بسم الله الرحمن الرحيم

8 يونيو 2014

ملف 316


د. احمد المفتى وكيل وزارة العدل الاسبق

انتهت علاقتى الرسمية بملف المياه  فى السودان فى يوليو 2012 عقب انتهاء اجتماع وزراء المياه بدول حوض النيل الذى عقد فى ذلك التاريخ فى كيغالى ( بورندى ) ، وكانت علاقتى الرسمية بسد النهضة قد انتهت كذلك قبل ذلك فى مايو 2011 بخطاب اوضحت فيه تحفظاتى على مناقشة الموضوع فى اطار لجنة فنية محدودة الصلاحيات .

وبما اننى قد ذهدت فى الوظيفة العامة وكيلا لوزارة العدل فى اواخر العام 2001 ، فان انتهاء عملى خبيرا متعاقدا مع الدولة قد اكمل ابتعادى عن التكليف الرسمى وظيفيا و تعاقديا بعد اربعين عاما من تخرجى من كلية القانون جامعة الخرطوم عام 1973 .

ولكن علاقتى بالمياه لم تنتهى ،  لانه وعلى المستوى الشخصى فان علاقتى الشخصية  بالاخوة الخبراء فى وزارة الموارد المائية اللذين يتولون ملف المياه حاليا قوية جدا ، ولقد سعدت كثيرا بالعمل معهم لمدة عشرين عاما منذ ان عينت من قبل مجلس الوزراء الموقر مقررا للجنة العليا  للمجارى المائية الدولية فى العام 1994 ، ولقد تعلمت منهم الكثير وتعلموا منى الكثير . اما على المستوى الفنى فاننى قد واصلت المساهمة بخبرتى من خلال المقالات والمحاضرات والمقابلات هادفا من ذلك  الى وضع رايى امام الراى العام وامام الاخوة المسؤولين من ملف المياه ، لياخذوا منه مايفيد ويتركوا ما لا يفيد ، لان الموارد المائية شان وطن وليس شأن حكومة او وزارة معينة .


ومن خلال متابعاتى لمقالات د. سلمان  اتضح لى بما لايدع مجالا للشك بانه  يستهدف ادارة حكومة السودان  لملف المياه بصورة تدعو الى الاستغراب ، لانه لايبدى اعتراضات موضوعية ، ولكنه يحور مواقف الحكومة ويخفى عنها الحقائق . وقبل اثبات ذلك الامر بالدليل القاطع فى مقاله المنشور مؤخرا بموقع سودانايل بتاريخ الاول من يونيو 2014 ، اشير الى  انه و فى احدى المرات وعقب فراغنا نحن الاثنين من الاشتراك فى برنامج حتى تكتمل الصورة ذكر لى عرضا انه يعيب على العمل وكيلا لوزارة العدل فى عهد حكومة  الانقاذ  ، الا ان تلك الاشارة لم تستوقفنى لانها حقيقة ، حيث عملت كذلك مقررا للمجلس الاستشارى لحقوق الانسان  ومستشارا عاما للقانون الدولى فى تسعينات القرن الماضى . ولقد  كنت مقتنعا جدا بادائى الذى مكننى من القيام به عدم تدخل الحكومة من قريب او من بعيد فى عملى ، على الرغم من حساسية تلك المواقع ، وهذه  شهادة للتاريخ وليس لدكتور سلمان ولا اريد عليها جزاءا ولا شكورا من احد  .

وحين طالعت  مقال د. سلمان  تذكرت تلك الواقعة ، ولذلك تاكد لى ان د. سلمان يستخدم خبرته فى (فش غبينه سياسية )  ، وذلك  امر لا يهمنى الا من ناحية انه ينبغى توظيف خبراتنا القانونية فى مجال الموارد المائية لمصلحة الوطن ، ونترك المعارك السياسية لميادينها .

ولذلك لم أصدق عيناى وانا اطالع مطالبة د . سلمان للسودان بالتصديق على اتفاقية الامم المتحدة للمجارى المائية الدولية لسنة 1997 فى مقاله المشار اليه اعلاه  ، واخفاءه لكل الحقائق التى تخدم مصلحة السودان فى تلك الاتفاقية ،  على الرغم من استعراضه الدقيق لبنودها ، ونوضح ذلك فى النقاط المحددة الاتية والتى لا اعتقد انه يستطيع الرد على اى منها :-

اولا :   ان السودان يعى اهمية تلك الاتفاقية منذ اعتمادها من قبل الجمعية العامة للامم المتحدة فى العام 1997  ، حيث قمت ممثلا للسودان بالتصويت لصالح تلك الاتفاقية داخل الجمعية العامة للامم المتحدة بنيويورك  ، ولذلك طلبت منى  جامعة الدول العربية اعداد دراسة لشرح  تلك الاتفاقية ، ولقد نشرت الدراسة التى اعددتها  فى دورية الجامعة العربية الصادرة فى العام 2001 بعنوان " قانون الانهار الدولية الجديد ومصالح الدول العربية " .

وبدل الاشادة بموقف السودان المبكر فى تاييد  الاتفاقية والتصويت لصالحها فى المضابط  الرسمية للجمعية العامة للامم المتحدة قبل 17  سنة ، واصل د . سلمان انتقاده غير المبرر للسودان ناسجا روايات من بنات افكاره دون سند او حيثيات مدعيا  " لكن وفده عاد الى الخرطوم وبدأ عليه الارتباك والتخبط ....... ثم بدأ يتراجع ويتخذ منها موقفا منتقدا يوضح عدم الفهم بأساسيات الاتفاقية ".  ويا سبحان الله من ذلك الفجور فى الخصومة والجرأة على الحق والعزة بالاثم ،  حيث ان السودان قد ظل مستندا الى تلك  الاتفاقية فى كافة مواقفه منذ 1997 وحتى يوليو 2012 ،  ولسوء حظ د. سلمان  فان تلك المواقف مثبتة كتابة فى محاضر الاجتماعات بين دول حوض النيل ، ولقد نشرتها فى كتاب تحسبا لتلك الادعاءت الفارغة .

ثانيا :  لم توقع مصر على تلك الاتفاقية حتى اليوم ، وذلك دليل  لا يقبل اثبات العكس على ان مواقف السودان المائية مستقلة تماما عن المواقف المصرية ، رغم انف مزاعم   د . سلمان  بان مواقف السودان المائية هى  المواقف المصرية ذات نفسها  .

ثالثا: رغم اعترافه بان تلك الاتفاقية تنص على " الاحظار المسبق لدول حوض النيل الاخرى  عن المشاريع والبرامج التى تزمع تلك الدولة بنائها " ، الا انه لم يسقط ذلك الامر على سد النهضة ، لانه يعنى ببساطة شديدة انه كان ينبغى على اثيوبيا قبل توقيع عقود سد النهضة فى ابريل 2011  اخطار السودان ومصر  والدخول معهما  فى حوار حول الموضوع ، وهو ما لم يحدث ، لكن متى كان د. سلمان منتقدا لاثيوبيا ؟

رابعا : فى حلقة تلفزيونية على الهواء فى برنامج حتى تكتمل الصورة طالبت استنادا الى اتفاقية الامم المتحدة  بالاعتراف بالاتفاقيات  المائية السابقة بين دول حوض النيل ، خاصة اتفاقية 1902 بين السودان واثيوبيا ، ولكن   اعترض د . سلمان على اعتبار ان اتفاقية الامم المتحدة لا وزن لها . ولكن هاهو يغير جلده فى غير حياء ويصفها فى مقاله المشار اليه اعلاه  بانها " عصارة التجارب الانسانية ....... قوبلت الاتفاقية بالتاييد الكامل من كل الجهات القانونية فى العالم ..... ايد الاتفاقية المجلس العالمى للمياه والشراكة الدولية للمياه ........ ستصبح المرجع الاساسى لكل المحاكم  ولجان التحكيم وفض المنازعات فى قضايا المياه المشتركة "  . ونتعشم من الاستاذ   الطاهر حسن التوم استرجاع ذلك الجزء  من المقابلة التلفزيونية مع شخصى ود. سلمان  لمقارنة ماقاله د. سلمان عن اتفاقية الامم المتحدة فى تلك المقابلة مع سرقته لموقف حكومة السودان  فى مقاله .

خامسا : لم يذكر د. سلمان فى استعراضه التفصيلى  للاتفاقية اهم البنود التى تهم السودان وهى المادة (1)3 والتى تنص على انه ليس فى اتفاقية الامم المتحدة  ما يؤثر على حقوق والتزامات الدول المشاطئة المنصوص عليها فى اتفاقيات سابقة . ومن المعلوم ان اتفاقية 1902  هى اتفاقية سابقة تلزم اثيوبيا بعدم اقامة منشأة مائية الا بموافقة حكومة السودان ، الا ان اثيوبيا اوضحت انها لاتعترف بأتفاقية الامم المتحدة ، كما انها لاتعترف باتفاقية 1902 ، ود. سلمان صامتا صمت القبور وقد تكون فى فكيه (جراداية ) .

سادسا : اغفل د. سلمان  ذكر الموقف الاثيوبى الذى يتمثل فى التحفظ على اتفاقية الامم المتحدة  لثلاثة اسباب تهم السودان  ، وهى عدم اعتراف اثيوبيا بالاتفاقيات السابقة و بالاخطار المسبق ،  وعدم  تسبيب الضرر للدول الاخرى من منشات مائية مثل سد النهضة . بل ان د .سلمان قد اشتط فى معاداة السودان حيث ادعى  على غير وجه حق بان المبدأ الاساسى فى اتفاقية الامم المتحدة هو الاستخدام المنصف والمعقول  للمياه ، وان عدم تسبيب الضرر ليس مبدا مستقلا وذلك افتراء لان لكل منهما مادة خاصة تنص عليه على اعتبار ان كل واحد منهما مبدا مستقلا ، بذاته ، وانا شاهد عيان على ذلك  وانا اقول هذا لاننى قد اشتركت فى صياغة الاتفاقية ممثلا للسودان خلال 1995 – 1997 ود. سلمان لم يحضر تلك الاجتماعات على الرغم من  انه كان موجودا بامريكا ، وعلى الرغم من ان البنك الدولى الذى كان يعمل به قد كان مشاركا فى تلك الاجتماعات ، ولكن كما يقولون اذا لم تستحى فافعل ماشئت .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.