حرية الفكر والمعتقد
هذه محاولة متواضعة تعبر عما يدور بخاطري، متلمسة أفكار تؤسس لفهم نظري وعملي لما يعرف بالدولة المدنية، حاولت أن استقي عبره، بعض الفهم من آيات القرآن الكريم، وما أسسه الرسول (ص) في دولة المدينة المنورة والتي أعتبرها أساس داعم وغني بالنظرية والتطبيق يصلح كأساس مرجعي. وبما أنه ليست هنالك نظرية سياسية اسلامية متكاملة لأستند عليها، إلا أنني سوف أستشهد ببعض أفكار وممارسات تصلح لوضع أساس معرفي وتطبيقي للدولة المدنية.
بالرجوع للفهم الصحيح للدين وبالنظر لفعل الرسول (ص) في دولة المدينة المنورة، نجد أن الحرية هي أصل في الدين، وأن الله تعالى جبّل الناس على حرية الاختيار دون إكراه فيما يؤمنون ويعتقدون، (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) بل اعطى الله حرية الكفر للناس، وأن كل انسان له مطلق الحق فيما يعتقده ويراه دون إكراه من احد، فله الحق في إختيار مواقفه ومفاهيمه حسب ما يشاء، لا قيد عليه، أو تدخل بتوجيه من سلطة عليا أو قانون. وكان هذا مبدأ أساسي ثبته الرسول (ص) في دولة المدنية، حيث أن الحرية تعني حرية الفرد وعدم الاعتداء على الآخرين وهذا ما يمثّل بحدّ ذاته احترامًا حقيقيًا للآخر واعترافًا بحريته وحقوقه.
وبهذا أسست دول المدينة لمبدأ تعدد الأديان والمعتقدات، وأنه ليس هنالك موقف واحد هو الذي يًفرض ويجب أن يُتبع ويسير عليه كل الناس، ولم يكن هنالك فرض لدين واحد على دولة المدينة، كما ليس لأحد إنكار ومصادرة غيره، لأنه يحمل معتقدات دينية مغايرة ومختلفة، أو لأن له مواقف فكرية مختلفة، فيبيح بذلك اعتقاله وتعذيبه وسجنه وقتله. يقول الطباطبائي في تفسيره (الميزان): (وفي قوله تعالى: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) "نفي الدين الإجباري، لما أن الدين وهو سلسلة من المعارف العلمية التي تتبعها أخرى، عملية يجمعها أنها اعتقادات، والاعتقاد والإيمان من الأمور القلبية التي لا يحكم فيها الإكراه والإجبار ".
ساهمت دولة المدينة في التآلف والانصهار حيث كان هنالك تعايش وانسجام بين المجموعات المختلفة من قبائل وأعراق وأقليات يهودية ومسيحية، حفظت لهم حقوقهم في ممارسة شعائرهم وممارسة أعمالهم التجارية وحقوق التملك وغيرها، في ظل ما يشبه أو نعرفه اليوم ب(الدولة المدنية أو المدينية). ومنحوا حرية الاعتقاد في ممارسة شعائرهم الدينية، " ولو شاء ربّك لآمن مَن في الأرض كلّهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين " فمنع الله رسوله بألا يكره الناس على الايمان، لأن الايمان تمثله قناعة الفرد نفسه دون إكراه. وانتقلت الخلافة الاسلامية بعد الرسول (ص) إلى الخلفاء الراشدين من بعده، وفق نهج تشاوري تراضى عليه الصحابه وقتها.
أول فتنة تشهدها الدولة المدنية بعد استشهاد الخليفة الثالث، عثمان بن عفان، واستلم  علي بن ابي طالب الخلافة بمبايعته من قبل جمع من الصحابة ورفض وقتها معاوية بن ابي سفيان مبايعة علي بن أبي طالب تذرعا بضرورة القصاص أولا من قتلة الخليفة عثمان مما أدى إلى فتنة بين المسلمين ومعارك بين الجانبين، واستمر علي بن ابي طالب في الحكم لمدة خمسة اعوام. وبعد اغتيال الخليفة علي بن ابي طالب تمت البيعة لابنه الحسن بن علي، الذي قضى ما يقارب السبعة أشهر في الحكم قبل أن يتنازل عن الخلافة لمعاوية بن ابي سفيان، حيث عمل الأخير على التوصية بالخلافة - خلال حياته - لابنه يزيد بن معاوية. وبعد وفاة معاوية أصبح ابنه يزيد هو الحاكم الجديد مما أدى إلى رفض بعض الصحابة من ضمنهم الحسين بن علي لذلك الأمر وبعد وفاة يزيد  تولى ابنه معاوية بن يزيد مقاليد الحكم وراثيا.
وبذا أصبح الحكم وراثياً ينتقل من الأباء للأبناء، وظهرت الفتن ونشبت معارك قادها الحجاج بن الثقفي انتهت باستشهاد الخليفة عبدالله بن الزبير، لينتهي بذلك الأمل في عودة الخلافة إلى منهج يتراضى عليه المسلمين. وبشكل عام تعتبر بداية تولي معاوية بن ابي سفيان هي بداية نهاية الخلافة وتحولها لملك عضوض وحكم وراثي منحصر في أسر حاكمة تتنافس فيما بينها على الحكم، مما أفضى إلى الدكتاتورية التي بدورها أصبحت سمة المسلمين وجوهر كل تجاربهم في الحكم التي ما تزال تغذي حكام اليوم.
ونتيجة للاختلاف الغير ممنهج فكرياً، ظهرت مواقف فكرية وعقائدية متشددة وشهدنا حروبات وتنازعات وانقسامات لفرق وطوائف عديدة. ومنها ما شهدناه من تجارب للدول التي تدعي تطبيق الشريعة الاسلامية أنها تؤسس لدين واحد فقط وهو الدين الاسلامي وتتنكر لما عداه من أديان ومعتقدات وحقوق لأقليات يجب ان تُصان وتحفظ، وهم بهذا لا يطبقون نهج الاسلام بل يطبقون الإسلام السياسي الذي يحاول فرض سيطرته على الناس كافة واستغلالهم باسم الاسلام. وما رأيناه من إباحة دماء الآخر واستحلال قتله، ونفيه وإبعاده، نسبة للخلاف في الرأي والمعتقد والفكر، والذي يعد بدوره سبباً كافياً وحجة قوية لحكامنا المسلمين لقتل شعوبهم باسم تطبيق الاسلام والاسلام بريء مما يفعلون.
أرى أنه بالنظر المصوب لأصل الدين والمعتقد وبالرجوع للتجارب العملية لدولة المدينة، نقول أن حرية الفكر والمعتقد تم التأسيس لها، ولا أجد هنالك خلافاً بينها وبين العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية و الاعلان العالمي لحقوق الانسان فيما يخص حرية الفكر والمعتقد. فقد ورد في المادة (18) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية (1) لكل إنسان حق في حرية الفكر والوجدان والدين. ويشمل ذلك حريته في أن يدين بدين ما، وحريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره، وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة، وأمام الملأ أو على حدة.
ونواصل
منى بكري أبوعاقلة
Muna Abuagla [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
\\\\\\\\\\\\\\\\\