التطورات التي شهدها الواقع السوداني لا سيما بعد سيناريو انقلاب القصر الذي حمل وزير الدفاع السابق عوض إبنعوف إلى رئاسة المجلس العسكري الذي أعلن سيطرته على السلطة مع إعلان حالة الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر مع حظر للتجوال، بالاضافة إلى إعلان عن فترة انتقالية لمدة سنتين، المؤتمر الصحفي الذي عقد اليوم 12 ابريل 2019 من قبل المجلس العسكري كشف عن محاولة التفاف على الحالة حيث أعاد تكرار القديم المرفوض من الشارع مثل الحوار مع الأحزاب ، وعدم طرح أية حلول للأزمة، عدم الكشف بوضوح عن ما بعد التحفظ على الرئيس السابق عمر البشير حيث ذكر المجلس رفضه لتسليمه للمحكمة الجنائية دون الكشف عن خطته البديلة لما يرتبط بالمحاسبة، كما غابت الشفافية في مجملها فيما يرتبط بالاجابة على مصير المجلس في حال رفض الشارع له ، في تقديري أن توقيت انعقاد المؤتمر قصد به أن يسبق اجتماع مجلس الأمن في جلسته الطارئة اليوم للحالة السودانية و أن الهدف هو كشف موقف رافض تسليم البشير إلى المحكمة الجنائية كخطوة تضعهم في محك التفاوض مع المجتمع الدولي لضمان الوصول إلى ضمانات تأجيل أمر القبض مقابل تقديم بعض التنازلات التي يمكن أن تأتي في صيغة مجلس إنتقالي مشترك مدني و عسكري يمثل فيه الإسلاميين بالأغلية بالطبع كواجهة للحكومة السابقة، لكن يبدو أن اتقان السيناريو قد غابت عنه الخطط البديلة والتوقعات، فقد كشفت وسائل اعلام مختلفة عن رفض قائد الدعم السريع محمد حمدان دلقو المشاركة في المجلس بل ذهبت الي اعتذارة عن أداء اليمين الدستورية، وهو ما يعارض ما ذهب إلي أبنعوف في بداية المؤتمر الصحفي بأن سيطرة المجلس العسكري جاءت كقرار من لجنة الأمن التي يمثل اعضاءها ممثل وزير الدفاع ، مدير الشرطة ، مدير جهاز الأمن ونائبة وقائد الدعم السريع فهذا ينسحب علي أن قرار اللجنة لم ياتي بالاجماع او أن حميدتي كان علي اعتراض أو أن الاجتماع لم ينعقد أصلا أو في غياب حميدتي .

2
في تقديري أن اعتذار حميدتي وعدم مشاركته في المجلس يمثل تطور لما سبق وصرح به في 20 ديسمبر 2018 بأن قواته لن تشارك في قمع المحتجين ، في 9 أبريل 2019 تم نشر قوات كثيفة من الدعم السريع حول محيط القيادة العامة وشوارع الخرطوم حيث ميدان الاحتجاج الذي تحول إلى اعتصام لكن ظلت التسريبات تؤكد ما ذهب إليه سابقاً في موقف قواته من الاحتجاجات السلمية، إلا أن وسائل إعلام مختلفة اليوم 14 ديسمبر 2019 أكدت على عدم المضي في ذلك، بالرغم من عدم الكشف عن أسباب لذلك إلا أن التطورات في العلاقة ظلت متوترة منذ يوليو 2016 بين حميدتي والخرطوم التي كانت ترى فيه حليفاً كجزء من مثلث التحالف الذي ربط بينه وبين عبدالغفار الشريف مدير القسم السياسي السابق بجهاز الأمن إلى جانب طه عثمان الحسين المدير الأسبق لمكتب رئيس الجمهورية ، حيث عقب السماح لطه بمغادرة الخرطوم للسعودية ، تمت الاطاحة بعبد الغفار ، في شهر يوليو 2017 برزت فكرة جمع السلاح بإقليم دارفور. بالنظر إلى المنشور رقم (419) الذي صدر من رئيس الجمهورية السابق عمر البشير في ذات الخصوص مثل المنشور الرئاسي الثاني حيث ألغى الأول قبل سريانه ، السبب في تقديري يعود إلى أن المنشور الأول لم ترد فيه الإشارة إلى الدعم السريع ضمن القوات المدمجة المنوط بها جمع السلاح بما يعني بداهة إنها كانت مستهدفة ايضاً بذلك ، لإلقاء مزيد من الضوء على الأمر، إنه في ذات يوليو 2017 تم ربط صرف الراتب الشهري للدعم السريع بتحصيله من معكسر دوماية بولاية جنوب دارفور ، بالنظر إلى القرار فقد تصادف صدوره قبل أيام من عيد الفطر، لعل ذلك قصد به إجلاء قوات الدعم السريع بعيداً عن العاصمة محمولة على توترات العلاقة التي رأتها الخرطوم آنذاك أقرب الى الفريق طه عثمان، مع تلك التطورات حملت الصحف تصريحاً بأن هنالك 18000 شرطي سيتم نشرهم-لحماية العاصمة خلال عطلة عيد الفطر المبارك انزاك!

3
كما أشرت إلى أن المنشور رقم 419 -2017 الخاص بجمع السلاح، هو ما نص على أن قوات الدعم السريع جزء من قوات الحملة، رغم ذلك ظلت تصريحات حميدتي تؤكد عدم مشاركته في جمع سلاح حرس الحدود او قوات موسى هلال، سلماً أو عنفاً في موقف جعله بعيداً من التورط في الصراع إلى جانب نائب الرئيس الأسبق حسبو عبدالرحمن، أن عدد من المواقف حاولت بها الخرطوم دفع حميدتي الى الصدام مع هلال منها التصريحات بأن قوات هلال تعمل على تهريب البشر بين السودان وليبيا بالاضافة إلى تهريب الذهب عبر الحدود، إلا أن نجحت المحاولة الثالثة التي أعلن فيها مقتل إبن عم حميدتي العقيد عبدالرحيم علي أيدي قوات هلال بضاحية مستريحة، وهنا ظهر حميدتي علي قناة سودانية 24 وكال التهديدات والوعيد لهلال مأخوذا على مقتل إبن عمه، سربت وسائل الإعلام رغم المحاولات الواسعة من بعض القادة الأهليين في دارفور صور ظهر فيها هلال في حالة سيئة وهو يصعد إلى الطائرة من الفاشر إلى الخرطوم مقبوض عليه إلى جانب آخرين من أفراد أسرته ومنسوبيه، وفي ديسمبر 2019 سربت وسائل التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يظهر لحظة القبض علي هلال من خيمة بذات الملابس التي كان يستقبل بها المعزين في وفاة والدته بضاحية مستريحة، وهي بدت مختلفة عن ما تسرب عن المعارك والأحداث التي قادت إلى مقتل العقيد عبدالرحيم مما فتح الباب أمام احتمالات أخرى، من جانب آخر من المشهد في فبراير2018 تمت الاطاحة بعبدالغفار الشريف الذي يقضي عقوبة السجن لمدة ست سنوات بعد إدانته من محكمة تتبع لجهاز الأمن والمخابرات الوطني في العام 2018، بينما تسرب عن خضوع بعض الصحفيين للتحقيق من الذين إلتقوا طه عثمان أثناء زيارتهم للملكة العربية السعودية .

4
أن المواقف العسكرية اللاحقة بما فيها بيان الشرطة الأخير الذي أشار فيه إلى عدم تعرضه للمحتجين إلى جانب نفي الدعم السريع في 2018 على قناة سودانية 24 مشاركة قوات الدعم السريع في قمع احتجاجات سبتمبر2013، هذه مقروءة مع تصريحات الفاتح عزالدين وعلي عثمان محمد طه حول الكتائب الحزبية و ظهور الملثمين و القناصين بشوارع السودان يستهدفون المحتجين بالرصاص الحي، مضاف إليها الاعتداءات على المحتجين بساحة الاعتصام أمام القيادة العامة لثلاث مرات متتالية في الفترة من 7-9 أبريل 2019 والتي تم الكشف علي أن قوامها الأساسي هي مليشيات الحزب الحاكم، حيث نشرت وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو تعزز من ذلك الارتباط، كل هذا إلى جانب التقدير الذي وجدته القوات المسلحة في موقفها الذي رفض استخدام القوة في فض الاعتصام وحماية المحتجين عزز من فرص احترام الشارع السوداني للقوات المسلحة، بالمجمل أن المعركة أصبحت بين قوات ومليشيات الحزب الحاكم والسودانيين المحتجين سلمياً فيبدو أن قوات الدعم السريع قررت عدم الوقوف إلى جانب الحزب الذي تخلت عنه قوات الجيش والشرطة.

5
مشهد تنازل الخرطوم عن حليفها في حريق دارفور موسى هلال وما آل إليه من اعتقال تعسفي منذ 2017 حتى أنه لم يقدم لمحاكمة ولم يطلق سراحه مع المعتقلين السياسيين وغيرهم بالأمس! بالنظر إلى الدوافع بعضها على علاقة بمورد الذهب بجبل عامر بالإضافة إلى حالة اللجوء التي حلت بعشيرة هلال هذا من جانب، ومن جانب آخر الخرطوم اغفلت إن كلا الرجلين ينحدران من إقليم مشترك ومجموعة سكانية مشتركة وأن حميدتي قد دُفع في العام 2006 لمحاولة الاشتباك مع هلال حينما أشيع عن اغتيال هلال لابن عمته دقير شو الذي كان يعمل حارس لهلال ، إلا أن خروج الأخير وأدائه القسم ما حمل حميدتي علي تصديقه الأمر الذي كشف أن الحدث ليس سوى محاولة لزرع الفتنة بينهما وهو يشكل تراكم لذاكرة عدم الثقة بين حميدتي و الخرطوم .

6
في العام 2014 تم تغيير مسمى قوات حرس الحدود إلى الدعم السريع ثم دفع بها إلى غرب وجنوب كردفان التي واجهت فيها قوات الحركة الشعبية - شمال وتكبدت قوات الدعم السريع مقتل أكثر من 340 من قواتها بينهم نائب حميدتي وصهره بينما جرح المئات الأمر الذي أثار حفيظة أسر الضحايا وعشيرة حميدتي بجنوب دارفور قاد ذلك إلى ما يشبه ثورة في مواجهته محمولة على أنه خاض معارك بأبنائهم في صراع لا ناقة لهم فيها، في مايو2017 و في مواجهة قوات حركة تحرير السودان جناح مني مناوي و المجلس الانتقالي تكبدت قوات الدعم السريع خسائر في الأرواح بلغت المئات بينهم بن عم حميدتي ونائبه ، الخلاصة أن حميدتي خاض العديد من المعارك التي فقد فيها أفراد من أسرته بشكل مباشر وهو ما ظل يعرضة للنقد المتواتر من قبل بعض عشيرته المقربين.

7
التحولات التي تمت بعد سيطرة حميدتي على مورد الذهب بجبل عامر في 20 نوفمبر 2017 قادت إلى تعزيز العامل الاقتصادي في العلاقة بينه والخرطوم ، ذات العلاقة المادية هي التي دفعت مشاركة الآلاف من قواته و مليشيات أخرى في حرب اليمن ،هذا من جانب بالإضافة إلى أن عامل الزمن لم يعد يسمح بالمناورات لأن ظهور الدعم السريع في مسرح الأحداث الأن نيابة عن الإسلاميين سيجعل منه الخاسر الاكبر او يتقاسم معهم مسئولية ممارسات ثلاثة عقود و بالطبع لها تبعياتها وتعقيداتها القانونية .

اخيرا يتضح للمراقب غياب التأييد المحلي و الاقليمي والدولي للمجلس العسكري بقيادة بن عوف ، اضافة الى تزايد الاهتمام العالمي سياسيا واعلاميا بما يجري في السودان ، و بالطبع ليس حميدتي بالعطار ليصلح ما افسده الدهر

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.