الجمعة، 16 فبراير 2018
تستقبل الخرطوم يوم الأحد (بعد غد)، وزراء الزراعة الأفارقة المشاركين في المؤتمر الإقليمي الإفريقي لمنظمة الزراعة والأغذية التابعة للأمم المتحدة في دورته الثلاثين، بعد أن قرر في دورته السابقة المنعقدة في أبيدجان عام 2016، أن تستضيف الخرطوم المؤتمر الثلاثين.
يأتي هذا الاجتماع في وقت يعيش فيه السودان تحت ظروف أقسى أزمة اقتصادية تواجهه في تاريخه الحديث، إذ تدنت العملة السودانية لأدنى مستوى لها، وارتفع التضخم إلى أعلى مستوياته، وفرضت الحكومة إجراءات قاسية عرّضت المواطنين لمعاناة كبيرة، يتعذر معها حصولهم على الحد الأدنى من ضروريات الحياة، بعد أن طال الغلاء الفاحش أهم السلع الضرورية، وعجزت دخولهم من أن تجاري الأسعار التي تقفز من يوم إلى يوم لتسجل أرقاماً قياسية جديدة.
ومن أهم أسباب هذه الأزمة، الفشل الذريع في تطوير الإنتاج الزراعي الذي هو عصب الاقتصاد السوداني، مع فشل جهود التصنيع الزراعي، الذي وفر للسودان في فترات سابقة اكتفاءً ذاتياً في بعض الصناعات مثل الزيوت النباتية.
لقد فشلت الحكومة في إدارة المشاريع الزراعية التي كانت مرتكزاً لاقتصاديات السودان، مثل مشروع الجزيرة، وأسهمت في انهياره مثله مثل باقي المشروعات الزراعية المروية. كما أهملت الزراعة المطرية، رغم أن السودان ظل يردد منذ سبعينيات القرن الماضي شعارات تدّعي أنه سلة غذاء العالم، وأنه يملك من الإمكانات ما يؤهله لأن يؤمّن الأمن الغذائي العربي، لكنه فشل فشلاً ذريعاً في أن يحوّل تلك الشعارات إلى واقع على الأرض، بل وعندما توفرت له أموال طائلة من نفطه المكتشف، والذي توالى تصديره منذ نهاية القرن الماضي وحتى العام 2011.
وحتى بعد أن ظهرت بوادر الأزمة الاقتصادية، لم تُتخذ الإجراءات الاقتصادية المطلوبة لإنقاذ الموقف، ولم يُضبط الإنفاق، ولم تُفعّل أجهزة الرقابة والمحاسبة والمساءلة حتى تضع حداً للفساد المستشري، ولم تُبذل الجهود لوقف الحرب وتحقيق السلام، حتى يتوقف الصرف غير المنتج لتمويل الحرب والاقتتال، فأصبح أكبر بند في موازنة الدولة هو الصرف على الدفاع والأمن، وتم ذلك على حساب التنمية والإنتاج وعلى حساب الخدمات للمواطنين.
والمؤسف أن السودان يمتلك المقومات المطلوبة لإحداث ثورة زراعية تنقل حياة أهله إلى أوضاع اقتصادية جيدة، ولكن تلك الموارد مهدرة بسبب سوء التخطيط وسوء الإدارة وخطأ السياسات، حتى بات السودان مستورداً لمحاصيل زراعية بلغ فيها في الماضي درجة الاكتفاء الذاتي وتجاوزها بالتصدير لدول الجوار، ثم أصابته لعنة الانهيار فأخذ إنتاجه يتدهور إلى أن أصبح مستورداً !! ومع ذلك، ما زال يردد أسطورة سلة غذاء العالم.
صحيح ما ورد في الورقة التفاهمية للمؤتمر الذي سينعقد في الخرطوم، والتي أعدتها وزارة الزراعة ومنظمة الأغذية والزراعة، عن إمكانات السودان الزراعية، وأن المساحات الصالحة للزراعة في السودان تبلغ 175 مليون فدان، ويُستغل منها حوالي الخمسين مليون فدان، وأن ثروته الغابية تغطي أكثر من أربعين مليون فدان، ويزخر بثروة حيوانية تتجاوز المائة مليون رأس من الماشية تعيش في مراعٍ خضراء شاسعة،
ولكن الصحيح أيضاً أن إنتاجيته الزراعية جد متدنية، وأنها تقل كثيراً عن المعدلات الدولية، وأنه لذلك ليس في وضع يسمح له بالمنافسة في السوق العالمي بسبب تدني غلة الفدان الواحد وارتفاع تكلفة إنتاجه.
وحتى الآن، تفتقر الزراعة في السودان للمعينات التكنولوجية، وللبذور المحسنة التي ليس هناك ما يبرر استيرادها من الخارج مع توفر الأرض والمياه والعلماء الزراعيين في البلاد، وكل مدخلات الإنتاج الزراعي تُستورد من الخارج وتتأثر بشح العملة الأجنبية وتصاعد أسعارها، ولا تجد الزراعة اهتماماً من الحكومة إلا في مجال ترديد شعارات النهضة الزراعية والنفرة الزراعية.
مؤتمر الخرطوم سينعقد تحت شعار «التنمية المستدامة للنظم الزراعية والغذائية في إفريقيا من أجل تحسين الإنتاج وخلق فرص عمل لائقة وجاذبة للشباب». وهو شعار جذاب، ولا شك أنه سينتهي بإصدار بيان يُصاغ في كلمات براقة ووعود متفائلة، ولا نعرف كيف يكون تنفيذه في باقي الأقطار الإفريقية.
ولكن، وحسب تجاربنا الماضية، فإن هذه الشعارات، ستظل بالنسبة للسودان، مجرد حبر على ورق، لا مكان لها في أرض الواقع.
وما لم يحدث تغيير جذري،
فإن الحال سيستمر في حاله:
الريف طارداً، والشباب عاطلاً !