20 يونيو، 2020

"في سياق الأزمة في دارفور، تفيد التقارير بأن حوادث العنف الجنسي استهدفت بالدرجة الأولى النساء والفتيات النازحات اللائي يعشن في معسكرات النزوح واطراف المدن وأشارت البعثة المشتركة للاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة في دارفور (UNAMID) عن وقوع 121 حالة عنف جنسي، من بينها 72 حالة موثقة يبلغ مجموع الضحايا فيها 99 ضحية( 52طفلا، منهم 9 أولاد).."
منذ اندلاع الحرب الاهلية في إقليم دارفور في العام 2003 ومروراً بقرار المحكمة الجنائية بادانة البشير وعدد من المتورطين معه في ارتكاب جرائم الحرب المريعة في الإقليم والتي شملت القتل الجماعي والتطهير العرقي إلى الاغتصاب المنظم وبعد مرور أكثر من عام على اندلاع ثورة ديسمبر المجيدة لم يتغير شيء فيما يخص أمن النساء والمواطنين من دارفور في مناطق النزاع المسلح.
حيث لا يزال مواطني دارفور قابعين في نفس الدائرة الشريرة، من انعدام الأمن وغياب حكم القانون، و العنف الجنسي، والفقر، ثم أخيراً انتشار وباء فيروس كوفيد-19 عبر مدن وقرى الإقليم.
يظل خطاب الحكومة الانتقالية حول إيلاء ملف السلام أولوية قصوى بادرة حسنة . أيضا اخذها خطوات بالتصديق على قرار مجلس الأمن 1325، وأخيراً نشرها خطة تنفيذ القرار محلياً كلها بوادر ونوايا طيبة ومرحب بها. إلّا أن آلام النساء في مناطق النزاع لا تزال أمراً واقعا وعاجلاً يستحق الاهتمام والاستجابة.
وبالإعلان عن إجراءات الوقاية القومية للحد من إنشار جائحة كورونا والتي بدورها تضمنت الحجر القومي الذي تم فرضه في 23 مارس 2020 على ولاية الخرطوم، ثم تطبيقه تدريجيا ليطال جميع ولايات السودان وُضعت ولايات دارفور في سياق مختلف تماماً.
حيث أن جزءأ كبيرا من التكوين الديموغرافي لسكان الإقليم لايزال من النازحين جراء الحرب والترويع واستمرار النزاعات القبلية المسلحة. و بذلك سرعان ما تحول الحظر الصحي في مناطق دارفور إلى مزيدٍ من العسكرة وتثبيت وشرعنة لسلطه المليشيات الغاشمة بصورة عامة وفي دارفور خاصة.
إن النساء بمعسكرات ابو شوك ومعسكر السلام و معسكر رواندا و في محلية طويلة معظمهن يعملن في القطاع غير الرسمي كبائعات أطعمة، أو مشروبات، أو منتجات زراعية، أو كعمالة بناء يصنعن الطوب البلدي، أو يمتهن الزراعة. وقد أثر الحظر على عملهن بتوقفهن الكامل عن العمل، أو بالارتفاع الكبير لأسعار المواد الخام لصناعة الطوب وضعف الموسم الزراعي نسبة لغلاء التقاوي.
وفي ظل ضعف الدعم الانساني من المجتمع المدني والحكومة الفدرالية والولائية، تضطر النساء للخروج بحثاً عن لقمة العيش، مما يعرضهن لعنف المليشيات وقطاعات القوات الأمنية المسلحة التي تجوب مدن وقري الاقليم دون محاسبية او مراقبة. حيث ارتفعت حالات الاغتصاب بنسبة 50% وفقا لبيانات المستشفى السعودي بالفاشر و ازدادت حالات الناسور البولي بين الطفلات جراء العنف الجنسي . يحدث كل ذلك في ظل تعتيم إعلامي تام.
إضافة إلى ذلك، استهدف البطش والتهديد العديد من الاشخاص النشطين في مجالات حقوق الإنسان والمرأة بحملة من الاعتقالات التعسفية من قبل العسكر في الإقليم. و قد أثر كل هذا على امتثال قضايا النساء للعدالة و في تحصلهن على الخدمات الصحية اللازمة و الدعم النفسي.
ما بين واقع انتشار فيروس كورونا في الإقليم بارتفاع عدد الوفيات بين المسنين، و الذعر المجتمعي، وحتمية تمديد فترة الحجر الأمني، وبين غياب واضح لدولة القانون وآليات واضحة من قبل الدولة السودانية تتجاوز ابداء حسن النوايا، نحن نقول في اليوم العالمي لمناهضة العنف الجنسي في مناطق النزاع:
إن الانتقال السلمي لدولة الديموقراطية لا ولن يتم بواسطة القوى الدولية كما هو معروف، وكما تعلمنا من الدروس السابقة في الدول الشقيقة بمنطقة القرن الأفريقي والساحل، فإن البعثات الدولية ليس لديها عصا سحرية أو قدرات في فرض آليات للسلام.
يأتي السلام بإيجاد آليات داخلية واضحة لفرض هيبة الدولة وذلك بازدياد الصرف علي وتمكين مؤسسات حكم القانون من محاكم وبوليس ونيابات، والاستثمار في البنية التحتية وفرض المحاسبية على الجناة،وانشاء حكومات الاقاليم والولايات المدنية ومجالسها التشريعية بأسرع وقت إضافة إلى الالتزام الحقيقي بتمدين الدولة والحد من انتشار السمة العسكرية داخل المدن ووضع تصورات واضحه للترتيبات الأمنية وبرامج نزع السلاح.
كما نؤكد على أن مفاوضات السلام دون إشراك حقيقي للنساء صاحبات المصلحة الحقيقيات المتضررات من الحروب لن تؤدى إلى سلام فعلي يتجاوز الأوراق والاتفاقيات. علماً بأن العدالة الانتقالية لا يمكن أن تتم بدون اشراك للنساء و الشباب و مؤسسات المجتمع المدني المختلفة وخصوصا القاعدية منها.
ولابد من تضمين النازحات الناجيات من ويلات الحروب كفاعلات سياسيات كوسيلة لبناء سلام مستدام بعيدا من طاولات ومنصات النخب.
لابد من خلق آليات داخلية لتجريم العنف الجنسي في مناطق النزاع والتصديق على اتفاقية سيداو والبرتوكول الافريقي لحقوق النساء والالتزام بقرار 1325 لأن السلام لا يتم بدون العدالة والإنصاف.
غير ذلك، سنظل أسرى لدوائر العنف الشنيعة لعقود كثيرة قادمة.
المبادرة الاستراتيجية لنساء القرن الأفريقي -صيحه