على مدى خمس سنوات ظل ممثلون لمصر والسودان وإثيوبيا يجتمعون وينفضون وهم يديرون ضرباً من حوار «الطرشان» حول مشروع سد النهضة، ذلك السد العملاق الذي خططت إثيوبيا بمنتهى السرية لإنشائه على النيل الأزرق قرب الحدود السودانية، حتى فاجأت دولتي حوض النيل الشرقي - السودان ومصر - بإعلانها عن وضع حجر الأساس لذلك السد دون مشاورة مسبقة مع أي من الدولتين، ودون عرض تفاصيل المشروع عليهما، حسبما تقتضي قواعد القانون الدولي،

بل وفشلت محاولات وزير الري السوداني السابق في الحصول على مستندات وخرائط ودراسات السد المقترح، بعد أن حصل على موافقة رئيس الوزراء الإثيوبي الأسبق الراحل مليس زيناوي بتسليمه وثائق المشروع لدراسته.

المحادثات ظلت تنعقد برتابة مملة على مدى خمس سنوات، وهي اجتماعات تتم وسط أجواء «متفائلة»، وعلى ضوء توجيهات من قمة الدول الثلاث بحسم الخلاف بين هذه الدول، ولكن بنفس الرتابة التي ينعقد بها الاجتماع ينتهي ذلك الاجتماع بإعلان الفشل التام في الوصول إلى اتفاق بين الأطراف الثلاثة.

الأسبوع القادم تشهد العاصمة الإثيوبية اجتماعاً آخر في مسلسل الاجتماعات الفاشلة التي يسبقها تفاؤل وتكهنات بأن ذلك الاجتماع مؤهل لإحداث الاختراق المرتقب، ليتضح أن ذلك التفاؤل لم يكن هناك ما يبرره.

مصر لم تستطع بعد أن تتعايش مع فكرة أن يقيم طرف آخر منشآت على النيل دون موافقتها المسبقة، أو ينفذ مشروعاً من شأنه أن يؤثر بأي قدر من التأثير على حصتها الحالية من مياه النيل التي تعتبرها (حقاً مكتسباً)،

ورغم التصريحات الدبلوماسية التي تتحدث عن ضرورة «التوافق» والتعاون والاستفادة المشتركة من موارد النهر، إلا أن أساس ومرتكز السياسة المائية لمصر هي أن نصيبها الحالي من المياه غير قابل للانتقاص، وأن أي متر مكعب يخرج منها هو مسألة حياة أو موت بالنسبة لها، وأنها - حقيقة لا مجازاً - هي «هبة النيل»، وما لم تأخذ الدولتان (السودان وإثيوبيا) هذه الحقيقة في الاعتبار، وتسعى (لتطمين) مصر بطريقة عملية وواقعية، فلن يحدث انفراج في الأزمة، ولا اختراق عن طريق حل تفاوضي.

إثيوبيا تقول إن مشروعها لا يستهلك مياهاً للري أو الزراعة، وإنها فقط تستغل (مسقط المياه) للتوليد الكهربائي، ومن ثم تعود المياه إلى مجرى النيل، وتسير فيه إلى مصبه دون أن تنتقص إلا شيئاً يسيراً لا يذكر ولا يؤثر على أنصبة مصر والسودان من مياه النيل،

ولكن هذا القول يحتاج لأن يثبت علمياً، عبر بناء نموذج (موديل) للخزان المقترح، يثبت عدم تبديده لأي مياه، وإن المياه الواصلة إلى مصر لن تنقص بدرجة تحدث لها (ضرراً محسوساً)، إضافة لذلك لا بد أن تطلق يد بيت الخبرة الدولي، لكي يبحث ويدرس ويحدد كل الآثار الجانبية والبيئية للسد حتى تتم معالجتها.

إذا تحقق هذان الشرطان يبقى الاتفاق على المدة المناسبة لملء بحيرة السد، بحيث لا يحدث الملء خللاً في وارد المياه لمصر والسودان يؤثر سلباً على كمية المياه الواصلة إليهما، كما لا بد من إنشاء آلية ثلاثية مشتركة تشرف على (تشغيل الخزان)، حسب جدول مواعيد متفق عليها،

ودون ذلك لن يحدث اختراق للمشكلة،

ولن يصل الأطراف الثلاثة لاتفاق !!
///////////////////