التطور المشوة الذى كان السمة الأساسية فى كافة البلدان النامية أدى إلى التوسع المتوازى فى كلتا المنطقتين، فبينما ازداد الاغنياء غنى وتمددت أحيائهم، إزداد عدد العشوائيات وكبر حيزها المكانى وتاثيرها الاجتماعى. ورغم ذلك فأن الطبقة الوسطى شهدت اتساعاً فى حجمها العددى كما اعلن المعهد العربي للتخطيط في أصدارته في مايو 2011 من سلسلة جسر التنمية بعنوان الطبقة الوسطى في الدول العربية، الذي اعدّه الدكتور علي عبد القادر علي، أن حجم هذه الطبقة لم يضمر مع الزمن، كما لم ينخفض مستوى معيشتها، خلافاً للأنطباع السائد في هذا االشأن. أن الطبقة الوسطى في الدول العربية تُشكل غالبية السكان وبقيت ثابتة منذ منتصف تسعينات القرن العشرين .
افرزت أنظمة ما بعد الاستقلال تحكم شرائح الطبقة الوسطى او ما يسمى البرجوازية الصغيرة، من خريجى المدارس والجامعات المدنية والعسكرية على مقاليد الحكم وبناء الدولة الحديثة. من خلال هذة الأنظمة بدأ نشوء الرأسمالية المحلية المتحالفة والمتداخلة مع الرأسمالية العالمية. ولأسباب عديدة بعضها تاريخية واخرى بنيوية وثالثة ناتجاً عن العولمة جرى الأنتقال إلى اقتصادات منفتحة وخاصة تبلورت فيها راسمالية غير أنتاجية اطلق علي الجزء الاكبر منه أحيانا الرأسمالية الكمبرادورية (تعمل فى العقارات، التوكيلات التجارية والخدمات والمصارف) او الاسم الاكثر شيوعاً الرأسمالية الطفيلية.
الرأسمالية الطفيلية تعتبر مفاهيم التنمية والتطوير المتوازن هراءاً وقيوداً وتشغيل العمالة لديها تعنى أقل الاعداد واستغلالها للحد الاقصى، البيئة مكان لضخ الملوثات، واعادة تدوير الارباح تعنى حسابات سويسرا والمضاربة بالعملة ورفع أسعار الاراضى. وهكذا تحولت المدن الكبرى وغالبا العواصم مستقراً لاغلب الصناعات الخفيفة والخدمات والمنتجعات والمساكن الفاخرة والمولات، وحولت الاراضى الزراعية إلى مناطق سكنية، وهجرت الزراعة من السلع الإستراتيجية إلى اللبن والبيض والزهور، وتحول صغار الموظفين والعمال وصغار المزارعين إلى معدمين تراكموا فى المناطق العشوائية فى أحزمة حول المدن

القادة في السياق السياسي السوداني
أرتبط بروز القادة في السياقات السودانية بفعل ثلاث عوامل متداخلة مباشرة. السياق الاول وهو التعليم، والثاني المنظومة الدينية التراثية والثالث المنظومة الاسرية، العشائرية والقبلية. طوال عقود كان تكوين القادة يبدأ من المدارس والجامعات حيث ينتظم الطلاب في اتحاداتهم ويمارسون النشاطات اللاصفية. كانت هذه مواقع تدريبية مهمة في العمل العام وفرز القادة المستقبليين في مختلف المجالات. بعد تخرجهم لابد لأي فرد من الانتظام في نقابة اواتحاد وكانت بدورها مصانعاً للقادة.
أبناء الفقراء والطبقة الوسطى الذين فتحت أمامهم فرص التعليم فى كافة المجالات فى مرحلة راسمالية الدولة وتوفر وتوسع التعليم المجانى وأحيانا المدعوم، أدت لتوسع قاعدة هذة الشريحة وأتيح لها العمل فى المجال الحكومى المسيطر والصناعات الثقيلة والمتوسطة. وفى العقود الثلاثة الاخيرة ساهمت هجرة كثير من هذة الفئات إلى الدول العربية النفطية إلى مزيد من اتساعها، لكن فى نفس الوقت ساهمت التشوهات الهيكلية فى النمو الاقتصادى إلى تهاوى كثير منهم إلى درك الفقر والبطالة. وساهم خروج الدولة من توفير الرعاية الصحية والتعليم والمواصلات والتحكم فى الاسعار إلى مزيد من البؤس.
لعبت المؤسسات الحديثة: المدارس، أماكن العمل المأجور، وسائل المواصلات والاتصالات، أجهزة الامن، القضاء، الاحزاب ومؤسسات المجتمع المدني كالنقابات والجمعيات ومراكز الدراسات..الخ- والتى تولت كافة المهام التى كانت توفرها القبيلة لافرادها، دوراً كبيراً في صناعة القادة.
مع الدخول المبكر للطوائف الدينية في شئون الحكم من السلطنات وقبلها، إلى إنشاء الاحزاب السياسية المرتبطة بها، أصبح الانتماء الطائفي منصة لبروز قيادات سياسية واجتماعية. التكوين القبلي الفاعل في المجتمعات السودانية، وبإرتباطها بالطوائف الدينية ومنظماتها السياسية كانت المورد الثالث لبروز القادة. ورغم إضمحلال القبيلة تحت عجلات التقدم فقد ظلت الثقافة القبلية سائدة فى السلوك فى الابوية، الاقصاء، الدوام حتى الموت والتراتبية.
مع ضمور دور المدارس والجامعات في تكوين وتدريب القيادات، تجريد المنظمات المهنية، النقابات والاتحادات من دورها وتمييع دورها، تضاءلت فرص بروز قادة في كافة المجالات. أثر التدهور العام في التعليم والتنمية منذ نهاية الستينات في تجمد البناء القيادي وأنحصاره في المنظومة الدينية التراثية والمنظومة الاسرية، العشائرية والقبلية، بتبوأ القيادات الطائفية للاحزاب السياسية ومعهم ابناء القبائل والعشائر، واستمرار القيادات القديمة في مواقعها. مع الانقاذ برزت قيادات جديدة: إحداهما القادة المنبثقين من التنظيمات الإسلامية والاخر المرتبطين بالسلطة عن طريق الاحلال والاستبدال القسري "التمكين".
أخيراً، برزت قيادات جديدة في الميادين والساحات، التقت فى شوارع المدن العربية جميعها وشكلت كتلاً مليونية واعتصمت فى الشوارع، بالوان فى غالبها الحمراء والبيضاء والسوداء وخلقت عالمها الاعلامى، والثقافى، واللغوى والشعورى فى مواجهة السلطة باعلامها وصحفها، وشرطتها، وأمنها المركزى، كتائب أمنها واخيراً الجيش. القوى التى خرجت إلى الشوارع والميادين هى سليلة الطبقة الوسطى التى جردت من كافة قواها الحية من الاحزاب ووسائل التعبير وحوصرت فى رزقها وقمعت طموحاتها، فلم تجد سوى الأنفجار وحمل احلامها فى حياة كريمة وتوزيع عادل وشفاف للثروة.
الذين تقاطروا على الشوارع والميادين شباب فى أغلبهم لم ينتموا لاحزاب بشكل متواصل، وجيوشهم تتكون من الذين يعانون البطالة والمحبطين سياسياً واجتماعياً، والذين اغلقت فى وجوههم النوافذ إلى المستقبل. ولأنهم أبناء المرحلة العالمية الحالية فقد حددوا اهدافهم بوضوح فى رحيل الأنظمة وتفكيكها بالكامل واجتثاث الفساد وتغيير الأنظمة إلى ما استقر فى القاموس اليومى وفى الحوارات السياسية فى ارجاء الكون وحوتة الوثائق العالمية للمنظمات والجمعيات العالمية من قبيل الدستور الديمقراطى، حكم القانون، حرية التعبير والتنظيم والاعلام واستقلال القضاء

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.