كلام الناس

• في كثير من الأحيان نحتاج للفضفضة بعيداً عن هموم السياسة التي لاتنتهي، خاصة عندما يتفاقم الإحساس باليتم المجتمعي في المدن والبلاد التي تطغى فيها الحياة المادية على القيم والموروثات الدينية والمجتمعية .

• لأول مرة شعرت بالفارق بين الحياة في المدن والحياة في الأقاليم عندما تم نقلي من الخرطوم للعمل في دارفور فكتبت مودعاً الخرطوم تحت عنوان " وداعاً أيتها الطاحونة البشرية" وبالفعل إنتقلت من ضجيج الخرطوم وصخبها إلى رحاب حياة إجتماعية سمحة معافاة، قبل أن تفسدها سياسات الإنقاذ التي أججت الفتن بين مكونات الأمة السودانية وتسببت في إنفصال جنوب السودان، كما أثارت الفتن القبلية في دارفور بإفتعال معارك مصطنعة بين "عرب وزرقة" كانوا يعيشون في أمن وأمان وتعايش سلمي إيجابي.
• هذا الإحساس باليتم المجتمعي يتفاقم في كل المدن الكبيرة والعواصم التي تطغى فيها الحياة المادية وتتراجع العلاقات الإجتماعية السمحة التي مازالت موجودة في القرى والأرياف في كل أنحاء العالم.
• * شعرت بتفاقم الإحساس باليتم المجتمعي عقب إنتقال أخي وصديقي عباس محمد سعيد من هذه الفانية- علية رحمة الله - لأنه كان صلة الوصل بيني و بين المجتمع الأسترالي وأنه جسد بالفعل درجة عالية من التوافق بين الإنسان السوداني الأصيل المتعايش والمندمج في المحيط الأسترالي.
• إستمرت علاقتي به بصورة يومية حتى بعد أن أقعده المرض عبر الإتصال الهاتفي اليومي للإطمئنان عليه وللتمتع ب "الونسة السودانية" الحميمة التي لاتخلو من جرعات حية من تجاربه العملية في أستراليا، ومازلت عندما يحين وقت المكالمة اليومية معه أكاد أهاتفه قبل أن أفوق للواقع.
• لا أكتب هذا للشكوى لإيماني التام بأن الشكوى لغير الله مذلة ، إضافة لقيمة الصبر الموجودة في موروثاتنا الدينية والمجتمعية، لكن حقيقة أكسبتني الفترة التي امضيتها في هذه القارة" الغابة" طبيعة الصبر الإجباري، فقط قصدت التعبير عن حالة اليتم المجتمعي التي أعلم أنها موجودة بدرجات مختلفة وسط كثير من الناس في أستراليا وفي كل دول المهجر الغربي خاصة وسط الذين جاءوا من بلاد مختلفة، وهي حالة تتطلب التحصن بالموروثات الدينية والمجتمعية دون الإنكفاء على الذات لأنه من المهم أيضاً الإندماج الإيجابي مع المحيط المجتمعي وحسن إستثمار الفرص المتاحة في هذه البلاد لإكتساب المزيد من الخبرات والتجارب التي تساعدنا في التمتع بالحياة الإجتماعية المعافاة.