وسط الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيش في إسارها السودان الآن، طرحت وزارة المالية على مائدة الحوار في مجلس الوزراء، ميزانية العام المقبل لإجازتها، توطئة لعرضها على البرلمان لإجازتها.
وتحت مثل هذه الظروف، تأتي الميزانية الجديدة مبنية على افتراضات من الصعب ضمان تحقيقها على أرض الواقع، وأهم مشكلة تواجه صنّاع القرار الاقتصادي هي التنبؤ بسعر الصرف خلال الفترة المقبلة، وقد ظل توالي الهبوط في قيمة العملة الوطنية، دون أن تبدو في الأفق ملامح أية متغيرات قد توقف هذا التدهور المستمر، وهذا الوضع سيؤثر تأثيراً بالغاً على الافتراضات التي بُنيت عليها الميزانية.
صحيح أن صادرات الحاصلات الزراعية يُتوقع أن تسجل مستويات أعلى من حصيلة صادرات العام الماضي، بسبب زيادة المحاصيل نتيجة لخريف غير مسبوق فيما توفر من أمطار، مع حسن توزيعها زمانياً ومكانياً، مما يجعل العام السابق تجربة شاذة ليس من المنظور تكرارها في العام المقبل، ولكن الصادرات - أيضاً - ستواجه صعوبات جديدة.
وإذا كان سعر الصرف بالنسبة للجنيه السوداني هو الكم المجهول، فإن الأمر ليس أفضل حالاً بالنسبة لحصيلة الصادرات، واجتيازها عقبات المصارف العالمية، في ظل وجود اسم السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب، التي لا نعرف متى تبدأ المحادثات المتعلقة بها، دعك عن صدور قرار يرفع الاسم من القائمة !!
وآخر مصادر الدخل المتوقع للحكومة في ميزانيتها الجديدة، هي رسوم عبور نفط جنوب السودان بواقع خمسة وعشرين دولاراً للبرميل الواحد، وبحصيلة لا تتجاوز البليون دولار سنوياً. وهذا أيضاً، افتراض يصعب أن يتحقق في ظل الواقع الراهن في الجنوب، إذ أن اتفاقية سلام الجنوب ما زالت تنتظر بداية التنفيذ الجاد، والسلاح ما زال في أيدي الجميع، ومرحلة ما قبل الانتقالية لم تسجل تقدماً حسب الجدول الزمني المتفق عليه، والمعارضة المسلحة لم تعد إلى جوبا بعد، بل ولم تتوفر الأجواء التي تضمن عودتها واستمرار تواجدها، وما زالت أمام السلام هناك عقبات كثيرة، تجعل من الصعب توقع انسياب النفط بلا صعوبات وبصفة مستمرة طوال العام، بحيث يبني عليه السودان توقعات راسخة.
والحكومة تعتمد في إيرادات ميزانيتها على الجمارك والضرائب، دون أن تأخذ في الاعتبار مظاهر الكساد الواضحة الاَن، وانخفاض القوة الشرائية للمواطن السوداني بصورة ترسم أبعاداً لكساد غير مسبوق في تاريخ السودان الحديث، ليس ذلك فحسب، بل إن رأس مال القطاع الخاص في تدهور مستمر بسبب التضخم المنفلت الذي نعيش فيه، وبسبب التدني المستمر في قيمة العملة السودانية، وحتى الآن لم تضع الحكومة خطة لإنقاذ العملة الوطنية على المدى القريب ولا على المدى البعيد.
وافتراض أن حصيلة الجمارك والضرائب ستوفر الدخل الذي احتوى عليه مشروع الميزانية الجديد، افتراض لا يستند إلى أي أساس منطقي، ولا يأخذ في الاعتبار حالة الكساد الراهنة، والأزمة التي تواجه القطاع الخاص وتأكل رأس ماله !
وأسوأ ما يمكن أن تحتوي عليه الميزانية الجديدة أن ترفع أسعار المحروقات مرة أخرى، تحت عنوان رفع الدعم، فإذا ما حدث ذلك فإن آثاره الجانبية ستكون أشد خطورة، وقد تؤدي إلى انفجار الأوضاع.
كان الأفضل أن تضع الحكومة ميزانية مؤقتة لبضعة شهور، ريثما تنفذ بعض الإصلاحات العاجلة، ثم تضع ميزانية واقعية، بدل أن تجيز ميزانية تكون مهددة بالانهيار قبل أن يبدأ تنفيذها !!
--