كيف لا

في أوائل فبراير الماضي تنادت مجموعة "إعلام للجميع" مكونة من الإعلاميين والمبدعين الشباب تحت شعار "حقّ الجيرة والخوة" لمساندة المتأثرين بالأحداث من جنوب السودان، ويشقّ علينا أن نقول عن هؤلاء المتأثرين جيراننا لأنّهم أخوتنا قبل كل شيء، ولكنا مضطرون للقبول بالواقع. وهذا الواقع إن أخذ في طريقه كل شيء فلن يستطيع محو مشاعر نكنّها لأخوتنا في الجنوب ولن يستطيع النكوص بنا عن الواجب لأنّ المسؤولية أخلاقية قبل أن تصبح تاريخية.
عندما تم حسم قضية أبيي في بروتوكول خاص في إتفاقية نيفاشا ، كان من المؤمل أن تأتي بحلول لقضية التمازج بين قبائل بحر العرب من دينكا ومسيرية ورزيقات التي فرقتها الحرب بعد ما كانت مطمئنة في مراعيها. ولكن هذا المأمول كان سياسياً فقط بين أضابير المؤتمرات وكلام الساسة ، بينما كان المجتمع هناك وهو من اكتوى بنار الحرب يقوم بما عجزت عنه السياسة . لا أذكر  أنه جاء على مسامعي ذكر أبيي دونما تُذكر قصة حب أو زواج جنوبي شمالي ، ولا تُذكر أبيي دون أن يظهر هذا  التمازج والتصاهر بين قبائلها المختلفة. إذا كان هناك واجب للتكفير عن بعض خطايا المجتمع السوداني تجاه بعضه البعض، فدعونا نفتحها صفحة ناصعة يُزال منها كل ما علق بالذاكرة الحية وبتفاصيل علاقاتنا الاجتماعية وما يتردد من أفكار حول شرف القبيلة ووضاعتها على اعتبار جهتها أو لونها.
أول ما يجب إزالته ومن غير رجعة هو الأناشيد الشوفينية الموجودة في مكتبة التلفزيون، مثل "هاك من دار جعل" التي تؤديها فرقة الصحوة ، فأي صحوة هذه التي نحتفظ بما أدته من فتنة مقيتة. خط الوهم هذا نجده واضحاً بكثافة في قصص الدفاع الشعبي وفي عقائدية الإنقاذ الأولى التي فرقت بين دين ودين وبين قبيلة وأخرى وبين شمال وجنوب. المجتمع السوداني مجتمع مسالم لا توجد في قلبه نوايا خبيثة ولا رغبات دفينة في الإيذاء ولكنها سياسة الإنقاذ التي خلقت العدو بذلك الشكل ووحدت كل قبائل الشمال ضده ليجيء الدور الآن على الشمال نفسه. ثم حسّنت من صورة الحرب (الجهاد) ومكثت عند (هي لله)، وصعدت هي بالوكالة إلى الجنة ثم رجعت لتروي لزوجات القتلى من المحاربين هناك أن أزواجهم هناك مع الحور العين  وتقيم أعراسهم الأرضية أمام ناظري ذات الزوجات المكلومات مرتين.
انطلاقاً من هذه الخلفية فإنّنا نحاكم التاريخ لأنه تسبب في وضع تقاليد أقسى من الجلاميد، ونحاسب الحاضر لأنه ركن إلى سربلة الحقائق بالأوهام وتسبب في الأذى الجسيم للتراث السوداني ومجتمعه الذي من المفترض أن يكون سعيداً بتعدد قبائله.
لم يندمل جُرح الجنوب بعد ولكن انفتحت جروح أخرى في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق. أهلنا في دارفور خاصة يحتاجون لوقفة مثل وقفة "حق الجيرة والخوة" ولتكن حقّ البلد علينا ونحن على ثقة بأنّ ما حرّك شباب "إعلام للجميع" أكبر بكثير من الإمكانيات المتاحة لتحريك نفرة شعبية، ولكنه الإيمان بالقضية والواجب هو ما عمل على كسر حاجز المستحيل واستطاعوا بفضله مّد حبال طاقتهم حتى وصلوا إلى الناس. بقي مواصلة التفاعل معهم، التشجيع، الدعم، اللحاق بما تبقى من بلد كان اسمه السودان.
"أيها الرجل المشؤوم
ذو المنقار الفولاذي
يا ثاقب الفرح
إني أمتلك أسلحة وثيقة
كلماتي الصلبة القاطعة
ستدميك
رقصي، ضحكي، ديناميت يهذي
الكل ينفجر كالقنابيل
سأرديك قتيلاً
أيها الغراب الأسود
يا ثاقب الطبول
يا قاتل الحياة"
(ليوبولد لسنغور)
(عن صحيفة الخرطوم)
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.