10 يونيو 2018

مدخل
" النُّتْفَةُ بالضم-: ما نتفْتَه بإصبعك من النَّبْت وغيره، والجمعُ: النُّتَفُ " . و"الجَذْوَةُ هي الجمرةُ الملتهبة والجمع جَذىً." انتهى. في هذا المقال وما يتبعه من أجزاء نُتفٌ من اوراق قديمة "قصاصات" من هنا وهناك درجت على تجميعها في الشأن العام مضى على بعضها الوقت لكنها لا تزال ذات صلة بواقع بلادنا؛ نرجو لما بها من مادة أن تسهم – ولو بالقليل – في مشروع الاستنارة العريض ودوره في التغيير المرتقب..


من المسلم؟
من مقال للأستاذ شوقي بدري علق بذهني المقطع الآتي والذي وجد مكانا بين أوراقي القديمة أورده هنا دون تعليق. يقول شوقي : "(في التسعينات توقفت لرجل صومالي كبير السن في الطريق بين دبي وابو ظبي. وقدمت له زجاجة ماء، فقال لي انه يشكرني، وان المسيحيين اناس طيبون. فقلت له انني سوداني ومسلم. فهز رأسه نافيا. فقرأت له قليلا من القرآن وتحدثت له عن الاسلام فبدا عليه التصديق وإن كان يقول لي ان بعض المسيحيين يعرفون القرآن وتعاليم الدين الاسلامي. وكان يقول لي انه يعمل كحارس في تلك المنطقة النائية. وكل الذين يتوقفون له هم المسيحيون. وعندما اقتربنا من ابو ظبي عرفت انه في طريقه الي العين التي تشكل مثلثا مع دبي وابو ظبي. فاخذته الي طريق العين لكي اعود مرة اخري الي طريق ابو ظبي والمسافة بالسيارة لا تعني شيئا، ولكن لشيخ يسير علي قدميه ليست سهلة. وعندما ترجّل من السيارة ضحك قائلا، انني لا يمكن ان اخدعه بانني مسلم . لان المسلمين لن يتصرفوا كما تصرفت. وهو مسلم يعرف المسلمين. وكنت اعرف انها معركة خاسرة، ولا يمكن ان اقناعه . فودعته ورجعت الي طريق ابو ظبي)" انتهي الاقتباس. بدون تعليق!

الصف الأول محجوز!
أثناء وجودي في اجازة في السودان قبل سنوات ذهبت في زيارة عصر أحد الأيام لصديق. وجاء المغرب ودعاني مضيفي للمسجد القريب من بيته لصلاة المغرب. المسجد صغير نسبيا و "مسكون" بسلفي عتيق من عالم آخر. مر هذا الرجل على الصفوف يتفقد الناس كما الخراف ويأمرهم "أمرا" بمساواة الصفوف والكتوف ففي ذلك "سُنّة" أو كما قال. ضايقني التفقد ونظرات الرجل وكأنه يقول للغرباء من أمثالي "من أعطاك الحق في الوقوف هنا وفي هذا المكان" على الرغم من أنه لم يقل ذلك. قلنا كويس طالما هي سنّة نساوي صفنا. تساوت الصفوف وتلامست الكتوف ليتقدم مولانا لموضع الإمام و بدأت الصلاة.

انتهت الصلاة وتهيأ الناس في جلساتهم لسماع مواعظه بما فيهم مضيفي الذي أفسح لي قليلا لاتمهل في جلستي بجانبه فقد كنت على يساره. أما انا فقد حمدت الله على نهاية الصلاة المفروضة وفضلت أن أخرج لأشتم قليلا من الهواء الطلق خارج المسجد. فلاحقتني نظرات مولانا والذي يبدو أنه استنكر فعلي. ولا أعرف ماذا قال في موعظته عني. المهم خرجتُ. ولكني تذكرت طرفة تقول تفاصيلها: (الأمام يخطب ويشجب شارب الخمر والذي وعده بالخسران في الدنيا والآخرة وأن تطلق زوجته وأن طعامه وشرابه حرام وان له نار حامية في الآخرة، الي آخر المنظومة. وكان يستشهد برسول الله الكريم في كل شئ مما قاله. وكان هناك أحدهم جاء لذلك المسجد ربما لأول مرة. انتظر الرجل حتى انتهى الإمام من حديثه ثم وقف دون تردد وقال للأمام بلهجة قروية ونبرة أصيلة: "(شوف يا مولانا اتّ شابكنا رسول الله قال وقال. قوّلته القَالُهْ والما قاله! دحين رسول الله دا كان جاء يوم القيامة وقال الكلام دا أنا ما قلته انت بتودي وشك يييين (وين))! وعلى ما في هذه الطرفة من دعابة لطيفة إلا أن فيها حكمة أيضا. حكمة تنبع من الطبيعة البشرية السوية والفطرة السليمة والتي تنفر من الإكراه أيّا كان لمجرد أن حامله لا يراعى حساسية سامعيه. قال تعالى:"لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" (البقرة: 256 )

في ذكرى محمدية
تحل علينا في الشهر القادم الذكرى الرابعة لرحيل الأـستاذ محمدية (محمّد عبدالله أبّكر الشهير ب "محمدية" ) عليه الرحمة، عازف الكمان السوداني المشهور والذي رحل الى الدار الآخرة في 17 يوليو عام 2014 م في السودان ودفن في مقابر حمد النيل بأم درمان. هذا الرجل العظيم مر في حياتنا كما النسيم دون احتفائية تليق بمقامه في زمن الخواء الفكري والفني والأدبي الذي رزئنا به. وقد نعاه مبدع (ليتني عرفت من هو) بقوله:

في وَكْت الطَبنْجة
كان صوتك كمنجة
وهدهدة للجميع
إلا الموت حقيقة
يا شيخ الطريقة
................
سلاما يغشى روحك
يا في الضحكة كنتَ
أنقى من الرضيع

كان محمديّة طوداً شامخاً في سماء الإبداع في بلادنا،بعطائه المتفرِّد في مسيرة الوطن الفنيّة لنصف قرن من الزمان؛ أسهم فيها اسهاما معتبراً في ترقية مشاعر الأمة، والارتقاء بذوقها العام وشفاء سقامها بل وفي تطورها. ومثل الأستاذ محمديّة من تخلد ذكراه وتسمى باسمه قاعات الموسيقى ومسارح الفنون بل ومعاهد الدرس. عليه رحمة الله فقد كان سودانيا خلوقا مبدعا، حلو الطبع والشمائل. وسيأتي اليوم الذي ينصب لمحمدية تمثالا يليق يعطائه المتفرّد.

لغة عربية (سودانية)
اللغة (أي لغة) هي كائن ديناميكي وذكي ينمو ويتفاعل مع محيطه المحلي والعالمي. ولكي يكون هذا النمو نموا صحيّا لابد له من قدرِ معتبر من حرية الحركة وحرية التفاعل. ولذا فالحساسية المفرطة تجاه بعض المفردات التي اضحت "عالمية" هي أمرٌ ضار بتطور اللغة أيا كانت ونموها. فكلمات مثل تاكسي،بَصْ، فيديو، سينما، فلاش، استراتيجية، تاكتيك،..الخ يجب الترحاب بها وقبولها بدلا من نبذها والاصرار على تعريبها. فبسبب ثورة المعلومات وريادة اللغة الأنجليزية في (الأنترنت) أضحى لزاما علينا قبول بعض الكلمات (الحديثة) والتي ربما ساعدت بل لعلها ضرورة في العملية (التواصلية) بصفة عامة. كما أن الإصرار علي عملية (التعريب) لكل شئ فيه مضار عدة اكثر من المنافع. وخذ الآتي كأمثلة:
1. في المجال الهندسي ضرب (التعريب) هذه المهنة في مقتل بل خلق فجوة (تواصلية) بين من درسوا الهندسة باللغة (الأنجليزية) من جيلنا من المهندسين ومن درسوها ب(اللغة العربية) من الأجيال اللاحقة. بل ضيق فرص المراجع وعزل الدارس عن جل الانتاج الفني والتقني في العالم والذي يعتمد على اللغة الانجليزية كوعاء. وهذا موضوع كبير يحتاج لدراسة مستقصية وليس مجرد ذكره في مقال.
2. أيضا الأطوال (مليمتر، سنتيمتر، متر، كيلومتر ) والموازين (جرام، كيلو، طن، ..الخ) كل هذه سندخل في اشكالات عويصة لو عاملناها بلغة (الدخيل) المنبوذ.
3. أما مصطلحات ال(آي تي) و(الأنترنت) و(السوشيال ميديا) فهناك مشكلة اذا أصر مناصرو لغة الضاد علي ترجمتها في كل اشكالها وايجاد البديل لها.
4. اللغات الحية كلها تعاني من هذه المشكلة فاللغة الصينية مثلا من اللغات التي لا تقبل أي شئ (حتي اسماء الناس) أن لم يكن لها مقابل صيني. لكنهم وجدوا طرقا مختلفة لتعزيز التواصل. وهناك دولا آسيوية تبنت اللغة الانجليزية تماما ونجحت في ردم الهوة (التواصلية) بصورة فعالة (سنغافورة مثالا فريدا ربما).
5. اللغة الفرنسية تحايلت (فيما ارى) على هذه المشكلة بفتح الباب لكلمات انجليزية كثيرة جدا وقبلتها في الاستخدام العام وكأنها فرنسية. بل أن الكلمات ذات الأصل المشترك بين اللغتين كبير جدا ولعله في ازدياد؛ وكذلك الحال في اللغة الأنجليزية ربما بصورة أكبر في تعاملها مع الفرنسية.
اللغة العربية في حاجة ماسّة وملحة (فيما نرى) لقبول المصطلحات الأجنبية والتي أضحت ضرورة لتفعيل التواصل مع الثقافات الأخرى (وهذه مهمة اللغة في الأساس) وخاصة في مجال العلوم (الطب، الصيدلة، الهندسة، المعلومات، الرياضيات، ..الخ). وأول شئ يتبادر للذهن هو ضرورة ارجاع استخدام الأرقام العربية (1 ، 2 ، 3، ----) بدل الأرقام الهندية التي لا معنى لها. فقد استلفت اللغات الأوربية كلها وحتي الآسوية الأرقام العربية ما سهّل التواصل على الجميع؛ ولك ان تتصور المشكلة لو أصرت كل لغة استخدام ارقامها الخاصة بها.

أما عربية أهل السودان والتي يقول البعض بفصاحتها في محاولة "احيانا" للتقرب من اللغة الفصحى لا تخلو من تبعية وتزلف فقد آن الأوان (فيما نرى) أن نفرد لها اسما ومكانا بين لغات العالم، كما لانجليزية الأمريكان اسمها وطرائق تعبيراتها وكتابتها في بعض الكلمات التي تختلف عن انجليزية اكسفورد (وإن يكن اختلافا طفيفا). فوجود لغة عربية (سودانية) خالصة لنا سيتيح لنا – كسودانيين - قدرا معتبرا من الحركة في لغة التفاهم وفي الكتابة الإبداعية. والناظر للأدب الشعبي والغنائي السوداني وثراءه المعرفي والبلاغي يجد أنه في حاجة ماسة لبراح لغوي أكبر بكثير جدا من المتاح حاليا في اللغة الفصحى. كما أن التقنين للغة خاصة بنا سيكون من شأنه الإسهام في الإحساس القومي بالتفرد الذي نحن حقيقين به كأمة تبحث عن مكانها بين الأمم. وهذا الأمر سيعطينا الفرصة والمقدرة والحريّة في إضاقة كلمات وتعابير سودانوية بحتة من واقع التراث السوداني البالغ الثراء. فهناك كلمات وجُمل وأمثال لا ينصلح حال حديثنا أو مكتوبنا كسودانيين بدونها. وهناك اشعارٌ لا تحتوي جمالياتها غير اللغة السودانية. بل وهناك فرادة بلاغية ونحوية لا تلنزم بالمألوف من قواعد التصريف تبحث عن وعاء جديد يحتويها. تأمل – الله يرضى عليك - قول الشاعر: أشيل خطواتي مِنْ زُولاً نسى الإلفة. فكلمة "زول" في هذا السياق تتمرد على قواعد النحو المعروفة تمردا محببا. وقول الآخر: "الشتيلة الليلة والليلة / الشتيلة الرايقة يا حليلها". فإلى متي لا يجد كل هذا التفرد والجمال وعاءً أصيلا يحتويه دون توليف. وقديما قالوا: سَمِح القُول في خشم سِيدُه! (تُقرأ بلسان أهله).

الجَذْوةُ الكُبرى
السودان مقبل على جذوة كبرى بعد أن ينتزع سكانه البلد من خاطفيه وينزع مواطنوه عن جلودهم شوك وحسكنيت الخراب الذي ألحقه الكيزان وتابعوهم بالبلد التي أفلحوا في هدمها على كل الأصعدة على مدى ثلاثين عاما من الخراب والتخريب.الأدب بمعناه الواسع الذي يشمل كل أنواع الفنون شعرا ورقصا وموسيقى وغناء له مقدرة عجيبة على خلق واقع جديد بكل جذواته وشواهد التاريخ لا تحصى؛ بشرط أن يكون هو الآخر حرا طليقا لا تحده حدود ولا تكبله معوقات التهميش العرقي أو اللغوي. وهنا تبرز أهمية وضرورة اللغة (السودانية) الأصيلة ودورها في حركة التغيير القادمة. فالحرية تدخل في كل شئ. ويحضرني هنا قول الشاعر:

أعطني حريتي وأطلق يديَّ ** إنني اعطيتُ ما استبقيت شيئاَ
آه من قيدك أدمى مِعصميَّ ** لم أبقِّيه وما أبقى عليَ

غير أنه هنا يتكلم عن قيدٍ آخر ليس كقيدنا المحروس بالجنجويد والبووت والمجروس و"الكِضِب"!. فقَيْدنا (قيد الحُريَة) ينتزع انتزاعا ولا يُعطى – وها قد بلغ السيلُ الزُبى فما أنتم فاعلون . وقديما قيل: "رب يومٍ بكيت منه فلما صرتُ في غيره بكيت عليه"!!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.