إذا دفعتك الظروف السيئة لتقف وجهاً لوجه مع مصلحة الجمارك السودانية، فتأكد أنك من المغضوب عليهم وتعيسي الحظ، وقطعاً، سيتم سلخك بعد ذبحك حتى لو كانت أغراضك التي تحملها للأستعمال الشخصي فقط وليست مهربة أو غير مشروعة.
أتى بي حظي العاثر، إلى صالة المطار، ووقفت مع المنتظرين لاستلام العفش، وكنت أمنى نفسي، باستلام الشنطة والمغادرة السريعة من المطار بعد رحلة طويلة مكللة بالتعب والسهر. ظهرت شنطتي والتي تزن 15 كيلو بالكمال والتمام، وبها علامة بالتباشير، ابتئست لذلك، وقلت في نفسي، هذا يعني المزيد من البهدلة، والخضوع لتفتيش الجمارك اليدوي، بفتح الشنطة وتقليب وشقلبة كل محتوياتها.
لم أملك من أمري شيئاً، ولابد من الاستسلام للأمر الواقع، وقفت في الصف الطويل، خارج صالة التفتيش، وفي مواجهتها، وكنا نتسابق لمن تكون له الأولوية في دخول الصالة حتى نتخارج من هذا الزحام. أما عن صالة التفتيش فحدث ولا حرج، فكانت مليء بالمسافرين والشنط التي تكسدت محتوياتها على الأرض بعد أن امتلأت طاولات التفتيش على أخرها بتراكم الأشياء عليها.
شعرت كأنني في سوق أم دفسو وليس في مطار عالمي يفترض أن يكون عنوان مشرف للدولة السودانية!! وأكاد أجزم أنك لن ترى مثل هذا المنظر في كل مطارات الدول النامية، ناهيك عن الدول المتحضرة. توالت بعثرة محتويات الشنط، وساد الهرج والمرج بين المسافرين الذين يتحدثون بلسان واحد، كلاً يستفيض في الدفاع المستميت للتهم الموجهة إليه من ضباط الجمارك، وشبهة مخالفة وانتهاك القانون وبالتالي، لابد من دفع الغرامة جراء هذا الانتهاك. شعرت أن كل ما في الأمر، هو جرك لدفع المبالغ التي يقررها ضباط الجمارك حتى يتركوك بسلام!!.
ما حيرني، أن معظم الذين شهدت تفتيشهم لم يكن من بينهم من يحمل أشياء مهربة أو غير مشروعة، كماً وكيفاً، فكل ما هنالك مستلزمات شخصية قد تكون من بينها بعض الهدايا للأهل والأحباب وخاصة المسافرين الذين حضروا بعد غيبة طويلة عن أرض الوطن. ولم أعرف لماذا إصرار إدراة الجمارك على كل هذا؟؟ رغم أن المسافرين تم تفتيشهم في البلدان التي حضروا منها، وكان يكفيهم تمرير الشنط على الماسحة الضوئية للتأكد من عدم تهريب أسلحة أو ما يهدد الأمن القومي.
أثناء وقوفنا، لاحظت، أن هنالك ضابط شرطة برتبة عقيد، خرج علينا وبصحبته سيدة كانت تحمل ما يزيد عن 6 شنط كبيرة ومنفوخة، وكان السيد العقيد يقوم بجر العربة التي تحمل شنطها، ومروا بجوارنا إلى طريقهم للبوابة الخارجية، وتركونا نعاني الأمرين. وما رأته عيناي، أن هذه السيدة لم تخضع للتفتيش، مثلنا، والأدهى من ذلك، أن شنطها لم تكن بها أى علامة بالتباشير، مما يؤكد أنها لا تحمل مما يشتبه فيه، وبالتالي لم يتم تفتيشها أو إجبارها على دفع غرامة الجمارك. مر هذا الحدث مرور الكرام، ولم يعلق من بالصف على ذلك!!.
حين أتي دوري، فتحت الشنطة على مصراعيها وانتظرت التفتيش. لاحظت أن الملازم أول شرطة، وكأنه يتعمد إذلالي، بإطالة الانتظار، فما أن يقترب من الشنطة إلا وأن يبتعد مهرولاً للحاق بأخرى!!. تكررت هذه العملية مرات عديدة!! سئمت وغيري الانتظار، كما سئمت العبارت المهينة التي تتردد على مسامعنا، والطريقة المتعالية والمتعجرفة في التعامل، وكأننا دون مستوى البشر، ولا كرامة لنا أو أدمية تُحترم.
طال انتظاري لأكثر من ساعة ونصف، وبعدها، حضر الملازم شرطة، وبدأ بتقليب محتويات الشنطة والتي لم يكن بها سوى مستلزماتي الشخصية جداً، ورغم وضوح محتوياتها ومشاهدته لها، إلا أن الملازم أول أصر على أن يسألني: ماذا يوجد أيضاً بالشنطة؟؟ وأريته مرة أخرى، رأي العين كل محتوياتها واحدة بعد الأخرى، وكأنه لم يصدق ما رأته عيناه، وكرر سؤاله: هل هذا كل ما بالشنطة؟؟ رددت بهدوء: نعم، وكانت أمارات وجهه تنضح بالشك والريبة وبدأ عليه عدم الاقتناع، وقال: أريني ما بداخلها، وللمرة الثالثة قمت بتفريغها كلها على الطاولة. شعرت بحيرته حين لم يجد ما يبحث عنه، ثم قال لي بلهجة آمرة: كدي أديني جوازك؟؟
تعجبت كثيراً لطريقة التعامل التي أشعرتني وكأنني إرهابية أتيت خصيصاً لغزو السودان وأنني أحمل أسلحة كيمائية ومتفجرات وقنابل أوشكت على الانفجار في وجوههم. وزاد من حيرتي، قيام ضباط الجمارك بتحرير الايصالات وإجبارك على دفع مبالغ طائلة لمجرد الاشتباه بأن أشيائك التي أحضرتها معك ليست للاستعمال الشخصي أو للهدايا، ولابد أن تخضع لقانون الجمارك. في حين لم يوضح لنا ضباط الجمارك ما هي المعايير التي تجعلهم يحددون أن أشياؤك الشخصية تمثل بضائع مهربة وغير مشروعة!! أو حتى تتعارض مع الحصص المحددة لذلك!!.
نظرت في وجوه من حولي، ورأيت الحسرة والدموع التي انهمرت لتعبر عما عجز اللسان عن قوله. تساءلت في نفسي، هل وصل الإفلاس حداً بحكومة الإنقاذ إلى هذه الدرجة؟؟ أم هو الإمعان في مزيد من الإذلال للمواطنين الشرفاء؟؟ هل لمجرد حملنا الجنسية السودانية، يعني أننا إرهابيون ونستحق المعاملة المهينة والقاسية؟؟؟، وهل كُتب على المواطن السوداني الشقاء وسوء الحظ في وطنه؟؟ ومتى ينتهي كل هذا العبث؟؟؟
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.