الزمان صيف 1987م. قبل ثلاثين عاما من رحيله الفاجع. وكنت قد أُختِرتُ للالتحاق للعمل مهندسا بمشروع القنال الإنجليزي الفرنسي الشهير . فوجدت نفسي أحقب متاعي لارتحل الى أرض المشروع في مقاطعة كنت قريبا من مدينة كانتربري في جنوب شرق انجلترا حيث يسكن د. حمور وأسرته الكريمة. هناك في إحدى مناسبات الجالية السودانية كان لقاؤنا. فقد كان هناك عددا من طلاب الدراسات العليا السودانيين في كلية واي الزراعية قريبا من كانتربري. وعددا من الأطباء السودانيين يعملون في مستشفي وليام هارفي في أشفورد بالجوار.

تعرفت عليه. كان بشوشا. مرحابا. مبتسما. قائدا مجتمعيا نشيطا متجردا يخدم الجميع في الفرح والكَرَه دون فرز. مستمعٌ مرهف لقضايا الناس، يتبرع بوقته وماله في الشأن العام بل ويقرض المحتاجين من معارفه وطلاب العلم دون أن يسأل. كان سيّدا في القوم بكل ما في الكلمة من معنى وعمدة البلد دون منازع. زارني وزرته عشرات المرات عبر السنين. تطورت علاقتنا على خلفية الاهتمامات المشتركة وعلى قاعدة متينة من الإخاء الصادق .

أكلنا الملح والملاح. لعبنا الهارت والويست (سيييد الكلام) ضحكنا مع بعضنا على بعضنا. تعرفت من خلاله على كوكبة من خيار الناس في محيطه القريب أرى منهم البعض في هذا الحضور الكريم. قدمني لأهله الحموراب أجمعين في السودان والمهاجر. وما أدراك ما الحموراب. فقد غمروني بفضلهم وأصبحوا أهلي وتم اعتمادي – رسميا – حمورابي من منازلهم.

حكيتُ له يوماً حكاية قصيرة عن البلد، هناك في وادي أم زين، في سهول شرق كردفان حيث نشأت. فأشرق وجهُه المضئ وكان تعليقه مفتاحا لمعارف جمة نبهني لها وصارت من اهتماماتي: تقول بداية الحكاية:

"كنت صغيرا في ذلك الوقت لا أدري كم كان عمري وقتها، حيث عالمي هو الحقل نهارا والضراء ليلا وهو المكان الذي نجلس فيه للعشاء ويحكي الكبار عن أسفارهم ومغامراتهم. كانت قصص الكبار وحكاوي حَبّوبة بعد وجبة العشاء هي مقرري المدرسي الأوحد. ففي قريتنا في كردفان الستينات لا توجد روضة لتعليم الأطفال بل ولا توجد مدرسة. نصحو مبكرا قبل شروق الشمس نساعد الكبار في البئر في جلب الماء وسقيا البهائم. ثم نصحبهم للحقول لرعي النعم والإبل. نعود في منتصف النهار ونلعب أثناء الظهيرة حتى يعيينا اللعب. ثم يأتي المساء فنحضر أواني الطعام الى الضراء. ونجلس جانبا نستمع لحكاوي الكبار التي تعقب وجبة العشاء. كنت أحيانا انتظر نهاية الوجبة بترقب لانصرف بسرعة راجعا للبيت لأجلس مستمعا لحكايات حَبّوبَة الشيقة.

جلستُ يوما كعادتي بجوار حَنَكِ البِرْش - برش صَلاتها - مستمعا لها، بعد صلاة العشاء، لتحكي لي كعادتها أخبار الأقدمين – حكاوي "أهل قَبُلْ" كما كانت
تسميها . أنهت أورادها بهمهمات سريعة هي خليطٌ من الأدعية الدينية ونَهْم لشيوخها أن ينجوها وقومها من العارِض. كانت تعوّل كثيرا على نجدة شيوخها. فمن كثرة ما سمعتُ عن الحريزابي والمنبوش وود الطريفي، ترد اسماؤهم في الأوراد حتى ظننتهم من الصحابة. وقد حفظت بعضا من ما جاء على لسانها وأنا يافع من كثرة ما سمعتها تردده: "يا الحريزابي يا أبو زهرة التور* الشقَّ الواطا خُور* أب حِساً مَرَق في دارفُور* تلحقنا وتفزعنا. يا المنبوش في الغَرِب تنجينا من الحَرِب والكَرِب* يا أبو المكي الشايب * يا المصلي وتايب* يا أُمحمّد علي ود الحسين يا ساكن الحرمين* يا البتلحق شوف عين* تلحقنا وتفزعنا". . يا ود الطريفي ياقنديل دهب المدينة الحُر * يا تِركَة الصالحين* الجن والسَعَر سويت دَواهِن طين* تلحقنا وتفزعنا وهكذا؛ ثم تبدأ الحكاية".

أوقفني د. حمور عند ذكر الشيخ ود الطريفي. وقادنا الحديث الى بدير جد (البديرية) وإخوانه في كردفان عبد الرحمن شويح (جد الشويحات) وأحمد أبو الريش (جد الرياش) وطريف (جد الطريفية). فاذا بي أصيح "يازول نحن أهل تب"! وكيف أنه يعلم أنّ (الطريفية) يتمركزون في أم روابة وود عشانا ودار الريح بجوار أبناء عمومتهم (البديرية) والذين لهم نظارة في كردفان من قبل التركية حتي اليوم. وكيف أن بديرية كردفان هم نفس القبيلة التي في شمال الوادي بسبب الهجرات. فهم في الضفة الغربية للنيل نواحي الدبة وكورتي وحسينارتي وقنتي ومنصوركتي وقشابي وكرمكول وبروس والغابة. وامتد وجودهم للضفة الشرقية في جلاس والبرصة والعفاض وتنقسي الجزيرة وألتي. وقد زادني معرفة عن تنقلات (الطريفية) ورهطهم في كورتي؛ بل أن الكوارتة (طريفية) على حد قوله.

كان يتحدث عن كل أفرع المجموعة الجعلية الكبرى كأسرة واحدة، حديث العارف بالأنساب والمتمكن من الإرث السوداني بقبائله المتعددة. ولا غرو، فقد قضى ردحا من حياته العملية العامرة كطبيب في مختلف بقاع السودان العريض أداءاً لرسالته السامية. هذا فضلا عن ثقافته الواسعة - شأن الرعيل الأول من عضوية حزبه السياسي الذين اشتهروا بغزير المعارف والاشتغال بالفكر والأدب وبالاستقامةالأخلاقية والتجرد.

كانت تستهويه مثل هذه الحكاوي الشعبية وقد بادلني بعضا منها من بيئته في الشمال النيلي من ديار البديرية والشايقية ربما سأكتب عنها يوما. وعلى هذه الخلفية من الأدب الشعبي من حكايات القرية وأشعار الدوبيت والحقيبة مضافا الى كل ذلك الهم العام السوداني المشترك بيننا جميعا توطدت علاقة صداقة متينة، بيني وبين د. حمور الإنسان - هذا الزول؛ الكريم؛ الجواّد؛ السوداني الأصيل الذي غادرنا الى دار الخلود في هذه المدينة ( لندن) في مساء يوم الأحد 14 يناير 2018.

كان محبا للفن بكل ضروبة وبخاصة روائع الشعر الغنائي. وصفهما الشاعر محجوب شريف في مقطوعة نثرية أشبه عندي بالشعر ضمها كتاب احتفالية عيد ميلاده السبعين. يقول محجوب معلقا عليهما (هو وسميرة ميرغني شريكه دربه): " كانا الى جوار بعضهما كحمامتين لطفا وهديلا فهو يحب الدندنة وفي تقاطيع وجهه صبيٌ يحب الأناشيد------" الى أن يقول " ---أكتب عنهما لأنهما معا أجمل ما في ضفة النهر من خضرة وفي الطمي من إرتواء—"

ولازلت أطرى جلساتنا في داره أو في داري ونحن ندندن بعيون أشعار الحقيبة في تذكر وطنٍ عزّ علينا تركه وفراقة فصرنا نبحث عنه في حكاوي الحبوبات وفي العبارة الشعبية وفي سِيَر القبائل والعادات وفي الشعر والغناء والموسيقي . بيد أن محصول د. حمور في هذا الشأن (شأن الوطن السياسي) يتعدى ذلك بكثير بالطبع مما حفلت به سيرته العامرة بالإنجاز كما سيبين من شهادات مَن رافقوه في الفكرة وفي حزبه السياسي المعروف. أما أنا فحديثي عن الرجل هنا هو حديث الصديق الذي عرفه وخبره لثلاثة عقود من الزمان، جاورته فيها ردحا من هذه السنوات فكان لي فيها نِعم الجار وأنعم به من صديق.

استمعنا في أصفى لحظات العمر للكابلي وهو يدندن بأغاني التراث الشعبي والتي أرى في بعض مقاطعها خصال صديقي الوفي ومناقبَه: " إن أداك وكتّر ما بقول أديت/ أب درق الموشح كله بالسومبت / أب رسوة البكر حجّر شراب ستيت/ كاتال في الخلاء وعقبا كريم في البيت. الى أن يقول
"ما هو الفافانوس /ما هو الغليد البوص /ود المك عريس اب خيلا بجن عركوس. "--- كان وردن بجيك في أول الواردات/ مرنا مو نشيط كان قبلن صادات..تلك لعمري هي خصاله.

وكم دندنا معا برائعة سيد عبد العزيز أقيس محاسنك بِمن / يا الدرّة الما ليك تمن. كانت تستهويه هذه الأغنية فيرتفع صوته قليلا عند سماعها. وربما انتقلنا الى محمد عمر البنا في رائعته الأهيف أبا ما يريم/ ومن بعده صار قلبي ضريم بنار الفرقة. أو غشينا ود الرضي في أحرموني ولا تحرموني سنة الإسلام السلام. الى أن يقول:
طاف خيالك والليل كافر/شفت بدره المتجلي سافر/صك غاضب
لقى دمعي دافر/ قاللي جملة وعقد الاظافر/ قاللي طبع الريم
اصله نافر/قتلو علّ تريم النوافر/ وعلّ راء الريم يبقى لام.

ففي كل هذه الدُّرر يختلط ذكر المحبوبة عند صديقي بذكر الوطن الضائع كما يبكي شاعرٌ عرفاني ليلاه الحسية وهو هائم بليلى ليست من لحمٍ ودم. ليلاه اسمها الوطن. فقد كان مهموما به حد السهر والسهاد. وكأني به مخاطبا نفسه والآخرين: تهوى ليلى وتنام الليل/ وحقك ذا طلبٌ سمجُ.

في كتاب احتفالية الأسرة بعيد ميلاده السبعين، قبل عقد من الزمان، أكرموني بالدعوة للمشاركة بكلمة قصيرة. قلت فيها اقتباسا من حكمة صينية قديمة: "من أراد أن يحصد نتاج زرعه لعام واحد فليزرع أرزا ومن أراد أن يحصد لجيل واحد فاليزرع شجرا؛ أما من أراد أن يحصد مدي الحياة ولأجيال ستأتي بعده فليستثمر في الانسان". فمن ينظر للأسرة الصغيرة والممتدة التي تحيط بدكتور حمور والى أصدقاء الرجل في محافل العمل المهني والعلمي والسياسي والإجتماعي يعرف قدر الرجل وبعد نظره في شأن العمل الطيّب المثمر؛ الذي تمتد ثماره لأجيال وأجيال ستأتي. هذا فعل من تجرد من كل أنانية ولبس الكرم والجود حُلّة؛ وآمن بالإنسان من حيث هو دون حواجز العرق والقبيلة التي تلقي بظلال سالبة على علاقات البعض في بلادنا. فهو ممن أنعم عليهم الخالق بالبصيرة وبعد النظر. فقد كان إنسانا شفيفا بطبعه يراعي خصوصيات الناس ويتعامل معها بمسئولية وحساسية مفرطة – وفي هذه الجزئية لي تجربة شخصية معه.

زرته في منتصف ديسمبر 2017 قبل رحيله بشهر وهو طريح الفراش الأبيض في مستشفى يو.سي.إل في وسط لندن. أشرق وجهه بابتسامته تلك المضيئة والتي لم تفقد شيئا من صفائها رغم العلة التي كانت تنهش أحشاءه. تذاكرنا أياما خلت وغالبني الدمع وأنا أراه يغالب المرض .

وصفه الكاتب حمور زيادة قائلا: " في هذا العالم أشخاصٌ أكبر من الكلمات.. لا توفيهم العبارات حقهم..ولا تقترب من أفقِ روعتهم البلاغة .. يغزون إحساسك بعظمتهم فترفعهم الى مصاف النجوم .. وحين تمتحنهم بالمعاملة يُصغِر الخُبر ظنّك فاذا هم أجلّ مما حسبتهم ومن أروع هؤلاء الناس محمد عبد العال حمور .. الإنسان"

ولا أجد أبلغ ختاماً من ما جادت به فاطمة عبد العال (شقيقته) من سجعٍ رصين عنه في مناسبة وردت في كتاب بلوغه السبعين قبل عقد من رحيله: "ليك سبعين من الباقات / من صلاحنا ليك بركات / عود الساري في الهوجات / خاتي الذم والعوجات / شابَهْ للثريا صفات/ أبو أخواني فكر وثبات/ حقو البر والرحمات /وفي عالي الجنان درجات".

صدقت فاطمة. فإنَّ د. محمد عبد العال حمور خاتي الذم والعوجات. وكان إمرءا محمودا فاضلا كريما صادقا صافيا رقيقا كما النسيم وشخصا متحضرا جدا ووفيا لأصدقائه. وهذه شهادتي في حق هذا الرجل الأُمّة – أنا بلّة البكري ضوالبيت - للتاريخ من واقع معرفة شخصية لصيفة له. فلروحه السمحة الرحمة والغفران.

* كلمة ألقيتها في مناسبة تأبين وذكر مآثر الدكتور محمد عبد العال حمور والتي أقامتها أسرته، في لندن، بالتعاون مع فرع الحزب الشيوعي السوداني بالمملكة المتحدة وايرلندا، في يوم السبت 08 سبتمبر 2018، في الكلية الملكية لإخصائيي النساء والتوليد

Royal College of Obstetricians and Gynaecologists

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.