دخلنا في الشهر السادس من العام الميلادي، وبنهايته نكون قد أكملنا نصف السنة المالية. ويستحسن بنا في السودان أن نقف لإجراء جرد حساب لموقف الميزانية السنوية لهذا العام، ومستوى أدائها تحت ظروف هذه الأزمة الخانقة، والإحساس الراسخ لدى جميع المراقبين أن ميزانية هذا العام قد فشلت قبل أن يبدأ تطبيقها، وأنها - أصلاً - قد انبنت على توقعات غير واقعية، وتطلعت إلى تحقيق أهداف لا سبيل لتحقيقها.

ومع ذلك فإن الطاقم الوزاري المسؤول عن هذا الواقع المزري ما زال في مكانه لم تطله يد التعديل الوزاري الأخير، وما زال يدير الأمور الاقتصادية بالعقلية نفسها التي أنتجت الأزمة في المكان الأول.

الجنيه السوداني ما زال يوالي نزوله في مواجهة العملات الأجنبية، رغم الإجراءات الأمنية والإدارية والاعتقالات والمطاردات وتجفيف السيولة ومحاصرة الباعة، وأي انخفاض مؤقت في قيمة الدولار يحدث إثر تصعيد الإجراءات الأمنية يعود بعده الدولار للصعود فوراً في اليوم التالي، ليتجاوز أرقامه السابقة،
وسعر الدولار الآن -رغم كل هذه الإجراءات- قد اقترب من الأربعين جنيهاً؛ مما يعني أن هذه القيود المفروضة على حركة تجّار العملة لو رُفعت لسار الدولار في طريقه نحو المائة جنيه.

والتضخم تجاوز كل القيود واتجه نحو الستين في المائة، رغم أن الميزانية وعدت المواطنين بتخفيضه من 38 % نهاية عام 2017، إلى 19 % نهاية هذا العام. والواضح أنه مرشّح لمزيد من الصعود وربما يبلغ أربعة أمثال الرقم المستهدف في الميزانية نهاية هذا العام؛ بل إن المواطنين يشككون في صحة هذه الأرقام الرسمية؛ إذ إنهم يحسون أن السوق قد تجاوزها وفرض أسعاراً للسلع باتت فوق الطاقة الشرائية للمستهلكين؛ مما خلق أزمة جديدة، هي أزمة الكساد. وهو أمر طبيعي عندما تنفلت الأسعار من عقالها وتظل الأجور ثابتة، فتعجز دخول المواطنين عن شراء أساسيات الحياة وتبور السلع في الأسواق.

والميزانية أيضاً وعدت بضغط المصروفات وزيادة الإيرادات عبر إنفاذ البرنامج الثلاثي المصمم لزيادة الإنتاج والإنتاجية ولم تحقق الميزانية أياً من هذه الأهداف، وظل الصرف الحكومي في حاله، وظل جهاز الخدمة العامة المترهل في مكانه، بل وظلّت المبالغة في الوظائف الدستورية تستنزف أموال الدولة في وظائف هلامية، تفرضها محاصصات سياسية ذات طبيعة حزبية وجهوية وقبلية، ولا علاقة لها بإنجاز متطلبات العمل الحكومي.

أما زيادة الإنتاج والإنتاجية ورفع قيمة الصادر فما زالت مجرد شعارات للاستهلاك المحلي لا مكان لها على أرض الواقع، والمساحة المزروعة قمحاً في هذا الموسم كانت أقل من المساحة المزروعة في الموسم الماضي، والقطن الذي حقق إنتاجاً أكبر من المتوقع ألحقت الحرائق المتوالية في المحالج ضرراً بالغاً به، وأهدرت المليارات من أموال حصيلته تماماً، كما أودى الإهمال بآلاف الرؤوس من الماشية التي كانت قيد التصدير.

ولعل أبلغ دليل على تدهور مستوى الخدمات المقدمة أن نسمح للحرائق أن تلتهم آلاف البالات من القطن وأن نفقد الآلاف من رؤوس الماشية بسبب التهاون في اتخاذ الإجراءات المطلوبة!

ثمة حقيقة لا تقبل الجدل: المواطنون يعيشون في حالة إحباط لأن الأزمة الاقتصادية تحيط بهم من كل جانب، وهم لا يرون بصيص ضوء في نهاية النفق، ولا يشعرون بأن حكّامهم يحسون بمدى معاناتهم، ويزيد من حالة الإحباط تلك، أنه حتى عندما يتوقعون بعض التقدم في مجال من مجالات الإنتاج، يتم القضاء على ذلك الأمل بالإهمال وعدم تقدير المسؤولية، حينما تُقذف في البحر آلاف الخراف النافقة، أو تلتهم الحرائق المشتعلة آلاف (البالات) من محصول القطن !!