عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

فالذي حفزني اليوم إلى هذا التدخل بالكتابة مجددا عن نذالة الإسلاميين السودانيين هو الخبر قبل يومين عن أن إحدى محاكم السلطة القضائية الفاسدة ستفصل في قضية مرفوعة من جهاز الأمن ضد الأستاذ خالد التيجاني النور، رئيس تحرير صحيفة إيلاف، لنشرها مقال الأستاذ عوض محمد الحسن بعنوان "من هم ومن أين أتوا ... ولماذا؟"، أي الإسلاميون أصحاب نظام الإنقاذ، كما ورد في مقال عوض في 13 ديسمبر 2017، وهو المقال الذي نشرته أيضا سودانايل، والمتاح في الأنترنيت.

فلنترك جانبا هذه المسرحية المكررة التي يلعبها جهاز الأمن لتصنيع شخصيات مثل الأستاذ خالد التيجاني النور، وآخرين داخل السودان وخارجه، واستعراضهم كمعارضين للنظام، بينما الأستاذ خالد إسلامي من غلاة المدافعين المنافحين عن نظام الإنقاذ، أحيانا بقدر من التذاكي المنقوص لا يخفى على أحد، وله تاريخ في الجهاد لترسيخ ذات هذا حكم الإسلاميين الدموي البغيض، وهو من المستفيدين من هذا النظام بسبب انتمائه الحزبي، ويظل النظام يستخدمه لخدع المعارضين وشراء ضعاف النفوس منهم لتغيير مواقفهم السياسية ضد الإنقاذ إلى المصالحة (مؤتمر نيروبي ليس ببعيد).

إن المقصود الحقيقي بقضية جهاز الأمن هو عوض محمد الحسن، الأستاذ العظيم، الدبلوماسي المُعلِّم، المواطن العالَمي، والحامل هم السودان مدى الحياة.
فلننظر إذن في مقال الأستاذ عوض موضوع القضية أمام المحكمة الفاسدة (فاسدة حتي يثبت العكس، بسبب أن الفساد هو الثقافة السائدة في قضاء الإسلاميين).

لقد مر نصف عام تقريبا منذ أن نشر الأستاذ عوض ذلك مقاله القوي، ترجيعا لصدى مقال الطيب صالح "من أين جاء هؤلاء؟".

فكتبتُ يومها في الحال مسودة مقال طويل من ثلاثين صفحة أثني فيه على مقال عوض، وأبين حيثيات موضوعه، وأستطرد في أمور الإسلامية وجرائمها وفسادها، لكني لم أكمل المقال ولم أنشره.

...
أما وقد وصل اليوم أمر ذات المقال إلى المحكمة، قررت أن أنشر مقدمة ذلك مقالي بتعديلات، على أمل نشر بقية المقال عن مقاربة تفصيلية لذات موضوع "المسلم، والإسلامية، والإسلام" الذي كنت تناولته من قبل.

والذي أراه هو أن الأستاذ عوض حين كان قارب الإجابة الصحيحة عن تسآله الثلاثي (من هم ومن أين جاؤوا ولماذا؟)، ازْوَرَّ عن الإفصاح عن الإجابة التي يعرفها، وتجنب الإقدام لملاقاتها أو الاشتباك معها، واكتفى بإنهاء مقاله بالسؤال ذاته الذي كان بدأ به، "ولماذا؟".

ومع ذلك، كنت قرأت، كما لابد قرأ جهاز الأمن، وكما سيقرأ قاضي المحكمة الفاسدة، بين السطور، وتحت العبارات في المقال، أن عوض أراد أن يقول إن السبب في تدمير الإسلاميين للسودان هو "الإسلام"، مستخدما عوضٌ لذلك إيحاءات غامضة أن المسؤول هو الله شخصيا.

ولم يفصح عوض عن هذا المعنى الدفين في نص مقاله، لأسباب لابد متعلقة بالحساسية إزاء المسألة الدينية العقدية، وبتقدير منه عن لزوم عدم جرح مشاعر المسلم العادي، ذلك الذي يحب الله.


ماذا كتب عوض؟
فلنقرأ لغة الأستاذ عوض التي قدمها لطرح التسآل ومقاربته مظان الإجابة عنه:
ركز الأستاذ عوض الضوء على سؤالٍ ثان كان ورد في مقال الطيب صالح الأصل العنوانه (من أين جاء هؤلاء؟)، عن الإسلاميين أهل الإنقاذ، وهو: "لماذا يعملون على إعماره وكأنهم مسخرون لخرابه؟".

فرفَض عوضٌ العبارةَ الأصلية المخفَّفة في السؤال الأصلي، "وكأنهم مُسخَّرون لخرابه"، واستعاض عنها بتأكيد القول: بَلْ "هم مسخَّرون لخرابه"!

...
جميعنا، ومعنا جهاز الأمن، وقاضي المحكمة الفاسدة (فاسدة دائما حتى يثبت العكس)، ندرك أن المُسخِّر، كالفاعِل، لا يمكن أن يكون هنا إلا ربّ العالمين شخصيا، الله. فهذا هو المعنى الذي لمَّح إليه الأستاذ عوض، في غيبياته اللحظية الماكرة.

لكن الذي أراه مثار غضب الإسلاميين وأدواتهم في جهاز الأمن والقضائية الفاسدة هو أن لغة عوض عن "هم مسخرون لخرابه" تقودنا إلى "الإسلام"، خاصة وأن الإسلاميين أصحاب الإنقاذ هم موضوع مقال عوض. وأقرأ إن الإشارة الغامضة من عوض إلى الله تعني "الإسلام".

ذلك لأن عوض مضى يستخدم في مقاله لغةً من القاموس الديني الإسلامي، حين كتب: "لديَّ قناعة متزايدة أن هذا النظام "مُرَسّلٌ، مُسَخّرٌ، "مَكْرِيٌّ" لخراب السودان". والدلالة واضحة.

كذلك واصل عوض القول إن "جهة ما"، هكذا دون إفصاح عن هويتها المعروفة، "أرسلته [هذا النظام] وطلبت منه تدمير السودان بحيث لا تقوم للسودان قائمة أبد الدهر".

فلو كانت الجهة المسخِّرةُ، التي سخَّرت الإسلاميين أصحاب الإنقاذ لدمار السودان، هي أمريكا التي ينبطح الإسلاميون بين رجليها، لكان عوض ذكرها باسمها.

وكذا لكان ذكرها إذا هي كانت محمد بن سلمان بريالاته التي طالما سالت لها ريالة الإسلاميين السودانيين المرتزقة، ومنهم الجاسوس الإسلامي طه، أو إذا هي كانت شيوخ الإمارات المتنطعين هان السودان فأصبحوا هم من يقرر بشأن توجهه، أو حتى لو كانت الجهة هي إسرائيل التي يرتعب منها الإسلاميون وقد أذاقتهم الويل دون أن يجرؤوا على مجرد الشكوى.

لكن عوض لم يحدد جهة معروفة كدولة خارجية. بل كتب أنه "لا يبق، إذن، سوى احتمال أنهم [الإسلاميون] ينفِّذون تكليفا من جهة ما أرسلتهم وتركت لهم غنائم "غزوتهم" على السودان." واستمر عوض في الشرح بأنه لا يوجد تفسير آخر لهذا "الدمار المُمنهج المستمر".

وكتب عوض أن قناعته بهذا التفسير ظلت تترسخ كلما استعرض "بعض قرارات وإجراءات النظام منذ اليوم الأول وحتى كتابة هذه السطور".

وقال عوض إن قرارات وإجراءات الإسلاميين "في مجملها ... لا هدف لها ... إلا التدمير الممنهج للركائز الأساسية التي تقوم عليها الأمم والدول والمجتمعات".
...

ثم قدم عوض أمثلة لأفعال نظام الإنقاذ، على النحو التالي، الذي سيكون موضوع الإثبات في المحكمة إن كانت هنالك محكمة:
(أحيانا أتذكر قصص كتب المطالعة الأولية (المترجمة جلّها من هانز كريستيان أندرسون)، خاصة قصة ذلك الملك "فايداس" الذي ما مَس شيئا إلا أحاله ذهبا خالصا: مالهم كل ما مسّوا شيئا أحالوه رمادا؟ زراعة السودان، وصناعته، وخدمته المدنية، وقواته المسلحة ،وتعليمه، وعلاقاته الخارجية ،وسمعته، و"طويل التيلة"، والأخلاق؟
(أحيانا أخرى، حين أرى "زلعتهم" ونهمهم وعجلتهم وهمتهم في الفساد والدمار، وفي أكل السحت والمال العام من أفواه اليتامى والأرامل والمساكين، ونسف مستقبل البلد واستقرارها، وإفقارها، وبيع أراضيها ومشروعاتها الكبرى، ومواردها، ومقدراتها، يخيّل لي أننا سنصبح ذات يوم ولا نجدهم بيننا: جمعوا ما تبقى من السودان، وما خُف وزنه وغلي ثمنه، ورحلوا خلسة إلى بلاد أخرى لهم فيها منافع وضيع ومكتنزات.

(والحق يقال، لماذا يبقون في بلاد تهوي بسرعة فائقة نحو مصير مظلم تحت ثقل الغبن، وتهتك نسيجها الاجتماعي، وسلامها الأهلي، ووحدتها الوطنية، وسيادتها على أراضيها وسمعتها، وانتشار السلاح والعنف المصاحب له، وانفراط الأمن، وإفلاس رأس المال الاجتماعي، والتردي الاقتصادي، والديون المليارية لمن لا يرحم.

(تصرفاتهم وسياساتهم وتصريحاتهم لا تشبه من يريد بلادا معقولة يحكمها، مهما كانت دوافعه وأيديولوجيته. ما بالهم يُقدِمون على كل ما فيه إضرار ودمار البلاد والعباد؟ ألا يريدون أن يحكموا السودان لحين ظهور المسيح الدجال، كما زعموا؟ لماذا إذن لا يحسنوا قليلا حتى تبرد آذانهم من دعوات الناس عليهم ليلا ونهارا، وهي دعوات مظاليم؟)

...
فبسبب هذا النص القوي أعلاه من مقال عوض، كانت قضية جهاز الأمن المصطنعة مرفوعة تحت المادة عن "نشر الأخبار الكاذبة" قصد "الانتقاص من هيبة الدولة"، وتجنب جهاز الأمن في دعواه موضوع الإسلام والإسلاميين سبب الأفعال المذكورة.

...
ثم أنهى الأستاذ عوض مقاله على النحو التالي:
" السؤال الآن هو: ما هي تلك الجهة التي أرسلت النظام لهدم بنيان السودان؟ وما هي غبينتها الدفينة التي لا تقنع، فيما يبدو، بما أصابنا حتى الآن؟" انتهى.
هكذا كان انتهى المقال، دون أن يقدم عوض إجابة واضحة صريحة عن تسآله عن السبب، "ولماذا؟"، ودون تحديده هوية "تلك الجهة".


المُسخِّر المُرسِّل المُكرِي المُؤاجِر
وليت عوض كان قالها صريحة، وإن كان فعل لكانت هذ القضية المصطنعة في المحكمة ستكون أكثر إثارة، بتهمة من نوع أنه "سب الشريعة"! (قالت المحامية الفاسدة إيمان المك، ربيبة المحامي الفاسد علي أحمد السيد، للقاضي الفاسد أحمد الطيب عمر في محكمة العامة للأحوال الشخصية بالديوم الشرقية إن "عشاري سب الشريعة" –قضية نفيسة ضد عشاري). فالنصوص تتحشَّر.
وكما أسلفت، قدم عوض في مقاله إشارات خافتة وقوية إلى أن الله، شخصيا، يقف وراء تدمير السودان بواسطة أصحاب الإنقاذ.

ونعلم أن الله يُنظر إليه في المخيال الشعبي السوداني على أنه الوحيد المُسخِّر المُرسِّل المُكرِي المُؤاجِر، وهي لغة عوض عن "الجهة" المسؤولة في نهاية الأمر، فكل الأمور يقال إن مردها إلى الله.

لكن رد عوض الأمر إلى الله، كالمسخِّر الوحيد، لم يكن ليعني شيئا، إلا إذا ربطنا هذا الله بـ "الإسلام"، وبالإسلامية، العقيدة السياسة الفاسدة المعتمدة من قبل الإسلاميين لصناعة الفساد وحمايته بالإجرام.

...
وفي سياق المقال والمعطيات عن السودان ونظام الإنقاذ، لا يمكن التهرب من المعنى الوحيد الذي قصده عوض، أن "السبب" في كارثة السودان متمثل في "الإسلام" و"الإسلامية". والسياق هو الذي يبين هذه القراءة الصحيحة لدلالة المقال. وهو الذي يلغي غيبيات عوض عن التسخير والإرسال، ويبين المقاصد وراء غمز عوض عن "جهة ما" لا يمكنه البوح باسمها، حتى لا يثير حساسيات المؤمنين.

وبقراءتي، لا توجد غيبيات هنا لتحديد هوية السبب المادي، كالكيان الأساس وراء نذالة الإسلاميين وهم يدمرون السودان وقدراته.

فالسبب يظل هو كيان "الإسلامية"، من حيث هي البرنامج البيروقراطي العقلاني للإسلاميين والمتمثل في تنزيلهم الشريعة في نظام الحكم في الدولة، في التشريع، والقضاء، والاقتصاد، وفي نظام الحسبة الإسلامية لملاحقة المسلمين في حياتهم الخاصة قصد ترتيبها وفق أحكام هذه الشريعة المُستفظَعة من قبل غالبية المسلمين، ومن كل شعوب العالم غير المسلمة.

...
يتعين أن نثني على الأستاذ عوض، فبسؤاله الشجاع عن السبب التحتاني الأصلي الذي يولِّد نذالة الإسلاميين ويعيد إنتاجها تمكن عوض من استشراف البيان عن أس البلاء.

ونتعاطف مع عوض أن أخذته بعض رهبة، حيت قرر عدم الملاقاة وجها لوجه مع هذا السبب المبحوث عنه، "الإسلامية"، التي تستدعي العلاقة بـ "الإسلام"، الخط الأحمر المرسوم بواسطة الإسلاميين في احتيالهم وتصنعهم التقوى لرب العالمين.

ويبدو أن عوض في احترازه عن ذكر اسم السبب كان صدَّق أكذوبة أن الإسلاميين لديهم حساسيات، أو حتى مشاعر، حين يتعلق الأمر بالله أو الإسلام، أو بأي شيء. ولعله نسي أن الإسلاميين كانوا سكتوا فرد سكتة بشأن كتاب د. محمد محمود الذي بين، بالأدلة والبراهين من المادة الإسلامية ذاتها، أن الأمر كله صناعة في صناعة. وهم اكتفوا بترهات من الأستاذ خالد موسى وكاتب آخر، دون أن يتجرأوا على مقاربة أي نقد حقيقي للكتاب الذي أصاب برنامج عقيدتهم السياسية الفاسدة في مقتل.

فهذا الإسلامي السوداني ثابتٌ أنه لا يكترث للإسلام إلا بمقدار ما يراه في مصلحته الدنيئة الوقتية، مثلما نراه في هذه القضية أمام المحكمة، وهي أصلا قضية عن "إسلامية الإسلاميين" ولزوم الدفاع عن جثة الإنقاذ المتحركة، في هذا الظرف الراهن، فليست القضية عن "نشر أخبار كاذبة"، وإلا كان هؤلاء الشكاة في جهاز الأمن وفي المحكمة الفاسدة لا يعرفون الكذب الإسلامي المؤصَّل الذي ظل الإسلاميون في الحركة الإسلامية السودانية ينتجونه ليل نهار طيلة خمسين عاما ويزيد.

وما وجد عوض حلا لمعضلته إلا بالعودة بنا إلى سؤاله الذي كان بدأ به، عن ماهية "تلك الجهة التي أرسلت النظام لهدم بنيان السودان".


في مفترق الطرق بشأن الإسلامية
هكذا بقي الأستاذ عوض في نهاية مقاله واقفا في حيرته، مثل الشاعر الأمريكي روبرت فروست، عند مفترق طريقين، يتأمل، وأسمع تسآله:
أي طريق آخذ؟
أهذا الآمن المطروق،
ذلك الذي اتخذه كُتاب سودانيون آخرون، بقولهم السقيم إن "المشكلة ليست في الإسلام"، بل في التطبيقات وفي بعض التفَّاحات الإسلامية المتعفنة؟

...
أم آخذ ذلك الطريق الخطر غير المطروق،
ذلك الذي سيقودني إلى أن المشكلة الحقيقية بل هي في الإسلامية، هذه العقيدة السياسية الفاسدة، وفي برنامجها تنزيل الشريعة في أجهزة الدولة وكامل الحياة المجتمعية، والمشكلة في "الإسلام" ذاته؟

...
لكن الأستاذ عوض، وبالرغم من ازوراره عن ملاقاة السبب الحقيقي وراء تدمير السودان، وهو الإسلامية بإسلامها، وبالرغم من تظاهره غير الجاد باعتقاد في غيبيات، تَميَّز عن كتاب آخرين قدموا ذات مفردات توصيفه للإسلاميين وأفعالهم الشنيعة لتدمير السودان، لكن أولئك الكتاب الآخرين تركوا الإسلام والإسلامية بعيد بعيد، خوفا من الهوا.

تميز الأستاذ عوض عن أولئك الكتاب المستحوذين بالخوف من البو، وهو الكلام الهوائي الفارغ، في أنه قارب بفكره أصل الداء، حتى بتلك عباراته المغلَّفة عن المسخِّر والمسيِّر والمُكري المرسِل.

...
فالتحية للأستاذ عوض محمد الحسن وهو يواجه المحكمة الفاسدة من بعيد.
ولعلي وضعت النقاط فوق الحروف في مقاله الذكي العميق، بالقول الصريح إن "السبب" الحقيقي، العميق، وراء هذي نذالة الإسلامي السوداني، كإسلامي سوداني، هي إسلاميته، عقيدته السياسية الفاسدة التي لا تقوم، بالضرورة، إلا على القهر والعنف والنهب والاحتيال. وإن هذه "الإسلامية" تستمد كامل فكرها صحيحا من أصول الإسلام في القرآن والسنة والفقه، ومن الممارسة في الدولة الإسلامية عبر تاريخها منذ دولة المدينة.

...
أي، إنه يتعين عدم الهروب من الحقيقة البسيطة أن الإسلامية، كتطبيق الشريعة الإسلامية في الدولة، لم تكن يوما صالحة في أوضاع السودان، وهي غير صالحة اليوم، خاصة وهي اليوم ليست مجرد فكرة سياسية-دينية مطروحة، بل هي اليوم تجربة مادية عاشها السودان عبر ثلاثين عاما وقبلها عشرين عاما، وأصابته بالإفقار والتمزق، ووطَّنت فيه إجرام الدولة وصناعة الفساد، وهي خربته تخريبا، وأفضت به إلى الحالة المأساوية التي هو عليها اليوم، تحت ظل حكم ذات الطغاة الإسلاميين عديمي الأخلاق لا يعرفون الرحمة.

ولا يغير من ذلك أن الأغلبية الساحقة من أهل السودان مسلمون عليهم نور.
وحتى الإسلاميين في احتيالهم أدركوا أن خدعة الإسلامية قد انكشفت، وأنها ما عادت تنطلي على سوداني مسلم، فيتصنعون اليوم أنهم لها وللإسلام كارهون، بينما يظلون يكرسونها ليل نهار في الدولة، لأنها أداتهم الفاعلة لصناعة الفساد المحمي بالإجرام.


هذه الإسلامية
وليست هذه الإسلامية كيانا مجردا، أو مجرد أيديولوجيا، أو معتقدات، أو مواقف سياسية، بل هي أجساد الإسلاميين المعروفين بأسمائهم وعناوينهم والمُعرَّفين بقلة أدبهم وغبائهم، وهي ممارساتهم التي عرفها السودانيون عنهم، بأفعالهم في الهمبتة وسرقة المال العام في بهيم الليل وفي وضح النهار، وهي أفعالهم الثابتة في تعذيب معارضيهم وملاحقتهم، وفي امتهانهم الكذب في كل شيء، ودونك عمالتهم للأجنبي لقاء بريق كل عُملة على وجه الأرض، وتتلخص هذه الأفعال والممارسات، وغيرها كثير، في "النذالة الإسلامية".

ومن ثم يتعين أن نرفض هؤلاء الإسلاميين، باستثناء شبابهم المخدوعين بالأوهام يكتشفون يوميا خدعة الدين في الدولة، والاستثناء هو لأن الشباب يمكن أن يتغيروا، على عكس الدهاقنة الذين تكلست أدمغتهم فلا يعرفون إلا الشر لا أمل فيهم.

وأن نرفض الإسلامية، عقيدتهم السياسية الفاسدة.
وأن ندرك أن الإسلامية ليست إلا هذا الإسلام ذاته منزلا صحيحا في الدولة الإسلامية نتاج الحركة الإسلامية السودانية التي نعرفها.

وأن نعلم أنه لا يوجد إسلام آخر لعلَّه "أكثر صحة" وملاءمة لأوضاع السودان والعصر، وهو حديث السرابيات المتوهَّمة في فقه النور حمد. فالكتاب واحد بعد حرق المصاحف الأخرى، ولا تجدي فيه تفاسير.

وحيث لا يوجد إسلام غير هذا الذي يطبقه الإسلاميون أهل الإنقاذ.

فكل حديث عن شريعة أخرى، أو عن إسلام آخر، هناك في الأفق، أو عن إسلام في الدولة فيه الحريات محترمة ومحمية أو الحقوق مضمونة، كله يظل مجرد هراء ينتجه عفو الخاطر مثقفون وسياسيون في المعارضة متحذلقون عديمو الخيال، بعد أن توقف تفكيرهم فيما عرفوه يوما، ويرفضون الإقرار، بالرغم من البينات والبراهين، بأن ما اعتقدوا يوما في صحته بل تبين على حقيقته الكاذبة أصلا. وليقرئوا كتاب د. محمد محمود.

...
باختصار، يجب وضع نهاية لحكم الإسلاميين، تحديدا لِعلة هذه إسلاميتهم، نعم، نكرر، ذاتها هذه العقيدة السياسية الفاسدة المصبوغة دائما، بطبيعتها، بإجرام الدولة.

...
عشاري أحمد محمود خليل
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.