لابد من الإشادة بالجهود التي يقوم بها مولانا تاج السر الحبر النائب العام والمتمثلة الأوامر بإعادة السير في بعض حالات القتل ذات الدوافع السياسية و الدعاوى الجنائية التي تم تعطيلها أو عطلت نتيجة للانسداد المتعمد لطرق الوصول للعدالة خلال ال30 عاما المنصرمة ، لعل القرار رقم 8 لسنة 2019 القاضي بتشكيل لجنة للتحقيق في إعدام تسعة وعشرون من ضباط القوات المسلحة في الرابع والعشرون من ابريل 1990 عرفت سياسيا " بحركة 28 رمضان " يمثل امتدادا لتلك الجهود لتيسير سبل الوصول للعدالة .

لاشك أن هناك سجلا واسعا من الانتهاكات الممنهجة و غير الممنهجة ارتكبت خلال فترة حكم الحركة الإسلامية وجناحيها السياسيين المؤتمرين الشعبي والوطني ، سواء في مواجهة المدنيين أو العسكريين أو مؤسسات وممتلكات الدولة ، فالتحقيق في الانتهاكات التي تمت في او بعد 30 يونيو 1989 يعني سجل ضخم من الحالات مع الأخذ في الاعتبار أنها من الناحية الجغرافية فالراجح أنها شملت اغلب انحاء السودان ان لم تكون جميعها مع اقتران ذلك بالحرمان من الوصول للعدالة لفترة زمنية اشرنا لها في مقدمة المقال ، في مناخ سياسي غاب عنه الحكم الراشد و انعدم الحد الفاصل في العلاقة السلطة الحاكمة والدولة ، بعض تلك الانتهاكات اتسمت بطبيعة خاصة لكون الدوافع ارتبطت بدوافع ايدلوجية الامر الذي يفرض واجب التعامل معها بتخطيط استراتيجي لكونها تمثل نمطا جديدا علي الواقع لم يكن معروفا قبل 30 يونيو 1989 .

الاستمرار في تشكيل لجان التحقيق للنظر في حالات فردية او محددة يثير تساؤلات عن المعيار الذي بموجبه يتم ذلك هل معيار زمني ؟ أم هي خاضعة للسلطة التقديرية لسعادة النائب العام مع احترامنا لها ؟ أم هي نتاج استجابة لإجراءات حركت من قبل ذوي المصلحة ؟ .

بالرغم من ذلك و في تقديري المتواضع لا أرى ما يسند فلسفة النظر إلى الانتهاكات وفق اولوية خارج اطار ما اثرته عالياً ، الأمر الذي يدفعنا الى القول بأن وضع خطة ذات معايير واضحة للتعامل مع ذلك السجل مقترنة بمنح لجان التحقيق تفويضات شبه متخصصة بالنظر في أنماط محددة من الحالات قد يكون أجدى علي سبيل المثال لجنة تحقيق للنظر في حالات الانتهاكات التي شملت ضحايا القتل خارج نطاق القضاء سواء ارتبطت بادعاءات التخطيط او المشاركة في الانقلابات او حيازة عملات اجنبية او غيرها علي أن تتم مراعاة صياغة صلاحيات بشكل يتيح للجان الاستعانة بـ محققين أو مساعدين او خبراء أو من يرونه مناسبا لذلك لأغراض التحري قد يكون أكثر جدية من الناحية الاجرائية ، مثال آخر تشكيل لجنة للتحقيق في أحداث العنف الطلابي خلال فترة زمنية محددة بدلا من تشكيلها للنظر في حادثة واحدة و نسد ذلك بأن هناك حالات واسعة ومتشابهة .

تشكيل لجان بشكل متخصص و ذات تفويض يتسق و نطاق الأحداث قد يساعد في الوصول إلى نتائج تساهم في الوصول للعدالة بشكل أفضل فالحالات الفردية قد تقف عند حدود مسئولية الفاعل المباشر وقد تغفل ما يرتبط بمسئولية الرئيس عن المرؤوس او علاقة ذلك بالاجسام الحزبية التي ساهمت في ذلك ، من ناحية قانونية يساعد ذلك في معرفة السجل المرتبط بالانتهاكات المحددة واحصائياتها خلال فترة زمنية محددة و الأسباب عن سيادة تلك الأنماط خلال تلك الفترة و فكل احداثيات علاقة السببية ، كما يجدر الانتباه الى ان النتائج أو الوقائع والأحداث قد تساهم العدالة الانتقالية مستقبلا و في تطوير القانون من ناحية أخرى قد تنعكس في إثراء مقررات كليات الحقوق بالجامعات الطب الشرعي ، و مناهج التاريخ المدون الذي يجدر يستصحب معه ما جري بحكم أن الأمس هو جدير بالتدوين للتاريخ الوطني .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.