Muna Abuagla [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
هنالك من يرى أن جميع الاسلاميين الذين انتموا للحركة الاسلامية في يوم من الأيام، يحملون أوزارها وبالتالي يتشاركون مع حكومة الانقاذ في الاخفاقات والانتهاكات والفشل، وأن الكفر كله ملة واحدة. ولكني أختلف معهم في هذه الرؤى وأود أن أسوق الدلائل على ذلك. أولاً، لا يستطيع عقل – من عضوية الحركة الاسلامية المخلصة- أن يتصور أن تنقلب الحركة الاسلامية على مبادئها وتتنكر لها في لحظة من الزمن، وتأتي للسلطة عبر انقلاب عسكري.فبعد أنكانت الحركة الأكثر انفتاحا وتقدما واجتهادا وشورى، أصبحت الأكثر كارثية وتخلفاً وذلك بعد الانقلاب المشؤؤم. وما فتئت أردد أن أول أخطاء الحركة الاسلامية هو قيامها بالانقلاب وذلك نتيجة للتنكر لمبادئها التي عملت من أجلها، وبعدها، بدأت الحركة الاسلامية تتنكر لعضويتها كذلك، فألحقت بهم كل تنكيل وتشريد وقهر وظلم، بذات المنهج الذي انتهجته حين أتت بالانقلاب وانقلبت على مباديء الحرية والشورى والديمقراطية والعدالة،فقد استطاعت وفي وقت وجيز جداً أن تنقلب على أعضائها الذين وقفوا في وجهها، ونالت منهم بجدارة فائقة، حسدها عليها أعداءها، لأنهم يعلمون أنهم لن يستطيعوا أن ينجزوا ما أنجزته الحركة، ولو تكتلوا أو شحذوا له كل استطاعتهم. ولم تقف الحركة الاسلامية عند هذا الحد بل انتهت إلى تقسيم البلاد بانفصال الجنوب، والتخلي عن حلايب، والفشقة، وما يزالون يعملون على التخلي عن أجزاء اخرى من البلاد وفق مخطط مشهور ينتهي عند الحدود المرسومة على خارطة مثلث حمدي.
وأؤيد قولي أن فئة قليلة على رأس الحركة الاسلامية، فعلت أشنع الفظائع بالعضوية، فمنهم من قُتل ومنهم سُجن، ومنهمأُلحق به العار والخزي والذل، ومنهم من لم تأخذ بيدهوأردت به أسفل سافلين، ومنهم من نالت من همته وعزيمته، وأصبحوا أحياءاً كالأموات مشردين بلا مأوى ولا عمل وهم الذين بذلوا كل غالٍ ورخيص قبل هذا الانقلاب المشؤؤم. وتساووا بذلك مع قطاعات واسعة من المجتمع السوداني في الظلم والضيم والقهر الذي تعرضوا له. وأود أن أدعم ذلك بتجارب عملية حية من الواقع حتى يكون ظاهراً للعيان، أنه ليست كل عضوية الحركة الاسلامية مسؤولة عما حدث، بالمقام الأول، بل بسبب هذا الانقلاب الغاشم، ما زالت العضوية تعاني من أثر تجذر ذلك سلباً على المباديء والقيم التي آمنت بها. وإلا، لماذا اختفى أخيار وأطهار الحركة الاسلامية عن الأنظار؟؟؟  ولماذا لم يدلوا بدلوهم حول ما حدث ويحدث؟؟؟ وأين ومتى ستعج بهم الساحة السياسية مجدداً؟؟؟؟.
هنالك من يعتقد أن الأزمات بدأت داخل الحركة الاسلامية بعد أن حدثت المفاصلة في 1999م، وانشقت الحركة الاسلامية إلى حزبين، المؤتمر الوطنى والشعبي. ولكن المتابع للأمور، يمكنه أن يقول أن الأزمات بدأت قبل ذلكبكثير، وذلك حين أرست الحركة الاسلامية للقبلية وللغبن وللاضطهاد وللظلم في وسط عضويتها، ودعمته بالتزوير لإرادة عضويتها، وذلك عبر انحيازها لمرشح المركز عن طريق التزوير، وحدث ذلك في المؤتمر القومي العام، للمؤتمر الوطني عام 1997م (قبل المفاصلة) حين تم تزوير نتيجة الانتخاب للأمين العام للمؤتمر الوطني، لصالح د.غازي صلاح الدين (مرشح المركز) على حساب (مرشح الهامش) الدارفوري الأستاذ، الشفيع أحمد محمد، الأمر الذي ولّد حنقاً وظلماً بات مستشعراً في أوساط أبناء دارفور، ثم برز للعلن (الكتاب الأسود) الذي يحكي غبن أهل الهامش لصالح المركز ويؤسس ويرسي لقبلية مقننة. الأمر الذي فتح الباب لظهور المذكرات تلو المذكرات، وما زالت تترى.
ثم بعد ذلك أتت المفاصلة الشهيرة، وهنالك من أنضم الى حزب المؤتمر الوطني وأخرين أنضموا إلى حزب المؤتمر الشعبي، وهنالك من لم ينضموا إلى هؤلاء أو الى أولئك وهم كثر. بعد المفاصلة الشهيرة، انصب الاهتمام الكبير من حزب المؤتمر الوطني على محاربة وتهميش عدد مقدر من أبناء الحركة الاسلامية الذين لم ينضموا إلى صفوف المؤتمر الوطني، وحاولوا إغرائهم وترغيبهم بكل السبل حتى يذعنوا ويعلنوا انضمامهم لصفوف المؤتمر الوطني، وازدادت الحرب ضراوة على كل من رفضالانتماء.
وقتها، سمعنا بكثير من التحذيرات والوعيد والتهديد، للعضوية التي لم تسارع بانضمامها، ونال بطشهم الجميع، وفي نهاية الأمر تساوى لديهم الأمر ولم يميزوا بين من انضموا للمؤتمر الشعبي وبين من حادوا ولم يميلوا للمؤتمر الوطني أو الشعبي، فهنالك من تم تصفيتهم، وهنالك من تم اعتقالهم، وهنالك من حاكت ضدهم الدسائس وزج بهم في السجون، وهنالك من تم إبعادهم من وظائفهم. فكانت مجرد الشبهة دليل كافي على إعلان الحرب والتي أُتخذت فيها كل الوسائل المشروعة والغير مشروعة.
ونتيجة لسياسة الإقصاء والتهميش، صار عدد كبير من عضوية الحركة الاسلامية مشردين، مهمشين، بلا عمل وبلا مأوى.ونهج حزب المؤتمر الوطني لذلك اتجاهين، سياسة الترهيب،بالإمعان في التحقير والإذلالوبالطرد من الوظائف. والاتجاه الثاني، هو سياسة الترغيب بالمال والمناصب المغرية.وأذكر أن الحرب قد بدأت بالخدمة المدنية، فكما حدث بعد مجيء ثورة الانقاذ وقيامها بإقصاء كل من تعتبرهم غير موالين لها، تكرر ذلك وشمل الكثيرون، ومواصلة لسياسة تمكين الخدمة المدنية، تم إقصاء كثير من عضوية الحركة الاسلامية التي لم تعلن انضمامها للمؤتمر الوطني. كانت حرب عاصفة لا رحمة فيها ولا هوادة، وتجلت فيها عبقرية فئة قليلة من الحركة الاسلامية وتفننت في إيجاد السبل لمحاربة عضويتها وطالت حتى من كانت له أعمال تجارية بالسوق ومنهم من تم مصادرة تجارتهم ومنهم أغلقت مكاتبهم وصودرت معداتهم.وعندها، توارى الكثيرون من عضوية الحركة عن الأنظار وأختفوا، وزهدوا في كل شيء، وحتى قبل ذلك، ومن لحظة مجيء الانقلاب توارى البعض منهم. الأمر الذي مهد الطريق للكثير من الوصوليين والمتسلقين الذين استغلوا تنكر الحركة لمبادئها وحربها الشعواء التي شنتها على عضويتها المخلصة واستطاعوا التأثير على الحركة الاسلامية ونصبوا أنفسهم على أجهزة الحزب والدولة.
وما أود قوله هو أن الحركة الاسلاميةكانت هي الهرة التي أكلت بنيها ومن قبلها خالفت مبادئها وقيمها، وعمد قلة من الأشخاص بإدارة شئون الدولة وفق أمزجة وأدواء شخصية لا تخدم سوى مصالحها. أذكر أنني قلت لأحد المعارضين في حوار دار بيننا، وكان موجهاً لي اتهاماً محملاً، ما صار إليه حال الوطن. قلت له: أننا دفعنا الثمن باهظاً، أكثر بكثير مما تتصورون، رغم أنكم تنظرون إلينا بأننا ثلة واحدة وتحملونناأوزار حكومة الانقاذ وأننا منها براءون،وأن لنا شروط نتوافق عليها حتى تتبرأ وتتوب عما فعلته وتفعله. وأول ما عليها فعله، هو، إدانة منهج الانقلاب واستلامها الغاشم للسلطة بالقوة، وأن يتبع ذلك، تخليها عن السلطة فوراً، وإسقاطها للنظام القائم، على أن يكون ذلك، بالعمل مع كل القوى الاجتماعية والسياسية مجتمعة لإيجاد بديليتفق ويتراضى عليه الجميع، ويعمل على ترسيخ اسس أقوى للديمقراطية والمؤسسية واطلاق الحريات.
وأعتقد أنه إذا تم تأمين وتنفيذ تلك الشروط والتي أجزم أن هنالك الكثيرون من عضوية الحركة الاسلامية وغيرهم من الحادبين على مصلحة الوطن من القوى الاجتماعية والسياسية، أفراداً وجماعات، سيؤمنون بها وسينتظرون وقت تمامها.