بعد مُعاناة، ولنقل – بلا تحفُّظ - ولادة متعثّرة، تمّ التوقيع بالأحرف الأولى على وثيقة (( الإتفاق السياسى لإنشاء هياكل ومؤسسات الحكم فى الفترة الإنتقالية )) بين المجلس العسكرى وقوى إعلان الحربة والتغيير، صباح الأربعاء 17 يوليو 2019... وبهذا – التوقيع- أصبحت هذه (( الوثيقة )) مُتاحة رسمياً للتداول المفتوح ، وخارج نِطاق غُرف التفاوض، وقاعات المُفاوضات، لتدخل تاريخ السودان الحديث - وربّما - من أوسع أبوابه... وبلا أدنى شك، فإنّ هذه الوثيقة الهامة - وبغضّ النظر عن الإتفاق أوالإختلاف حولها، ومع محتواها - فإنّها محطّة أولى - تنتظر الإستكمال، بالتوقيع على الجزء الثانى (المُكمّل والمُتمّم لها)، والذى من المقرّر أن يتم التوقيع عليه يوم الجمعة 19 يوليو 2019، وتحمل الوثيقة الثانية الإسم (( المرسوم الدستورى للمرحلة الإنتقالية )).. ومن المهم أن نقول فى هذه المرحلة عمر الوثيقيتين، وبالصوت العالى – وقبل فوات الأوان – أنّ هذه الوثائق تحتاج لـ(إرادة سياسية ) لتحويلها من مُجرّد " وثائق" و "شخبطات" على الورق، إلى (( برامج )) و((سياسات)) تُنفّذ على أرض الواقع، لتحقيق شعارات الثورة السودانية (( حريّة ... سلام ...وعدالة ))، وهذا هو مربط الفرس. وبغضّ النظر عمّا سيحدث عاجلاً أم آجلاً، بين الطرفين الموقّعين على الوثيقتين، فإنّه من المهم أن نُذكّر ونُحذّر – بل نُعيد التذكير والتحذير - أنّ للثورة السودانية، شعب يحميها، ويدافع عن أهدافها، ومُكتسباتها، وهو على استعداد أن يقلب عاليها سافلها، وبالـ(سلمية ...سلمية...) لإستكمال مهام وواجبات وأهداف وغايات الثورة، مهما كانت التحدّيات والصُعوبات والتضحيات، لتحقيق شعار (( مدنية ...مدنية ))... وهذا ما يجب أن يعلمه الجميع !.

ينظر الناس للإتفاقية الموقعة بين قوى الحرية والتغيير، والمجلس العسكرى، بعينين، " عين الرضا التى هى عن كلِّ عيبٍ كليلةٍ، أوبعين السخط التى تبدى المساويء"، وهذا من طبيعة الأشياء.. وبعيداً عن كل مادار، ويدور- وماسيدور- فى غُرف التفاوض، وقاعات المفاوضات، وضغوطات أصحاب المصالح داخلياً، وإقليميّاً وعالميّاً، ومؤامرات سدنة وفلول النظام القديم، وبقايا الدولة العميقة، فإنّ قضايا انتهاكات حقوق الإنسان، وفى مقدمتها جريمتى 3 يونيو و30 يونيو 2019، تُشكّل جرائم ضد الإنسانية، لا - ولن - تسقط بالتقادم، أوبالتناسى، ولا بالنسيان، أوبالـ(حصانات ) أو بصفقات قد تؤدّى للإفلات من العقاب... وستبقى قضايا العدالة والإنصاف، حاضرة فى أجندة الجماهير التى أنجزت الثورة، واسقطت بسلاح ((السلمية )) أركان النظام القديم، وستبقى حيّةً فى ذاكرة ووجدان الشعب، وأفئدة مدافعى ومدافعات حركة حقوق الإنسان السودانية، طال الزمن أم قصُر!...وليعلم الجميع، إنّ أرواح شهداء الثورة مازالت – وستبقى - تُرفرف فى ميدان الإعتصام فى قلب الخرطوم وشوارعها وحواريها، كما فى مُدن الأقاليم التى وقعت فيها جرائم مماثلة، وستبقى عذابات الجرحى، ومتابعة البحث عن المفقودين، شاهداً على الجريمة التى ينتظر ضحاياها المُساءلة والعدالة والإنصاف، ولو بعد حين !.


من المهم أن نذكُر ونُذكِّر أنّ الإتفاقية، ثبّتت فى فصلها الرابع - وتحت عنوان - لجنة التحقيق : " تُشكّل لجنة تحقيق وطنية مستقلة فى أحداث العنف فى الثالث من يونيو 2019 وغيرها من الأحداث والوقائع التى تمّت فيه خروقات لحقوق وكرامة المواطنين مدنيين أو عسكريين كانوا.)). ولا يعتقد كاتب هذا المقال، إنّ اللجان التى شكّلها المجلس العسكرى، وأعلن عنها أكثر من مرّة، وفى أكثر من مناسبة، وبأكثر من سيناريو، بقادرة أو مؤهلة فنيّاً، ولا أخلاقياً، فى انجاز التحقيق النزيه والشفاف، ويبقى من الواجب – بل الواجب المُقدّس- على الحكومة ( المدنية ) الناشئة من الإتفاق، القيام بفتح ملف تلك الجرائم، وصولاً للعدالة التى ينتظرها أُسر الضحايا، والشعب السودانى بأكمله، حتّى لا تتكرّر فى المستقبل مثل هذه الإنتهاكات.

من الواضح أنّ المجلس العسكرى – وحلفائه من عسكريين ومدنيين وجماعات مسلحة ومليشيات - سيواصلون محاولات ارجاع عقارب الساعة للوراء، عبر سيناريوهات مختلفة، منها محاولات الإبقاء على (( الوثيقتين )) فى خانة " الرمادى" بالمماطلة فى التنفيذ، أوسوء التفسير والتدبير، وذلك – ببساطة- لتورطهم فى الإنتهاكات التى يتوجّب التحقيق فيها بشفافية واستقلالية، وتقديم الجُناة للمسائلة والعدالة، والإنصاف – الكامل والشامل- لضحاياها، وفاءاً للثورة الظافرة، وشعاراتها الواضحة، وعلينا أن نواصل ثقتنا فى شعبنا، الذى سينتصر، ولو بعد حين !.
فلنجهّز – فى حركة حقوق الإنسان، وفى الصحافة الحُرّة – أنفسنا، وطاقاتنا، وقدراتنا، وتحالفاتنا الإستراتيجية، لخوض غِمار المعركة القادمة، - وهى معركة استكمال الثورة - وبذات النفس الطويل، والتنظيم الدقيق، لتحقيق شعارات الثورة وأهدافها، وهذا هو مطلب الجماهير، ومطلب الجماهير هو النظر للإتفاق بعين الشعب، وعين الشعب، هى العين الفاحصة، والصادقة، وهى عين ترى الحقيقة الناصعة، دون تلوين ولا تزويق، ولا عين لا تركن لأنصاف الحلول، ووقف قطار الثورة فى منتصف الطريق ..وهذا هو الواجب المطلوب انجازه، رُغم الصعوبات والعوائق !. خلفنا صعبات الجبال ...أمامنا، صُعوبات السهول !.. والنصر حليف شعبنا العظيم!.

فيصل الباقر

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.