وقفت على أبواب كثير من المسئولين بالدولة كأى مواطن سوداني اضطر لقضاء مصالحه، وفي كل مرة تضطرني الظروف إلى ذلك، أجدني أحمل هموم الدنيا كلها على رأسي ويكاد يقتلني الهم والغم، لأنني أعرف مسبقاً، أنني سوف أدوخ السبع دوخات، الأمر الذي يشعرني بالبؤس والإحباط والفشل لمجرد التفكير بأنني مضطرة للذهاب.
ولكن، إذا كنت من ذوي الحظوة والعزوة، أو أن لك واسطة تقربك إلى الموظفين زلفى، فأنت من الذين اختصهم الله وحباهم، فما عليك إلا أن تجلس داخل مكاتب الموظفين، معزز مكرم، وتخلف رجلاً على رجل، ثم يأتونك بالشاي والقهوة والبارد، وقبل أن تنتهي، تكون قد استلمت أوراق معاملتك.
أما أمثالنا من الكادحين، فلنا أن نطيل الوقوف في الصفوف وخلف النوافذ وتحت وهج الشمس ولهيبها، وليس لنا أن نتذمر أو نحتج، وإلا جُوبهنا بالطرد والتعنت الشديد الذي قد يفضي إلى أن تُعلق معاملتك نهائياً، إن لم تُحرم. وما لاحظته أيضاً، أننا دائماً ما نواجه بوجه عبوس متجهم لا يعرف طريقه إلى الابتسام، الأمر الذي يصيبك بالحيرة والدهشة، ولا تعرف كيف تتعامل معه، فبطريقته الفظة في التعامل، يغلق كل أبواب الأمل والتفاؤل في وجهك، وإذا اضطر للتحدث معك، فيرمي لك بكلمات قليلات لا تسمن أو تغني من جوع ولا تكاد تتبين شيئاً من كلام مبهم وغامض، يطنطن به، والويل كل الويل إذا طلبت أن تستوضح أو تستبين شيئاً مما استعصى فهمه، فغالباً ما ينفجر في وجهك، وكأنك سبب الفشل والمصائب التي حدثت له. وتظل تجري وتلهث لأيام وربما لأسابيع وشهور حتى تنقطع أنفاسك وقد تحصل على شيء وقد لا تحصل.
والمصيبة الأكبر إذا لم تكن تمتلك ثقافة المكان، ولم تتردد عليه من قبل، وبالتالي، لا تعرف من أين تبدأ إجراءاتك؟، ومن هو الموظف المعني بذلك؟ وأي الطرق تؤدي إليه؟ وما لاحظته، أنه داخل المؤسسة الواحدة لا توجد تعليمات واضحة تشكل موجهات للمواطن بحيث تغنيه عن اللجوء للسؤال.  وهنا تجد نفسك مرغماً ومضطراً لأن تسأل أحداً، وتفكر في أن تتوجه بالسؤال لأقرب موظف حتى يتم توجيهك التوجيه الصحيح. وأكاد أجزم أن الموظفين جميعاً، يعانون من قلة الخبرة في التوجيه الصحيح حيث لم يتم تدريبهم بشكل ملائم لمعرفة كيف تكون الإجابة المناسبة وكيف يكون التوجيه الأمثل، ويخيل لهم أن مجرد السؤال هو عبء أخر من
أعباء الوظيفة ولا يدخل ضمن اختصاصاتهم، ولا يترددون في أن يردوا عليك بزهج وقرف، مما يسبب لك الكدر والتعاسة والاكتئاب الذي يصحبك لبقية يومك.
وتجدني أتساءل: لماذا لا تكون علاقة الموظف هي علاقة تنم عن ثقة واحترام متبادل بينه والمواطنين؟ هل تنقلب الدنيا، إذا ابتسم الموظف -الذي يمثل الدولة- في وجهك؟ وهل تقوم القيامة لو أبدى لك قليل من الاحترام؟.
وعلينا أن نأخذ وقفة مع أنفسنا، إذ أن هنالك من الدول التي ضربت أروع الأمثلة في انتزاع حقوق مواطنيها، مهما صغروا، وتنتصر لهم، إذا أخطأ مسئولون في حقهم، ولا تتجاوز عن إهانات مواطنيها في الداخل والخارج، وتقف بقوة وتدافع عن مواطنيها.
فلماذا لا يحترم الموظف المواطنين ويتعامل معهم على أساس أن ليس لهم عقول يعقلون بها وليس لهم آذان يسمعون بها أو أعين يبصرون بها؟؟، لماذا لا يتم الاعتراف بأدميتهم وتوضيح وتفسير المبهم من سياسات وقرارت وتمليكهم المعلومات اللازمة، وعدم تحميلهم أسباب الفشل؟؟، ولماذا لا تتم مقابلة المواطنين بابتسامة بدلاً من التكشير في وجوههم؟؟؟.
أعتقد، أن احترام المواطن هو احترام لنظام الحكم، فالدولة في خدمة الشعب وتعمل‏ مؤسساتها على حماية الحقوق الأساسية للمواطنين وتوفير الخدمات الأساسية وتطوير السبل المعيشية وأن التشريعات والقوانين كفلت احترام المواطن وصون حقوقه وكرامته وهيبته ومكانته في المجتمع، فدستور السودان الانتقالي في باب وثيقة الحقوق، المادة (28)  باب الحياة والكرامة الإنسانية ( لكل إنسان حق أصيل في الحياة والكرامة والسلامة الشخصية، ويحمي القانون هذا الحق،...). والمادة (2) في طبيعة الدولة، تنص على ( تلتزم الدولة باحترام وترقية الكرامة الإنسانية، وتُؤسس على العدالة والمساواة والارتقاء بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية وتتيح التعددية الحزبية). وأيضاً ورد في ذات الدستور المادة (2) تحت (السيادة) :( السيادة للشعب وتُمارسها الدولة طبقاً لنصوص هذا الدستور والقانون ....).

وما أعرفه، أن المواطن يمثل الشعب والشعب هو السيد، فلابد من إظهار ولو قليل من الاحترام لهذا المواطن المنهك، ويجب على الموظفين في الدولة الذين يستخفون بالمواطنين وبمعاناتهم، مراجعة أنفسهم لأن المواطن ليس ملطشة للدولة بل أن المواطن هو الدولة.
Muna Abuagla [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]