أكثر ما يزعج أعدء الصحافة الإليكترونية - فى بلادنا - ووطننا المكلوم - السودان، أنّها أتاحت للصحفيين الجمع بين الصور الثابتة والمتحركة، والصوت، والنص . مُضافاً إلى ذلك، السرعة الفائقة فى تلقّى الأخبار، وتناولها ، وتداولها، ومواكبة، ومتابعة حركتها، وبالتالى قدرتها على صناعة الرأى العام والتأثير فيه.

وبلا شك، فإنّ التأثير الكبير للصحافة الجديدة والصحافة البديلة، على الجمهور المتلقى، وقدرتها على تزويد الناس العاديين، بمعلومات تمكنهم من تكوين آراء، ووجهات نظر مستقلّة، تجعلهم فى قلب الحياة السياسية، يُفسّر العداء الذى تحمله الأجهزة الأمنية القمعية لهذا الكائن - والقادم - الجديد ، الذى يكاد أن يُحطّم بدخوله عالم الإعلام ، إمبراطورية الصحافة التقليدية والقديمة . وإذا ما أضفنا إلى كل ذلك، ما أتاحته " غُرف الدردشة " وساحات " التدوين " الفردى والجماعى، ودخول الصحافة الإجتماعية ميدان صناعة الأخبار، فإنّ الصحافة الجديدة وصحافة المواطن ، أتاحت لقطاعات واسعة من المواطنين ، الفرصة فى التعبير والنشر، بعيداً عن الرقابة التى تفرضها الأجهزة الأمنية على الصحافة التقليدية.

وكل هذا وذاك، يُزعج - وبصورة كبيرة ، وبدرجات مُتفاوتة - الأجهزة الأمنية القامعة ، التى تعمل على منع تداول بعض الأخبار، التى لا تتوافق مع رؤاها ، كما يُفسّر جنوح جهاز الأمن إلى تعديل قانون الصحافة والمطبوعات الصحفية ، ليُدخل الصحافة الإليكترونية " بيت الطاعة"، بعد أن أحكم قبضته على الصحافة الورقية، بإجراءات الرقابة القبلية والبعدية ، ومصادرة الصُحف من المطابع، ومنعها من التوزيع ، بل وتوقيفها إدارياً وتعسّفياً " ، لفترات زمنية ليست محددة . وسبق أن قلنا - أكثر من مرّة - إنّ اجراءات (( الرقابة القبلية والبعدية )) على الصحافة المطبوعة ، التى يمارسها جهاز الأمن الوطنى والمخابرات فى السودان، ليست دستورية ، وتتناقض – تماماً- مع دستور السودان الحالى ، كما تتناقض مع التزامات وتعهُّدات السودان الدولية ، ومع ذلك ، لا يأبه جهاز الأمن من مواصلة السير فى طريق قمع ومنع الحريات الصحفية.

وبالأمس القريب ، تناولت وسائل التواصل الإجتماعى خبر إجتماع رئيس جهاز الأمن صلاح قوش، مع عدد من روساء الصحف ، وهو بمثابة تدشين عودة الرقابة القبلية على الصحافة. وكشفت أنّ الإجتماع الأمنى ( القوشى ) الذى تمّ بحضور رئيس لجنة الإعلام بالرلمان ، قد خلص إلى الآتى : (( 1- - تجديد التعهد بميثاق الشرف الصحفى الذى تمّ التوقيع عليه ، بين الصحف وجهاز الأمن العام 2005 . 2- سوف يكون هناك اجتماع شهرى لتحديد الخطوط الحمراء التى لن يُسمح بتجاوزها. ).. ومازالت القضايا الممنوع الحديث فيها " إنقاذياً "، والمحرّم على الصحافة فى السودان تناولها و تداولها ، تشتمل على قائمة متحرّكة ومُتجدّدة ، وليست ثابتة ، وتتغيّر بصورة يومية ، وفقاً للتقديرات الأمنية . وهذا يُفسّر الهدف من الإجتماع الشهرى لرؤساء تحرير الصُحف مع جهاز الأمن، إذ من المقرّر أن تتلقى الصحاقة فى هذا الإجتماع - الشهرى القترح - المستجدات الممنوع تناولها فى الأخبار، علماً، بأنّ هناك خطوط أُخرى - ظلّت - مفتوحة و مُفعّلة بين الطرفين ، تتلقى عبرها الصحافة التعليمات والتوجيهات الأمنية بصورة راتبة إن لم نقل يومية .

وتتصدّر قائمة الممنوعات والمحظورات الأمنية ، منذ سنوات ، تناول أخبار المحكمة الجنائبة الدولية " إيجابياً " ، ومؤخراً أُضيف إلى قائمة المنع الأمنى ، " نقد الذات الرئاسية " ، وقد وصل الأمر ، إلى توقيف صحفيين عن الكتابة ، وتحذير آخرين من التعرُّض للرئيس البشير فى كتاباتهم " سلباً أو إيجاباً " ، ويدخل فى ذلك ، منع الأخبار والآراء التى تعترض على ترشيح الرئيس البشير لدورة رئاسية قادمة ، كما يُمنع – بتاتاً- الحديث " سلباً " عن الرئيس وأُسرته فى الأخبار التى ترد عن الفساد. كما أَضيفت للقائمة ، ما أُطلق عليه " الأخبار السالبة " عن القوات السودانية المشاركة فى الحرب اليمنية ، والتعرُّض لأوضاعها ، ويشمل ذلك أخبار قوات الدعم السريع فى اليمن .... إلخ.

يبقى ، من المهم أن نؤكّد ، أنّ المنع والحظر الأمنى، مهما تطوّرت وسائله وأدواته وأسلحته ، فإنّه غير قادر على جعل السودان منطقة ( إظلام إعلامى شامل ) ، مهما كرّس جهاز الأمن من امكانات وممارسات قامعة ، إذ تبقى الصحافة الجديدة والبديلة – والحرة و المستقلّة حقّاً- عصيّة على التركيع. وعليها ابتداع أشكال المقاومة والإفلات من الرقابة الأمنية ، وتحدّيها، وهذا ممكن علميّاً وعمليّاً. وهذا ما يجب تأكيده فى عصر الفضاءات المفتوحة ، وعصر صحافة المواطن ، والمواطن الصحفى.

فيصل الباقر

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.